ـ شعارات الجنرال مغالطات للرأي العام المحلي والدولي لتشريع انقلابه
ـ "المارد" العربي لن يعود إلى قمقمه إلا بعد استكمال مهامه الثورية
ـ أتوقع للإسلاميين دوراً متزايداً في الساحة الموريتانية
ـ إجراء الانتخابات مع استمرار الاحتقان يجنح بنا إلى احتمالات غامضة ومقلقة
حوار: محمد عبد الرحمن
صالح ولد حننا نائب برلماني وزعيم حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني "حاتم"، عرفه الرأي العام لأول مرة، فجر الثامن من يونيو 2003 حين قاد رفقة مجموعة من الضباط محاولة انقلابية ضد الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع. وحسب مراقبين فقد أحدثت تلك المحاولة رغم فشلها، هزة قوية في أركان نظام ولد الطايع واعتبر كثيرون أنها كانت السبب الرئيسي لانقلاب الثالث من اغسطس 2005 الذي قاده العقيد علي ولد محمد فال. نال ولد حننا تعاطف قطاعات واسعة من الشباب الموريتاني، بسبب مرافعاته أثناء محاكمته في وادي الناقة، التي أصبحت أشهر المحاكمات في تاريخ موريتانيا، وحكم عليه في نهايتها بالسجن المؤبد مع الأعمال الشاقة، لكنه لم يمكث منها إلا أشهرا معدودة، حتى أطلق سراحه إثر انقلاب 03 أغسطس2005. دخل صالح ولد حننا المعترك السياسي وشكل حزبا سياسيا انتخب نائبا عنه في البرلمان ليترشح لرئاسيات 2007، و2009، عرف صالح بمواقفه المعارضة وساند الجنرال ولد عبد العزيز بعيد انقلابه في السادس من أغسطس 2008، لينسحب فيما بعد من الموالاة ويعود للمعارضة كأحد قادتها البارزين المطالبين بإصلاح الأوضاع وإنقاذ البلاد مما يعتبرونه أزمة خانقة.
"الراية"حاورته حول مواقف حزبه من مجمل القضايا المطروحة، والأوضاع التي تمر بها موريتانيا في الوقت الحاضر، فكان الحوار التالي:
> لماذا انسحبتم من الأغلبية الداعمة للرئيس محمد ولد عبد العزيز؟.
- هذا القرار له صلة بأسباب دعمنا له أصلا. فقد كانت معارضتنا للنظام السابق قائمة على عدة أسباب من بينها استمرار النظام في ربط العلاقات المشينة مع الكيان الصهيوني، ثم بعجز حكومته عن مواجهة التحديات الاقتصادية الصعبة التي أثقلت كواهل غالبية السكان وأصابتهم بما يشبه المجاعة وضنك المعيشة، إلخ، وعندما تمت دعوتنا للمشاركة في الحكومة الموسعة التي شارك فيها أغلب أحزاب المعارضة قبيل انقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز اشترطنا ألا تضم الحكومة في عضويتها أحدا من رموز الفساد، وأن يكون من خطواتها الأولى قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، فضلا عن وضع استراتيجية عاجلة لمواجهة التحديات الراهنة، وحين لم نجد التزاما واضحا بذلك رفضنا دخول الحكومة، وبعد أيام قليلة نفذ الجنرال ولد عبد العزيز انقلابه، ورفع فورا الشعارات التي كنا نطالب الحكومة بها، بما فيها قطع العلاقات مع الصهاينة وإعلانه شن حرب لا هوادة فيها ضد الفساد والمفسدين، وانحيازه للفقراء، بل وصف فيها نفسه برئيس الفقراء، وبالفعل استطاع الجنرال ولد عبد العزيز في مراحله الأولى أن يوهمنا بأنه صادق في شعاراته تلك وفي مساعيه لتجسيدها، لذلك قبلنا دخول حكومته وأعلنا دعمنا لجهوده، ولكن ما إن بدأنا نخطو معه الخطوات الأولى حتى أخذ ينكشف لنا أن شعارات الجنرال لا تقوم إلا على مغالطات للرأي العام الوطني والدولي، لتشريع انقلابه العسكري ولحشد التأييد له. فقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني كان مقبوض الثمن دفع نظام آخر من أجله المال والضغط المؤثر على منظمات دولية ودول نافذة لقبول نظام الجنرال ولد عبد العزيز، وبالنسبة لمحاربة الفساد انكشف أنها وسيلة مباشرة لمحاربة الخصوم والنيل منهم، وابتزاز الموالين وتخويفهم، وبدلا من أن يحارب الجنرال الفساد ويحاصر المفسدين، مارس النظام نفسه الفساد بشكل مكشوف، وتحول معه الفساد من ممارسة فردية معزولة إلى ممارسة نظامية ممنهجة، بشكل مثير ومقزز، أما موالاته للفقراء فلم نجد لها من دليل إلا أسعار المحروقات والمواد الغذائية التي زادت بنسبة مائتين بالمائة، والبطالة تضاعفت، والرواتب جمدت، والفقراء الذين هدمت أكواخهم فوق رؤوسهم ورحلوا عنها قسرا إلى صحاري قفر لا ماء فيها ولا كهرباء ولا مدارس ولا مستوصفات. ولتنظروا إلى قائمة الصفقات الكبرى والصغرى لتجدوا أنها كانت خاضعة للإقصاء المتعمد لصالح النظام نفسه أو ثلة من المقربين منه. لذلك وجدنا أنفسنا سنرتكب أفدح الأخطاء إذا نحن واصلنا دعم هذا النظام فقررنا أن ننسحب عن موالاته، وأن نبرأ إلى الله من أفعاله.
> هل تعتقدون أن أحداث ما يوصف بالربيع العربي تجاوزت الانقلابات التقليدية كمدخل للتغيير الثوري؟
- أنا أحسب أن نظام الحكم العربي ووسائل تغييره قد عصفت بهما ثورات الربيع العربي بدرجة لم نشهد لها مثيلا في تاريخ العرب منذ خمسة عشر قرنا خلت، ولم يكن أكثرنا تفاؤلا أو ثورية يتوقعها. ليس لكون الشارع العربي قد اجتاز عقدة الخوف ومد جسورا مرصوفة بحشود من الشهداء والضحايا تفجرت بهم ينابيع التضحية والشجاعة والإقدام، وإنما ـ إلى جانب ذلك ـ لكون الأنظمة التي نجت من أن يخسف الربيع العربي بكراسيها ويقذف بها خارج قصورها وحصونها، هي الآن مدركة تمام الإدراك أن "المارد" العربي لن يعود إلى قمقمه إلا بعد استكمال مهامه الثورية، وأصبح على تلك الأنظمة أن تضع لهذا الشارع "الجديد" ألف حساب وحساب. أما الأنظمة التي تتجاهل الواقع الجديد فإنها كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل في انتظار أن تجتازها العاصفة، فإنها لا تفعل أكثر من تحرير شهادة غبائها وتطويق عنقها بمشانق الثورة القادمة.
أما فيما يتعلق بقابلية الانقلابات العسكرية أو مشروعيتها على ضوء حصائد الربيع العربي، فإن المفهوم التقليدي للانقلاب، من حيث هو قيام مجموعة من الضباط بتغيير نظام الحكم والاستيلاء بدلا منه على السلطة، هو أمر لم يعد ممكنا، حيث ان الشعب العربي لن يقبل تكرار تلك الأخطاء المريرة السابقة، أما إذا كان الانقلاب هو من أجل تنفيذ قرار انحياز الجيش إلى الشعب وحماية المواطنين من بطش أجهزة النظام، أو من أجل أن يحسم المواجهة ويزيح النظام ويسلم السلطة إلى الشعب، فإن هذا النوع من الانقلابات مطلوب وممكن اليوم في بعض الساحات العربية.
إن العسكري يقرر القيام بانقلاب عندما يرى أن بلاده تعيش وضعا يتطلب منه التضحية بنفسه لإنقاذ وطنه من وضع لم يعد يطاق، وذلك بنفس الشجاعة التي يتوجه بها لخوض المعارك العسكرية في ميادين القتال دفاعا عن حرية وطنه وحوزته الترابية. وأعتقد أن نتائج تلك المحاولة أصبح لها نصيب إيجابي في مسار الأحداث الوطنية اللاحقة، رغم ما أصبح يقوله البعض ـ على ضوء ما يحصل اليوم من إخفاقات وانحرافات ـ بأن الأمور قد أخذت منعطفا أسوأ مما كانت عليه البلاد قبل 2005 .
> أكدتم في عدة مناسبات سابقة حرصكم على الحوار باعتباره الوسيلة الأنجع لحل مشاكل البلاد، فلماذا رفض حزبكم المشاركة في جلسات الحوار الذي جرى بين الأغلبية وبعض أحزاب المعارضة، ثم أعلنتم رفضكم النتائج التي تمخض عنها ذلك الحوار ؟
- كنا ومازلنا من دعاة الحوار، ومن المؤمنين بأن البلاد بحاجة ماسة إليه، ولكننا نرى أيضا أن الحوار ليس هدفا في ذاته بل وسيلة منهجية تسلكها الأطراف المختلفة لمعالجة المشكلات المطروحة، ومن أجل توفير الضمانات الجدية لنجاح الحوار طالبت المعارضة بالابتعاد به عن الشكليات وان تكون موضوعاته مركزة على القضايا الأساسية ومعالجاته جادة وعملية، ومع الأسف لم يقدم لنا النظام ما هو مطلوب كحد أدنى لإجراء مثل هذا الحوار، بل بدا متصلبا حتى على مستوى منهجية الحوار وآلية إدارته، وقائمة موضوعاته ووسائل تنفيذ نتائجه، وبسبب ذلك وجدنا ـ إلى جانب غالبية أحزاب المعارضة ـ أن الدخول معه في حوار وفق هذه المعطيات لن يعطي إلا مزيدا من الفرص للنظام لاستغلال الحوار إعلاميا وسياسيا لمواصلة نهب ثروات البلد وتصفية الخصوم وتضييق الخناق على فرص التناوب السلمي على السلطة. أما أسباب رفضنا لنتائج الحوار الذي تم إجراؤه بين النظام وثلاثة أحزاب معارضة، فلكون تلك النتائج قد أكدت ما كنا نتوقعه (جعجعة بلا طحن)، حملة إعلامية محمومة لتلميع النظام، وبعض العبارات الفارغة والإجراءات الشكلية التي تنصب في مصلحة النظام وتزيد من امتيازاته.
> تداولت وسائل إعلام موريتانية مؤخرا أنباء عن انسحاب عدد من مناضلي حزبكم باتجاه بعض الأحزاب الأخرى، ما مدى صحة تلك الأنباء؟
- تشكل ظاهرة الترحال السياسي حدث مألوف ومعاش في المشهد السياسي الموريتاني، بدرجة قلما ينجو أي حزب من تأثيراتها، بما فيها الحزب الحاكم الذي جرت العادة أن يكون هو وجهة الراحلين. فإذا كان السؤال بهذا المعنى فالإجابة هي أن الحزب ـ على غرار الأحزاب الأخرى ـ قد فقد عناصر من منتسبيه، ولكنه في المقابل التحق به منتسبون جدد أيضا، أما إذا كان السؤال يتعلق بانسحابات جماعية غير اعتيادية، فإن ذلك لم يقع، رغم محاولات النظام وأجهزته الضغط على أطر حزبنا وإغراء قواعده.
> تحدثت بعض التشكيلات السياسية مؤخرا عن رغبتها في نقل تجربة الاحتجاج والحراك الشعبي إلى موريتانيا بهدف إسقاط النظام، فهل تعتبرون أن البلاد مهيأة الآن لوصول الإسلاميين للسلطة ؟
- للإسلاميين بمختلف اتجاهاتهم دور بارز ومتزايد في الساحة الموريتانية، وحضورهم السياسي والانتخابي يتسم بسرعة التوسع والتركيز خاصة في الأوساط الشعبية المؤثرة، لذلك فإنني أتوقع لهم مستقبلا سياسيا هاما ومحوريا في البلاد، أما أن يصلوا إلى السلطة في الأفق المنظور فذلك أمر يتوقف على عدة احتمالات، ليس بمقدوري أن أصل في شأنها إلى إجابات محددة .
ثم إن نقل تجربة الحراك الشعبي إلى البلاد بهدف إسقاط النظام هي مسألة لا تحتاج إلى الإسلاميين ولا إلى أي حزب آخر، بل إن ممارسات النظام نفسه تتكفل بضمان نقلها إلى البلاد وبحمل الناس ـ كل الناس ـ إلى النضال والتضحية حتى الوصول إلى إسقاط هذا النظام الذي أصبح يشكل في نظر غالبية الموريتانيين خطرا حقيقيا. أرى أن الحراك أخذ يصل بالفعل إلى الميدان الموريتاني وهو يعتمل الآن ويتفاعل في مختلف الساحات الشعبية.
وتمثل الاعتصامات المتواصلة يوميا على بوابات القصر الرئاسي ومباني الوزارات، والإنذارات النقابية المتزايدة بخوض إضرابات شاملة، وتنظيمات أصحاب المظالم ـ وما أكثرهم ـ التي أخذت تكتسح الساحة وإخفاقات النظام المتتالية في حل أية مشكلة، وشبح الجفاف المخيف وسط أسعار تجاوزت المعقول والمطاق، والاحتقان السياسي المتصاعد، وتجاهل النظام لخطورة هذا الوضع، تمثل أسبابا لوضع النظام في نفق نهايته المحتمة.
> في حالة حصول انفراج سياسي حقيقي نتيجة تطبيق جدي لنتائج الحوار التي توصلت لها الأغلبية مع بعض أحزاب المعارضة، هل تخشون من أن يفقد حزبكم وباقي القوى المنضوية في منسقية المعارضة زمام المبادرة ويتناقص بالتالي حضورها في البرلمان المقبل مقارنة بما هو حاصل الآن؟
- لا أتوقع حصول انفراج جدي على أساس تطبيق نتائج الحوار، لأن ما تمخض عنه الحوار المزعوم من نتائج لا يوفر انفراجا حقيقيا، بل زاد الوضع تأزما والشرخ اتساعا.أما مسألة الحظوظ في الانتخابات البرلمانية القادمة، فإن بإمكاني أن أستشرف نتائجها انطلاقا من احتمالين. إما أن تكون الانتخابات نزيهة قائمة على قوانين انتخابية متفق حولها وبإشراف لجنة انتخابية مستقلة بشكل كامل بعيدة عن مخافر وزارة الداخلية وبحياد كامل للإدارة وفي جو يعيد للناخبين الموريتانيين ثقتهم في صناديق الاقتراع ويتيح لهم الاختيار الحر بعيدا عن الترهيب والترغيب ومحاولات شراء الذمم، وفي هذه الحال سنشاهد نتائج تقترب ـ من حيث تنوعها وتعدد مراكز الاستقطاب فيها ـ من تجربة انتخابات 2006 . أما الاحتمال الثاني فهو أن تقحم البلاد في الانتخابات مع استمرار الاحتقان السياسي الحالي وتكريس جو الإقصاء والتفرد، وعندئذ سوف تجنح بنا سفينة الانتخابات صوب منعطف قد يفتح أبوابا عديدة على احتمالات غامضة مقلقة إن لم تكن مخيفة حقا.
> هل تتوقعون أن تستفيد منسقية المعارضة من دروس الماضي وتتقدم بلوائح موحدة للانتخابات البرلمانية والبلدية المتوقعة في الشهور الأولى من سنة2012؟
- إن استفادة المعارضة من دروس التجربة أمر ضروري، واعتقد أنه حاصل بالفعل، ومنسقية المعارضة على مستوى من الجدية والنضج والكفاءة ما يمكنها من دراسة الوضعيات المختلفة وتحديد ما تتطلبه كل مرحلة من تدابير وإجراءات، وأتوقع أن تنال الانتخابات القادمة تحليلا معمقا وتقييما لما تقتضيه سواء تطلبت التقدم إليها بلوائح موحدة بشكل جزئي أم بشكل كامل.
> انطلاقا من خلفيتكم العسكرية كضابط سابق في الجيش الموريتاني، ما هو تقييمكم لقدرات هذا الجيش ومدى جاهزيته لمواجهة التحديات التي تواجهها البلاد؟
- لدى جيشنا الوطني قدرات بشرية جيدة من حيث شجاعة أفراده وكفاءة ضباطه، ومستوى استعدادهم للتضحية والفداء في سبيل الوطن والمواطن، ولكنه يواجه الآن ـ بكل أسف ـ وضعا مزريا ماديا ومعنويا، في الوقت الذي يصر النظام الحالي على إقحامه في حروب بالوكالة وعلى الزج به ليقاتل خارج بلاده دون ما يكفي من الوسائل اللازمة والتدريب الكافي.
> يرى بعض المتتبعين للشأن السياسي الموريتاني أنك قد تكون من بين الشخصيات المعروفة الأوفر حظا بالوصول لكرسي الرئاسة الموريتانية في حالة تنظيم انتخابات حرة ونزيهة في المستقبل. ما هو تعليقكم؟
- المهم بالدرجة الأولى هو حصول انتخابات حرة ونزيهة تتيح للناخب الموريتاني أن يمنح صوته لمن يريد، بحرية وبعيدا عن الضغوط المادية والإدارية، وعندئذ سيختار الموريتانيون من يرونه الأصلح والأفضل، وفي تلك المرحلة ستكون الإجابة المناسبة هي من اختصاص صناديق الاقتراع. لا غير.
المصدر: http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no