موسم التباكي بين المسيطر و المهدور/ د.أحمد الجيلاني

 

بالنظر إلى تزايد انتشار عدوى التباكي في موريتانيا هذه الأيام، بين “الكتبة” بسرعة تضاهي معدلات زحف التصحر ووفيات الرضع ومعدلات الطلاق والبطالة والتهميش والحرمان.. وكل ما تتصدره موريتانيا من مؤشرات سالبة على مستوى العالم، فإن ما يثير حيرة أي باحث عن منطق متجاوز لبديهيات التزلف الأخرق، لقياس الولاء بكمية التحكم في إفراز السوائل العينية، هو سبب تباكي هؤلاء القوم على مصير المسيطر على مصائرهم المهدورة، وعدم ذرف دمعة على أوضاع إخوانهم المشابهين لأوضاعهم، الذين قضوا على مر عقود عمر الدولة الوطنية، بسبب عدم إتاحة فرصة لتطعيمهم عن الأمراض الوبائية التي قضي عليها في كثير من أنحاء العالم، أو أولئك الذين لم يحققوا فرصة لدخول فصل دراسي أو الإقامة في مسكن بشري أو الاطمئنان على قوت يومهم أو شربة مياه مأمونة؟
و بالأحرى عدم انخراطهم في بكائية جماعية مستديمة، على حال سبيلهم، الذي لم تمنحهم فيه أمهاتهم أشقاء من كثرة “لتزاوج بالمتعة” إن لم نستخدم “الدعارة المقنعة” أو على منعهم من المشاركة في بناء أوطانهم، حتى لا تبقى معرة مخجلة ونقطة ضعفهم أينما حلوا، وعدم السماح لهم بالتعبير عن ذواتهم إلا عبر الدعاية الموسمية في الانتخابات، لجلب الأصوات لأحد المسيطرين، ليعودوا بعدها إلى حالة “الكمون القسري”عبر تهميشهم وإقصائهم في انتظار استدعائهم لموسم “بوقي” آخر، بعد فترة يمكن العمل على التحكم في تسريع إيقاعها رغم تدني مردوديتها، على عكس المواسم الدورية الطبيعية.
فهل يستدعي فهم هذا الميكانيزم أو “الآلية المريبة” لمسلكيات النسق الاجتماعي الكسول، موضعتها كلازمة لواقع اضطراب المجال الايكولوجي، المرتبط بأقوات الناس، و من ثم اضطرابهم الوجودي، مع شعورهم بالعجز عن التحكم في مجالهم الدوري، مثل “موسم الخريف” الذي تتساقط فيه الأمطار في المنطقة لمدة شهرين من السنة تقريبا، مشكلة المصدر الأساسي لإنتاج قوت المجتمع الرعوي، والخاضع بالكامل لاعتباطية الطبيعة، التي إن جادت تنتعش قطعان البدوي، ويتمكن من تمويل متطلبات الإنفاق على مكانته، و العودة إلى الانسجام مع صورته، وإن قصرت، التجأ إلى ممارسات بديلة، مؤقتة، كالهجرة والعمل الهامشي… في انتظار الاستجابة السماوية لتضرعاته بمطيرية الموسم القادم، الخاضعة لخبرته بسلسلة التمظهرات المتقابلة، غناء موسم/ وشح آخر، مما كرس نمطا متفردا لتصوره لسيرورة التاريخ في سلسلة حلقات من مواسم متقطعة بمآسي الحرمان تارة، موصولة بذكريات بهيجة تارة أخرى، الشيء الذي عرض السمات الشخصية لسكان المنطقة، إلى التجلي بمظاهر مجالها الايكولوجي، بحسب روابط أو مثيرات الذكريات {فتبدو تارة بمظاهر التضرع للغيبيات/ وتارة أخرى بالجحود والتبجح بالنعم، و أخرى بالقبول بالتهميش والعمل الهامشي، بل بالذل والحقارة خارج المجموعة الزمرية، نزولا عند مبدأ “فريق مانك متزوج منه، عري كل سيئاتك”/ استمرار تبؤ المكانة المرموقة في الزمرة القبلية في المواسم الجيدة، “لولد الخيمة الكبيرة” بصرف النظر عن مزاياه الشخصية، كما تبدو تارة بمظاهر التشاؤم والبؤس والحرمان والانكفاء/ وتارة أخرى بمظاهر التفاؤل و الإقبال على مباهج الحياة، التي لا يسمح بأن ينأى أحد بنفسه عنها، حتى لا يوصم بالشذوذ الاجتماعي، أو الخروج عن الاتجاه العام} كاستعدادات اكتسبها الفرد أو الجماعة وانتظمت خلال خبرات حياتهم، بحيث أصبح لها تأثير توجيهي على استجاباتهم نحو الموضوعات أو المواقف المتعلقة بها، والتي تتجلى كثيرا في الميل العام الذي يتخذه المجتمع لشروط وجوده، الذي يظهر بدوره في شكل تنظيمات حزبية، أو مقولات أيديولوجية كموجهات سلوكية نحو فعل تاريخي يسعى إليه المجتمع، ويكرسه في فلسفات تربية نشئه، وفيما يقدمه لهم من تصوير للحياة، من حيث ما إذا كانت مجرد فرصة للهو والعبث أو التزلف، أم أنها تتضمن واجبات الانجاز والعمل الجاد، أم أنها مليئة بالمخاوف والترصد لإنزال العقاب لردع الانتهاك..، مما يترك الأثر الرئيسي على البنية الذهنية وقواعد ومواضيع الإدراك والوعي بموقع الذات والآخر في الوجود، ومن ثم، وبحسب مدى هذا الوعي بالواقع يتحدد مدى قبول الفرد أو الجماعة بواقعها أو التمرد عليه ـ حسب رأي (رايت ميلز) وكلما كان ذلك الواقع شحيحا، كلما اعتبر الفرد أن ذلك هو الوضع الطبيعي للحياة، بحيث يغير مسلكياته بتغير المواسم، و يربط وطنه بارتحال غيوم السماء الموسمية، أو حيث تتساقط مطرا على الأرض، أكثر من اعتباره حيزا جغرافيا وثقافيا وسياسيا .. محدد المعالم، ويستسيغ إعلان استقلال “دولته” من تحت خيمة في الصحراء دون أي مظهر للحضرية، ومن باب أولى البنية التحتية والفوقية للدولة، الخاضعة لتحكم الإرادة البشرية المنتجة، اعتمادا على انتظار الاستجابة السماوية لتضرعاته بجودة مواسم قادمة “في زمن ما” في تحقيق المعجزات بتطوير “دولته الوطنية الحديثة”!
أما كيف تنتقل مثل هذه العدوى النفسية المتباكية، فإنها تتم بفضل قابلية الأشخاص للاذعان الجماعي أثناء تفاعل دوافعهم مع بعضهم، وقابليتهم للتلقين، للتباكي على مصير المسيطرين، ومهما كان لسان حالهم يقول: ” إنه لشرف كبير لي أن تتيح لي الحق في نيل شرف أن أبكي مصابك، أيها المبجل الذي حرمني من أي فرصة وطنية أعبر فيها عن انتمائي بالمشاركة في بناء الوطن، ولكنك حين تصارع الموت ستكون عاجزا عن أن تحبس دموعي عن فرصة المشاركة في التبكية الوطنية على مصيرك، و (التذرذر) كورقات متيبسة بعد أن احتكرت عنها أي مصدر لترطيب سوائلها، ولو في شكل مستشفى متطور لإنقاذ حياتك “أنت” قبل تجهيز إسعافك الطائر إلى الخارج، بتكلفة باهظة، وإنقاذ حياة باقي الضحايا من المواطنين العاجزين عن مجاراة إسعافك”!
و مع ذلك، فحين العمل على تجنب الاستكانة لمغريات بديهيات التزلف، أو الحتمية الايكولوجية التي سبقت الإشارة إليها، فقد نجد ما هو طريف ومفيد في أدبيات العلوم السلوكية، حول العلاقة بين التأسيس الحضاري وإراقة الدم، حيث بدأت خطواتها الأولى باكتشاف أبناء الإنسان الأول، بعد أن قتلوه و التهموه، لتسري قوته في بدنهم، وليحلون محله، وبعد فوات الأوان، أنه كان السد المانع لصراعهم على ما هم عاجزون عن تنظيم توزيعه “قطيع الإناث” الذي كان يحتكر لنفسه وظيفته (الايروسية) فيقررون تأسيس “نظام المحارم” تجنبا لصراعهم كإخوة ضد بعضهم البعض على إناثهم، حتى لا ينقرضوا، ليشكل ذلك أول لبنة في البناء الأخلاقي “الضمير الاجتماعي” القائم على الشعور بضرورة التكفير عن مساوئ “قتل الأب” أو المسيطر، والتعبير عن ذلك، ليس باحترام قواعده في حظر المحارم كشرط وجودي “مانع للصراع على النادر” وإنما أيضا إقامة “مآتم العزاء” أو حفلات المواجهة الجماعية للموت، المتباكية على الفراق، كنوع من إعادة الاعتبار إلى الفقيد، ومحاولة استحضار بركات روحه، واستلهامها في تنظيم شؤون الحياة، وحيازة شجاعته في السيطرة لمنعهم من تفجير غرائزهم المدمرة لمعيتهم الاجتماعية، ولو عبر الاغتسال الرمزي “بالدموع” تطهرا من رجس دم القتيل.
وهكذا، لتتأسس عبر هذا الاستيهام، القواعد الموجهة لسلوك البشر، نحو الرقي الحضاري، الذي يتجلى فيه الإنسان القادر على ردع أو قمع غرائزه الحيوانية عن العدوانية و الاعتداء على الغير،.. بحسب قواعد محددة، قائمة على التوقع باحترامها من الكل، لصالح الرقي والانجاز والابتكار، والقضاء على شرور التخلف، والقطيعة مع النزوع الغريزي للتمتع بالسيطرة والاحتكار، حد قتل رموزه، ثم التباكي عليهم للتبرؤ من إثم فعل القتل؟ ولو على مستوى اللاشعور بتمني الموت لهم سابقا.
فهل ستشكل مثل هذه السابقة في الصحراء، مصدرا لكسر حلقة التعاطي مع الاستراتيجيات الموسمية، وتأسيس حضاري للدولة الوطنية، على غرار التاريخ الافتراضي الغابر؟ أم أن حالة هؤلاء المساكين تبدو ميئوسا منها، وهم يناضلون لنيل شرف المزايدات في موسم التباكي على جزء ضئيل من فائضهم الوحيد “طابور المسيطرين” المتعايشين، الذين ساموهم سوء العذاب، إلى حد يرشحهم لدخول الموسوعات، رغم صعوبة تحديد ما إذا كان ذلك بطابع التفرد في العملقة أم في التقزم! فهم جميعا ما زالوا يحتفظون بامتيازاتهم، دون أن يعرض أحدهم للمحاسبة، رغم استناد شرعية الإطاحة بأي منهم على فساد حكمه؟ مما يستوجب طرح سؤال آخر، عما إذا كان تباكي الموريتانيين على مصائر المسيطرين عليهم، يرجع إلى اعتقادهم بكونهم ليسوا جزءا من مشكلاتهم، و إنما هم جزءا من حلها؟ مما يتطلب إنتاج موسم للربيع الثوري الغائب في مجتمع الصحراء، ضد نفسه، حيث أطيح بالمسيطرين جميعا في مواسم انقلابية شبه دورية، بعد تكشف فشل رهان كل منهم على قدرة تسويق “وهم الدولة” في الارتهان إلى “جنابه كمسيطر عليها” بالاعتماد على تكريس الجهل و الأمية والتهميش، حد تحويل فرص المشاركة في بناء الدولة ـ عبر أي مدخل ـ من حق وضرورة عامة لتطوير البلد، إلى رأسمال نادر، يحتكره لنفسه، ليزيد بغبائه حدة الصراع على مكانته، ولكن لا غرو، فهم جميعا متشابهون في قصر نظر الإستراتيجية الموسمية، وكأنهم يتناسخون من بعضهم، فهم كلهم من فئة آل “الولد الخيمة الكبيرة”.