الإمام سار أو تحدّي التّعايش بين الجميع

الإمام صار.jpg

 ما فتئ ظهور حركات جديدة تقوم على مبدأ الهوية المشتركة مثل مجموعات “لحراطين”، “السونينكي”، “الولوف” و الحدادين أو “لمعلّمين” يملؤ الدنيا و يشغل الناس في موريتانيا. هذا النقاش المحموم غالبا و الذي تتناقله على أوسع نطاق وسائل الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي إنما هو أحد أعراض المرض التي يسببه انقطاع سبل الحوار المجتمعي على الصعيد الوطني و الإقليمي على حد السواء. هذه الأوجاع، إن بقيت بلا علاج، يمكن على المدى الطويل أن تعصف ببلد مثل موريتانيا يتّسم بتوازنات هشة.

 لتفادي هذه المخاطر توخّى الإمام عبدولاي سار خطابا و مبادرات محسوسة من شأنها أن تحثّ على التآخي و العيش معا في المجتمع. جدول أعماله مليء بالمواعيد التي أخذتها معه منظمات شبابية تطلب منه القيام بمحاضرات داخل المدارس و الجامعات و الهياكل التي يؤمّها هؤلاء الشباب مثل “الأتراب المربّون”، “رؤى العالم”، “دار السينمائيين” أو “لنوقف السيدا”.

 اشتهر الإمام سار بجمعيته “اليد في اليد” التي تنظم لقاءات و قوافل للأخوّة و الشراكة المهنية بين مختلف فئات المجتمع الموريتاني. و هي تستعد هذه السنة لتنظيم لقائها السنوي الثامن في شكل أول ملتقى عالمي لمسلمي الفضاء الفرنكوفوني بموريتانيا (CIMEF).

 من هو الإمام سار؟

ولد عبدولاي باندا سار في 1969 بأكجوجت و هي مدينة منجمية تقع بالشمال الغربي لموريتانيا. و نشأ بكائيدي عاصمة الغورغول على الضفة اليمين لنهر سينيغال.

 لا شيء مبدئيا كان يهيّء هذا الشاب المولع بالفلسفة، ابن البنّاء، لأن يصبح إماما. فهذا اللقب يناله من يصبح بفضل علمه و إلمامه بالدين الإسلامي، قرآنا و عبادات، قادرا على إمامة الناس في الصلاة أي بالنهاية من يقدر على أن يكون زعيما روحيا لمجموعة مسلمة.

 تعود الذاكرة بالإمام سار إلى طفولته فيقول : ” زوجة أبي التي ربّتني علّمتني قيمتين اثنتين هما : الصلاة و التواضع. كانت أسرتي ميسورة الحال لكنني في وقت الأكل كنت مجبرا على الذهاب للتسوّل كألمودا (و هو طالب العلم المتسوّل لدي مجموعة الولوف)…”. 

 كانت البداية في 1994، عندما أعيد فتح الحدود بين موريتانيا و السينيغال بعد أن أغلقت إثر أحداث 1989 الأليمة  التي تسببت في تهجير ألاف السكان على ضفتي نهر سينيغال. عبدولاي باندا سار الذي كان في سنة الأستاذية آنذاك شدّ الرِّحال لأول مرّة باتجاه سان لوي للقاء أمه و أخته التين انفصل عنهما لخمس سنوات طوال بسبب ذلك التهجير القسري. أثناء هذه الرحلة قرّر الفيلسوف الشاب العودة إلى موريتانيا ليتخصّص في علم الإسلاميات و تطلب منه هذا التحول المعرفي تعلّما لغويا و دينيا و رحلة في أعماق مجموعتين هما المغاربة و البولار… تكوين شامل تواصل على مدى سنتين.

 و بنهاية مرحلة التعلّم المكثّف، أدرك الإمام الشاب أنه في موريتانيا يوجد نوعان من الإسلام : إسلام للناطقين باللغة العربية و إسلام للآخرين و فهم أن هذا  وضع اللاطبيعي قد يشكّل على المدى البعيد خطورة على استقرار بلد جميع مواطنيه مسلمون. استقرّ رأيه بعد أن فكّر مليا في الأمر على تأسيس الجمعية و استغرقت بلورة هذا المشروع الفترة الممتدّة بين 1996 و 2006.

 جمعية “اليد في اليد من أجل الثقافة و العمل الاجتماعي” رأت النور و ضمّت أعضاء و عضوات  ينحدرون من كل المجموعات : مغاربة، بولار، سونينكي و ولوف. و من بين أنشطة هذه الجمعية تنظيم لقاءات و بعث برامج للإدماج و التبادل و التقارب بين هذه المجموعات مثل “لقاء الأخوة” المتمثل في تبادل تجارب حياتية انغماسية من شأنها أن تبدّد الأحكام المسبقة أو “قافلة الأخوة”  الطبية المتشكّلة من  مختلف المجموعات المكوّنة للمجتمع و التي جابت العديد من القرى.

 بالتوازي مع نشاطاته صلب الجمعية ينظّم الإمام سار، الذي يحذق اللغتين، محاضرات و خطبا دينية بالجوامع يلقيها باللغة الفرنسية و كذلك باللغات الوطنية. و يقول في شأنه عبد الرحمان  أحمد سالم، مدير دار السينمائيين : ” إن ما يميز  ألإمام سار عن غيره هو أنه إمام شاب في قلبه، في طريقة تفكيره، في تعامله مع الناس، في رؤيته للتعايش، في هيأته و حتى في تصرّفاته. بالنسبة لي هو يمثّل رمزا للطاقة الشبابية و قوّة اسمها “إمام شاب” خاصة و أنه  قريب من كل الأجيال”.

 أما بوبكر ولد مسعود، رئيس “نجدة العبيد”، فيقول عنه : ” الإمام سار يمثّل بالنسبة لي إمكانية وحدة  و أخوّة حقيقية  بين مختلف مكوّنات هذا البلد. […] تعرفون… أنا أرتاب كثيرا لسماع كل تلك الخطابات الخاوية التي تتشدّق بالوحدة الوطنية. […] و أنتظر رؤية إنجازات فعلية. […] عرفته في السجن رفقة أصدقائه الإسلاميين عام 2003 و عندما رأيته عاهدت نفسي على أن أدعمه و منذ ذلك الوقت وجدت فيه صديقا عظيما. هو شخص لا يبخل بوقته و بنفسه على الآخرين. ذهبنا سويّا إلى البقاع المقدّسة  لأداء مناسك الحج عام 2005 و لقد تعلّمت منه الكثير”.

 و يوضّح رئيس “نجدة العبيد” أن الإمام سار يتعرّض من قبل السلطات إلى مضايقات تمنعه من القيام بمعظم أنشطته. من ذلك مثلا  الوكالة التي أسّسها الإمام بمعيّة رفاقه من مختلف مكوّنات المجتمع لتنظيم مناسك الحج و التي لم تتمكن من الحصول على ترخيص و الحال أن المؤسّسين يكادون  يكونون الوحيدين الذين يقدّمون يد المساعدة و العون الملموس للحجيج الأفارقة الذين يتم إهمالهم عموما في البقاع المقدّسة.

 و تقول حماته، السيدة ياي نداو كوليبالي، و هي صيدلانية و نائبة عن حزب “تواصل” و عضوة بجمعية “اليد في اليد” : ” الإمام سار هو نموذج للأخوة و الطيبة وبذل الذات و العطاء. هوكذلك مثال يحتذى به كمواطن يعمل كثيرا ليعمّ السلام و ليملأ القلوب و الأذهان و يفعل كل ما عليه فعله لبناء روابط متينة و دائمة تجعل السلم تسود في الدنيا و الآخرة. و حتى لا نطيل، يمكن القول بأن قصّة الإمام سار هي قصّة حب، قصّة لا تنتهي”.

المصدر