المجال التاريخي لتجكانت، وحضورها الذي يأبى النسيان/ ابراهيم الخليل برهيل

ابراهيم الخليل برهيل

بداية دعونا نتفق أن للتاريخ علاقة وطيدة بالإرث الترابي والجغرافى ، فكيف لأمة أن تثبت أنها كانت يوما ذات قوة ونفوذ وسيادة دونما أن يكون لها من الأرض ما عمرته ورفعت عمده ليبقى شاهدا عليها وعلى ملكها ، وهذا هو ما جئت لأحدثكم به اليوم ، أنه النزاع القائم على تلك الأراضى الصحراوية والتى لتجكانت منها نصيبا تاريخيا شرعيا ذلك هو ما دفعنى لأخط تلك الكلمات لعلها تذكرة ، فمما يؤرق العقل أن تكون الأرض ملك لك بشهادة التاريخ ثم وبدون وجه حق تجد من يتنازع معك ومع غيرك عليها غافلا عن حقيقة الأمر أو متغافلا ، الكل يدخل معترك النزاع باغيا بذلك توطيد موطئ قدمه بالصحراء الغربية وكأن الارض بلا أصحاب ملكوها منذ أمد بعيد ونسجوا تاريخا عريضا عليها ، تجكانت ذات الإرث التاريخى الكبير وصاحبة الامتداد الجغرافى العظيم تلك القبيلة العربية العريقة التى هي فى حقيقة الأمر مكونا رئيسيا لا غنى عنه فى أى نزاع أو تسوية أو حل و عقد تخص تلك البقعة من العالم وهي الصحراء الغربية بغض النظر عن كونها مغربية أو مستقلة، تلك القبيلة التى مثلت يوما ما يربو على ربع جيش المرابطين كيف لها أن تتعرض لذلك الظلم ؟ لقد ظلمها المحتل الفرنسي اولا حينما اقتسم مجالها الجغرافي مع إسبانيا ثم ضم جزءا من أراضيها إلى حكم دولة الجزائر وجزءا للمغرب، وظلمها الاسبان ثانيا بأن تم استبعادها من إحصائياتهم التفضيلية لسنة 1974 وكان الدافع هو رفض القبيلة أن تتعامل مع الاستعمار بكل صوره وأشكاله بما فيها رفض الإعانات التي كانت تقدم أنذاك، وإنه لمن غير المعقول أن يضيع حق من وقف للظلم والاستبداد ولم يقبل بأن يهادن ، وليس ذلك فحسب فظلم ثالث لم تسلم منه تجكانت وهو ظلم مؤرخي المغرب العربي لتجكانت وهو ما بدى جليا فى الخارطة القبلية في كل من المغرب و الجزائر و موريتان وهو أمر غير مقبول ، فإذا نظرت وجدت من الوثائق التاريخية ما يثبت حق تجكانت التاريخى ويشهد على إمتدادها على مساحات شاسعة بين المغرب والجزائر وموريتانيا وبعض الدول مثل مالي والنيجر والسنغال ، من تلك الوثائق مخطوطة مؤرخة سنة 1268 هجريا الموافق 1851 للميلاد من أرشيف تيندوف وعليها توقيع الشيخ العلامه محمد المختار بن بلعمش الكبير ومعه اثني عشر شيخا من كبار أعيان تجكانت بتندوف آنذاك ، وقد ذكروا بالتفصيل حدود القبيلة الجغرافية بأسماء الاماكن والأودية بما تحوى من قبور علمائهم وأوليائهم ، تلك المخطوطة كانت حجة وسيفا اشهره القائد أمانة الله السنهوري فى وجه الفرنسين فى العام 1959 للميلاد بعدما ترجمها للفرنسية وذهب بها إلى باريس مطالبا بحقوق تجكانت ورافضا أي نوع من أنواع الإستغلال لأملاكها سواء من الخارج أو من الداخل دون حتى إستشارة القبيلة ، أنه حقا لأمر محزن أن يتم انتزاع جزء من مجال تجكانت بالصحراء وتتحول تلك المنطقة الى جزء من الأرض المتنازع عليها ، وكيف التنازع على أرض لها مالك وحيد بالوثائق والمستندات التاريخية التى لا تقبل الشك، دخل الإستعمار فقسم المنطقة وخرج تاركا وراءه حدود وهمية لم تكن من قبل فتنازعت عليها الجزائر و المغرب، تلك الأرض الجكنية الأصيلة أرض تجكانت بالصحراء الشرقية المغربية و الغربية الجزائرية والتى أصبحت مسرحا لحروب عديدة مثل (حرب الرمال) فى العام 1963 ميلادي وكذلك ( حرب امكالة ) فى العام 1976 للميلاد بالصحراء الغربية، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد بل جائت جبهة البوليساريو من الساحل بعد ذلك بدعم من الجزائر و ليبيا إلى تلك الرقعة الجغرافية من أرض تجكانت سواء بالجنوب الغربي للجزائر أو في الصحراء الغربية وهي نفسها المنطقة التي دارت بها رحى الحرب بين البوليساريو والمغرب على مدار ستة عشر عاما ، وقد صنعت هذة النزاعات هي الأخري حدودا وتقسيمات جديدة مصحوبة بنزاعات إضافية ولتنضم بذلك إلى قائمة المتنازعين على أرض تجكانت التاريخية جهة إضافية اخرى إنها جبهة البوليساريو التي إستوطنت العاصمة الجكنية تندوف وشيدوا بها مخيماتهم على تلك الأراضى التاريخية بصحراء الجزائر طيلة خمس وأربعون عاما، كانت كل هذه الحروب و الأحدات و التقسيمات هي التي أجلت قبيلة تجكانت عن مجالها بكل من الصحراء التي تقع تحت نفود المغرب و التي توجد داخل الصحراء الغربية ، وهكذا حتى أصبحت الأراضى الجكنية داخل المملكة المغربية هى الأخرى محط أطماع ونزاعات سياسية واقتصادية وغيرها وعلى رأسها (المحبس)، بل هناك أيضا من ينادى ويطالب السلطات المغربية بعمالة لهم هناك وضم تلك الأراضى تحت سلطانهم وإخلائها من جميع الرعاة الرحل وهذا أمر مخالف لعرف الرعى والتبادل القبلي والتضامن و العقد الإجتماعي التي ذأبت عليه تجكانت حيث أن أراضيها كانت دوما مفتوحة في وجه جميع القبائل فلقد كانت تجكانت نمودجا لحسن الجوار والتعايش و لم يسجل ضدها التاريخ انها في زمن ما طردت من أراضيها من أراد الإنتجاع أو اللجوء أو الإستقرار بها، ولم يكن اعتراض شيوخ وأعيان القبيلة بالإعتراض الأعمى الذى لا جذور له بل إنه اعتراض مشروع مبنى على وثائق ومخطوطات تاريخية أصلية وموثوقة موجودة بزاوية القاضي المختار بلعمش الجكني بمدينة تندوف، فلما نجد ما نجد من مطالبات بحصر المنافع الإقتصادية والإستثمارية للدول الأجنبية فى قبائل معينة دون غيرها سواء على المدى القريب أو البعيد وعدم إشراك القبيلة المالكة للأرض فهذا أمر مرفوض، إن تجكانت لم تكن يوما تسعى للنزاع لعلمها بالدور المنوط بها فعله وهو البعد عن تلك النزعة القبلية التى تؤثر على تماسك المجتمع ولكن الحق أحق أن يتبع وذلك حق مشروع لتجكانت ، وهو ما عزم عليه شيوخ وأعيان القبيلة بأن يبذلوا كل ما استطاعوا إليه سبيلا من أجل ارجاع الحق لأهله، وذلك لن يحدث سوى بالمطالبة المستمرة والقوية بذلك الحق وإيصال الأمر للجهات المعنية و لكافة تجكانت بكل المنطقة و المجال و بكافة الدول التي تتواجد بها والإحتجاج للفت أنظار الجميع للرجوع للوثائق التاريخية التى تثبت ذلك الحق ولتعود الأحقية لقبيلة تجكانت فيما يستجد من أمور ذات صلة بالاراضي الجكنية التاريخية.

كما نحمل الدولة المغربية المسؤولية عن الوضع الذي تعيشه قبيلة تجكانت بعد أن تخلت عن تيندوف سنة 1962 لصالح جارتها الجزائر، عندما كان النظام المغربي يحرض القبيلة على عدم الإنصياع و التمرد ضد الجزائر على أساس أنهم مواطنين مغاربة (تحت يافطة البيعة) و بأن الجيش المغربي في طريقه إليهم للدفاع عنهم و تحصين أرضهم لكن في أخر المطاف ثم ترك قبيلة تجكانت تواجه مصيرها الذي دفعت تمنه غاليا و الأن نفس الأسلوب تنتهجه الدولة المغربية في ما تبقى من الأراضي الجكنية داخل الصحراء.