متحف مدينة ولاتة، عندما يغطي الإهمال تاريخ أمة.. (صور)

DSC00173.JPG

الحرية نت ـ مدينة ولاتة أو “بيرو” كما يحلو للبعض أن يسميها ذات تاريخ، مدينة صنعت في تجلياتها حضارة أمة، وكانت جوهرة المدن العالمة في الشرق الموريتاني، ربطت بين المغرب العربي وبلاد السودان جنوب الصحراء، وظلت بموقعها الجغرافي وساكنتها صمام نهضة لازالت تسطر في صمت وإصرار بقية حضارة لم تعلم محيطها القراءة والكتابة فحسب، بل كانت شريان اقتصاده وواسطة عقد التبادل التجاري بين تلمسان وتمبكتو.

تاريخ ولاتة بدأ مع القرون الأولى للميلاد وصمد رغم جحافل العابرين بخيلهم ورجلهم، رحلوا جميعهم وبقت ولاتة بعمرانها ورموزها وأوليائها الذين يحفونها بهالة من القدسية تناغي سكونها صباح مساء، مع كل اشراقة شمس يستبشر الولاتيون بإطلالة البيت الأبيض وروح سيدي محمد ولد مولاي اعل، ومع كل غروب يهدهدهم المساء بدمعة حنو من الشيخ سيدي أحمد البكاي “بودمعة” وكأنهما يحرسان ولاتة من النسيان، وهي التي هجرها ساكنتها الأصليون، فاضحت طرقاتها جادة تنشد العابرين ذات يوم والذين ترجلوا على أرضها غير بعيد عن محراب مسجدها العتيق حيث يرقد “العاقب” إبن الفاتح الإسلامي عقبة ابن نافع.

ذاكرة مريضة

رغم أن مدينة ولاتة تشبه في عبقها وصمودها مدنا هي برسم التراث الإنساني متاحف مفتوحة مثل تدمر وصبراته وغيرهما، فإن تاريخ المدينة الذي لا يمكن حصره في ذاكرة العبثي واللامتناهي الذي يصدر فرمانات تجرم العبث بالمدينة القديمة ومعالمها، دون أن يجيد قراءة هندسة بيوتاتها التي عرفت قبل عاصمة البلاد، الصرف الصحي وزخرفة المدن والحفاظ على التراث الذي لازال في جزء منه مقدسا.

حاول الولاتيون جمع جزء يسير من تاريخ مدينتهم، ليقدموه كنموذج للغرباء وعابري السبيل الذين يستنطقون التاريخ، نجحوا رغم قلة الإمكانيات وهجرة الأطر والساكنة الأصليين، في خلق كيان أطلقوا عليه اسم “متحف ولاتة” وكعادتها تلقفت السلطات الفكرة وقررت رعايتها، من خلال ما تسميه زورا بهيئة “المدن القديمة”.. الزائر لذاكرة المدينة سيدرك بمرارة أننا شعب بلا ذاكرة لا يقدس سوى اللحظة.

كل شيء في ذلك المكان المظلم التي تسكنه خفافيش الظلام، يئن تحت أكوام الغبار والإهمال رغم أن مقتنياته تعكس بجلاء قدرة الإنسان الولاتي على الفعل وصناعة التاريخ.

سيوف وبنادق، وأزياء يحاكيها صانعو الموديلات الراقية اليوم، أحذية وصناديق وحافظات، كلها من التراث الولاتي العريق الذي يجسد عظمة الذين عمروا هذه الأرض وصنعوا حضارتها.

ما يعانيه متحف ولاتة من إهمال لو حدث في بلد يقدس تاريخه، لسيق المسئولين عنه إلى المساءلة، لأن مثل هذه الجرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية لأنها استهتار بتاريخ أمة تنشد ترميمه في الذاكرة في الوقت الذي يتلاعب ببقيته الباقية انتهازيون عبثيون يحصلون من الهيئات الدولية ودافعي الضرائب من فقراء هذا البلد على عطاء سخي للحفاظ على ما تسميه علنا تراثا إنسانيا وتعبث به في سلوكها الجمعي الذي حرف القوالب الذهنية وجعل من البحث عن الثراء بأسرع السبل ثقافة وحضارة، في مجتمع يعاني الانفصام، هجر ماضيه المركون في متاحف المجهول، ينشد حاضرا لم يصنعه في فيافي الدواس واحميميم، القاسم المشترك بين هذا وذاك هو النحت في الذاكرة وبين الصخور لنفض الغبار عن الذات.

وإلى أن يتم ذلك سيبقى متحف ولاتة يختزل في ثناياه، مع الغبار وخفافيش الظلام، تاريخ أمة ظلمتها بيئتها ولم ينصفها حكامها.

(مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن)

الحرية نت