ملامح دولة عصرية من خلال نقطتين

 

  1. العمل على استغناء البلد عن الخارج عبر تنمية القطاعات الإنتاجية
  2. الحكومة تتعهد، بالاحترام التام لمبدأ الفصل بين السلطات طبقا للدستور و تلتزم، بتطبيق ما قد يصدره القضاء من أحكام وقرارات في ملفات الفساد.

 

بعد قراءة متأنية لبرنامج حكومة معالي الوزير الأول المهندس محمد ولد بلال لاحظت انه  من خلال هاتين النقطتين يمكن الحكم على هذا البرنامج أنه برنامج طموح ويؤسس لدولة عصرية و ذات سيادة حيث انه بات من المسلم به أن بلدا ينتظر ضروريات حياته من خارج حدوده فمصيره يحدده غيره و قد أكدت جائحة كوفيد 19 هذه الفرضية للعديد من دول العالم :”  الاستقلال الحقيقي  لبلادنا يكمن في مدى قدرتنا على حسن تسيير ثرواتنا والاستفادة القصوى من مقدراتنا، وتنمية مواردنا وتنويعها، وعلى تلبية الحاجات الأساسية لمواطنينا وبلوغ أعلى درجات الاكتفاء ، والتوازن والأمن، باعتبار أن ذلك هو الضمانة الوحيدة الحقيقية لاستقلالية بلادنا وسيادتها” (من خطاب الحكومة).

، و قد شكلت السياسة العامة للحكومة هذه ترجمة حرفية لبرنامج فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني “تعهداتي” الذي نال به ثقة الشعب الموريتاني, كما عكست  في مختلف جوانبها تطلعات هذا الشعب.

إن سعي حكومة معالي الوزير الأول إلى الاستغناء عن الخارج خطوة غير مسبوقة رغم مضي ستة عقود من عمر الدولة و رغم مقدراتها الاقتصادية الهائلة لكن غياب الاستراتجيات و التخطيط المحكم ظل يحول دون مجرد التفكير في اكتفاء ذاتي في مجالات لم تعد مما يستورد في عديد من دول العالم كالمواد الغذائية و الصناعات التحويلية.

لم ينطلق تفكير معالي الوزير الأول من فراغ و إنما جاء نتيجة لتضافر جملة من الأسباب و التي من أهمها :

1- إرادة الإصلاح التي أعلن عنها فخامة الرئيس في برنامجه الانتخابي “تعهداتي” .

2- ما تزخر به البلاد من موارد اقتصادية كبيرة كالمساحات الزراعية الشاسعة- الشواطئ الغنية بالأسماك – الثروة المعدنية الهائلة – الثروة الحيوانية _ الطاقات الشبابية العاطلة.

3- تنسيق العمل الحكومي بشكل يعتمد العقلانية في الطرح و التخطيط و الصرامة في التنفيذ و المتابعة و لا شك ان تكليف فخامة رئيس الجمهورية للمهندس محمد ولد بلال بهذه المهمة لدليل على قدرته على تنسيق العمل الحكومي بالمواصفات الأنفة الذكر.

و وعيا منه بجسامة المسؤولية و ما يعلق من آمال على فريقه الحكومي باشر فور تسلم مهامه الشروع في إعداد هذا البرنامج الحكومي الذي تناول مختلف جوانب الحياة مع التركيز على القضايا التي لها انعكاس بشكل مباشر على الحياة المعيشية للمواطن.

كما تميز هذا البرنامج بالمواءمة بين الطموح و الواقعية حيث يسعى إلى استغلال موارد الدولة و العمل على دمجها بغية تنشيط مختلف القطاعات  :” ولا يمكن لبرنامج الإصلاحات المزمعة أن يؤتي أكله ما لم يرتكز على سياسة اقتصادية قادرة على تنشيط قطاعات الصناعة، والكهرباء، والصناعات الزراعية، والبناء والأشغال العامة، والسياحة، والخدمات وعلى تنمية التقنيات الجديدة وترقيتها، وكلها شعب ومجالات تتوفر فيها بلادنا على مقدرات كبيرة وأسواق واعدة”.(من خطاب الحكومة)

و الحرص على تقديم برنامج واقعي و قابل للتجسيد على ارض الواقع على المديين  القريب و المتوسط.

 و إدراكا منه لمعانات السكان فكان تحديد الأولويات و العمل على الشروع في تنفيذها من سمات هذا البرنامج: “وسيتم تحديد الأولويات في إطار مقاربة عقلانية تنصب على ترقية الجهات المغبونة والحد من مختلف أشكال التفاوت، وتنمية عالم الريف، ومكافحة الفقر والتهميش، وإشراك المرأة بصورة أكبر دائما في النشاطات التنموية، والرفع من مستوى الموارد البشرية وأخيرا، وبصورة خاصة، ترقية التشغيل ودمج الشباب في عملية الإنتاج“(من خطاب الحكومة)

وقد تضمن هذا البرنامج خطة اقتصادية متكاملة كفيلة بتحقيق الأهداف المعلنة: “وتستند هذه الخطة إلى تحويل هيكلي للاقتصاد يهدف إلى توفير شروط تحقيق انتعاش اقتصادي أكثر قوة، وفق مقاربة مستدامة، شاملة ومبتكرة، تركز بوجه خاص على مضاعفة دور القطاع الخاص كمحرك للنمو، وتثمين أفضل لمقدراتنا من الموارد الطبيعية، ولاسيما في مجالات الصيد البحري و الزراعة والتنمية الحيوانية وتجدد الغطاء النباتي والغابات.

ومن هذا المنطلق ستساهم هذه الخطة في تقليص اعتمادنا على العالم الخارجي، وفي تحسين قابلية تشغيل مواردنا البشرية، فضلاً عن تعزيز إنتاجية وتنافسية الاقتصاد” (من خطاب الحكومة)

و بخصوص النقطة الثانية: ” الحكومة تتعهد، بالاحترام التام لمبدأ فصل السلطات طبقا للدستور و تلتزم، بتطبيق ما قد يصدره القضاء من أحكام وقرارات في ملفات الفساد ”  فقد كان من الواضح ان حكومة معالي الوزير الأول و بتوجيه من فخامة رئيس الجمهورية عاقدة العزم على تكريس مبدأ فصل السلطات و على القطيعة التامة مع الفساد و المفسدين  : “وبخصوص ملف تحقيق اللجنة البرلمانية، فإنني أحرص على أن أوضح من على منبر ممثلي الشعب أن الحكومة تتعهد، بالاحترام التام لمبدأ الفصل بين السلطات طبقا للدستور. وبالتالي فإنها تمتنع عن التدخل، بأي شكل من الأشكال،في إجراءات القضاء المتعلقة بالملف المذكور،مع الالتزام، كما هو واجبها، بتطبيق ما قد يصدره القضاء من أحكام وقرارات بهذا الصدد أيا كانت.فبهذا الثمن وحده يمكن لبلادنا أن تتصف بصفة دولة القانون التي بدونها لا يمكن إنجاز أي شيء مستدام وقابل للبقاء على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. (من خطاب الحكومة)

و تجسيدا لاحترام السلطة التشريعية و الاعتراف بدورها الرقابي أكد معالي الوزير الأول على أخذه لتوصيات البرلمان بعين الاعتبار : “أما عن توصيات لجنة التحقيق البرلمانية المتعلقة بإصلاح الحكامة العمومية، فيمكنني أن أؤكد لجمعيتكم الموقرة الآن،باهتمام كبير وقوة،إرادة وعزم الحكومة على أخذها بعين الاعتبار، سبيلا لإضفاء المزيد من الشفافية على تسيير الشأن العام“(من خطاب الحكومة)

يتضح و بشكل جلي أن هذه الحكومة مصممة على إرساء دولة القانون و العدل             و الإنصاف التي يتمتع فيها المواطنون بكامل حقوقهم دون تمييز.  

و مما يؤكد أن هذه الحكومة حكومة أفعال لا أقوال هو وضع آلية للمراقبة و متابعة التنفيذ:” وللتأكد من أن النشاطات المبرمجة في جميع المجالات تنفذ بالسرعة المطلوبة، تمت المبادرة بوضع آلية لقيادة الجودة مكلفة بالمتابعة اللصيقة للنشاطات المبرمجة والتقييم الأمين للأداء بناء على مؤشرات دقيقة ترصد انعكاساتها الإيجابية على حياة المواطنين“(من خطاب الحكومة)

إن المتتبع لهذا البرنامج سيلاحظ أن الحرب المعلنة على الفساد لم تكن مجرد شعار أو كلمة حق اربد بها باطل و إنما هي رؤية و قناعة مجسدة من خلال آلية تمكن من ضبط التسيير المالي في المرافق العمومية:

“وبخصوص تعزيز مهام التفتيش المالي، ستتواصل النشاطات الرامية إلى تمهين أعمال ومهام المفتشية العامة للمالية، إضافة إلى عمليات التفتيش والتدقيق على  مستوى المديريات“(من خطاب الحكومة).

كانت هذه قراءة لبعض فقرات برنامج حكومة معالي الوزير الأول المهندس محمد ولد بلال الذي يحمل ملامح دولة عصرية ينعم مواطنوها بالأمن و الرفاه.

الأستاذ محمد الأمين سداتي

                              انواكشوط بتاريخ: 12/9/2020