الزكاة إصلاح للنفس وتطهير المال/ بقلم: علي محمد الشرفاء الحمادي

علي محمد الشرفاء الحمادي

لم يكن تشريع الله سبحانه وتعالي خاصية لأحد سواه رب العالمين، فالتشريع هو خصيصة إلهية، إذ لا يجوز لأحد أن يشرع من تلقاء نفسه حتى الرسول صلي الله عليه وسلم إلا أن يتكلم بما ينزله الله عليه من آيات كريمة، وهنا تبرز خصوصية النبي، فلم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ينطق عن هواه أبدًا ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى / النجم : 5 )

فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان إلا مبلغا عن ربه ما أراده الله تعالي تشريعا لعباده ..
قال تعالي : وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿١٨ العنكبوت﴾
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٩٢ المائدة﴾
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴿٦٧ المائدة﴾
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴿١٩ الأنعام﴾
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴿٢٠ آل عمران﴾
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴿٤٨ الشورى﴾

فالرسول صلى الله عليه وسلم كان خير من أرسله الله للناس كافة لمهمة توصيل الخطاب الإلهي ..
من هنا لم تكن الزكاة تشريعاً من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل أمراً بالتشريع من الله سبحانه .. قال تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم / 103 : التوبة )
وأيضا قوله تعالى : ( والذين في أموالهم حق معلوم / المعارج : 25 )
وهنا لا ينحصر هدف الزكاة في صلاح المجتمعات وإعمارها فحسب، بل يتجاوز هدف الزكاة لما هو أبعد من ذلك، حين يكون هدفها ضمن ما حوته من أهداف عليا هو تربية النفس وإعلاء وتيرة السمو الإنساني والروحي لدى المسلم، حين تكون آثارالزكاة وقائية علاجية للجوانب الروحية لما قد ينتاب الإنسان من الانزلاق في درك المادية القاتلة والأنانية وحب الذات، فقد يرتد إلي أسفل سافلين فينسى دوره ويضيع أمانته ويكون أول عوامل الانحطاط هو الغلو في حب المال، ذلك الحب الفطري المعقول الذي يعتبر من نعم الله علي الإنسان حتى تعمر الأرض، قال سبحانه : ( وإنه لحب الخير لشديد / 8 : العاديات ) لكن الغلو يدفع الإنسان إلي الاكتساب وعدم الإنفاق على المحرومين، وبهذا يتحول من إنسان سوي متزن منسجم مع فطرة الاعتدال، إلي إنسان مادي لا يستشعر آلام المحرومين والفقراء .

فإذا ما حل المال محل العطاء والإنفاق يكون المرء قد ارتهن نفسه للتعاسة والشقاء بعدما أظلم قلبه وغادرته الرحمة والعطف علي الآخرين، وهو حال من جمع المال واعتبره هدفا بحد ذاته، وحينما يصل الإنسان لهذه الدرجة يكون علي موعد مع استحقاق الله له بقوله تعالى : (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9) ( الهمزة : 1-9 )

وتأتى فريضة الزكاة هنا كمخلص للإنسان من جموحه صوب حب المال وطلب الاستحواذ عليه بكل السبل والوسائل سواء أكانت في الحلال أم في الحرام ، تأتي هنا الزكاة تزكية للنفوس وتطهيرا لها كما في قوله تعالي : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم … / التوبة : 103 ) حين تكون الزكاة كما الجسر الذي يعبر بالمسلم من دنس عبودية المال وكنزه، إلي العطاء والبذل ومن ثم تطهير النفس كي لا يكون المال هو كل همه وفي لب فؤاده، تأتي الزكاة لتجعل المال مكانه في غير القلب والأعماق فيسهل علي المرء بذله في سخاء وكرم كي لا يصاب المسلم بأخطر داء قد حذرنا منه الله سبحانه وتعالى، إنه داء الشح

وهو أشد داء وأكثر ما يصيب هؤلاء الأغنياء أولئك الذين حذرهم الله من خطورة داء الشح بقوله تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون / التغابن : 16 ) والشح يجلب علي المسلم سخط الله وغضبه، فضلا عن عداوة الناس ممن ينظرون إلي ما حازه من نعيم لم يؤد حقه الذى فرضه الله عليه، تأتي الزكاة والصدقات هنا علاجا جذريا، لأنها تعوده دوام البذل حتى ولو كان مكرها خائفا من عذاب الله، فلا يزال العبد يجاهد نفسه حتى يسلسل له قيادها، ويلين له زمامها، فلا يمسك في مواطن البذل، ولا يحجم في مواضع الإقدام .

وإذا عالجت الزكاة داء الشح في نفس الغني المنفق، فهي أيضا تعالج داء الحقد والحسد في نفس الفقير الآخذ من هذه الأموال، هذا الداء الذي يجعل صاحبه ينظر إلي كل غني نظرة ملؤها الغيظ ، نظرة حسد أن أعطاه الله وحرمه، نظرة الامتعاض لماذا لم ينثر له بعض الحق لعله يقيم صلبه ويرقع ثوبه ويطعم ولده .. ولو استشرى هذا المرض ـ الحقد والحسد ـ في المجتمع أفضى إلي تدميره .

تتضح أهمية الزكاة بأن الله عزّ وجلّ قرنها مع الصلاة في مواقع كثيرة في الكتاب العظيم للدلالة على عظم منزلتها، مما يؤكد أن إقامة الصلاة تطهير للقلب، والزكاه هي تطهير للمال بواسطة الصدقة، وهي أيضا تؤدى نفس النتيجة للذين ينفقونها في سبيل الله، تأكيدا لقوله تعالى :
( وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ / البقرة : 43 )
( وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ /البقرة : 110)
( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ / المائدة 55 )
( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (سورة التوبة (11)
( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) سورة الحج (41)
( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ / النور (37)
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) سورة النور (56)
( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) سورة النمل (3)
( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) سورة البينة (5)

ومن منطلق تحقيق السلام الإجتماعي يجب أن تعطى الصدقات لكل أفراد المجتمع الذين يعتبرون ضمن الفئات المستحقة للصدقة دون استثناء أي فرد من افراد المجتمع لدينه أو عرقه أو طائفته