تازيازت… عندما تستثمر شركة المناجم في الإنسان والبيئة

 

الرحلة إلى مقر شركة “تازيازت” رحلة مشوقة، تحمل في طياتها فضولا صحفيا لكشف المستور، عن أحد أكبر مناجم الذهب في إفريقيا.

قد يتصور المرء للوهلة الأولى أنه سائر إلى جحيم في قلب صحراء تازيازت الموريتانية، مجرد الانعراج شرقا غير بعيد عن محطة “بوعماتو” على الطريق الرابط بين العاصمتين السياسية والاقتصادية نواكشوط ونواذيبو، تشرئب الأعناق في الأفق تنشد قتام الحفر والتنقيب بحثا عن المعدن النفيس، والآذان تترصد أزيز الرياح علها تحمل صخب المطاحن والمعدات الكبيرة والديناميت المستخدم لكسر ممانعة الأرض.

لكن الرحلة تطول في صحراء قاحلة لا انيس فيها سوى لوحات تحدد السرعة المسموح بها بين الفينة والأخرى، على بعد ما يناهز 45 كلم بدأت ترتسم معالم الشركة التي يعسر على زائرها الولوج حتى لو كان مديرها، إذا لم يحمل بطاقة استشعارية تحدد هويته… اعتقدنا أننا سننيخ بعد قليل في خيم تعصف بها رياح عاتية في يوم مغبر، لكن الرحلة طالت، والمسافة لم تقصر بين البوابة والتجمع الذي يحوي مباني الشركة ومساكن عمالها وهي نصف ما يبيح رخصة قصر الصلاة في السفر.

اكتشافات من الداخل

بدأت تتكشف معالم مدينة مكتملة المرافق، بنيت حسب مواصفات شركات المناجم العالمية، حتى أن أحد الزملاء همس في أذني، لقد خيل إلي أننا في منجم للذهب داخل صحراء نيفادا الأمريكية.

المدير العام، والمدير المساعد

وفي محطتنا الأولى كان في الانتظار من اعتقدنا أنهم من شعبة المرافقات أو التشريفات، لكن الرجل الفارع الطويل والبسيط في ملبسه ومعاملاته وسط الوجوه المستقبلة، لم يكن سوى “دافيد هندريك” المدير العام لشركة تازيازت موريتانيا، رحب ووضع فريقا كاملا تحت تصرفنا، ولأن مهمتنا لم تكن سياحية داخل قرية تعدينية، تَحدد سريعا برنامج العمل لأن المقام لا يتسع للاستجمام.

قبل أن تبدأ الرحلة الاستكشافية للشركة ومَرافقها، أخذنا نزرا يسيرا من الراحة أشفع بغداء كاد أن يحدث خللا في المسطرة لتأخره، وكانت الغرف الفندقية (سكن أطر الشركة) أكثر من فارهة في مدينة بنتها شركة تركية وتتكفل بتسييرها وصيانتها وتنظيفها، شركات دولية أخرى، تحرص أن تظل جميع المرافق محتفظة بجودتها وأدائها.

هذه هي تازيازت

لا تختصر أهداف شركة تازيازت في جني الربح واستغلال المنجم فحسب، بل تضع الشركة في أولوياتها الاهتمام بالإنسان والمحيط البيئي، فهي حريصة على أن يظل العامل في ظروف ملائمة بعيدا عن المخاطر التي قد يسببها الاستغلال السيء للمنجم، وفي هذا الإطار، وضعت قوانين صارمة للتعامل مع المواد الخطرة التي أخضعت هي الأخرى للمعايير الدولية حيث وقعت الشركة على دفتر الالتزامات والضوابط المنصوص عليها.

فبالإضافة إلى مطعم يوفر أجود الوجبات هناك عيادة تتوفر على الأجهزة الطبية الضرورية، بدء بأجهزة الكشف الروتيني، إلى الراديو، وجهاز فحص الرؤية والسمع واجهزة أخرى متطورة، يشرف عليها فريق طبي يقدم العلاج والاستشارة مجانا لعمال الشركة، بل وللساكنة المحليين الذين يستفيدون من عدة برامج صحة واجتماعية تقرب خدماتها ليس على امتداد 30 كلم فحسب بل تجاوزتها إلا ولايات أخرى.

وعن الاهتمام بالجانب الاجتماعي يقول المدير العام للشركة “دافيد هندريك”، نحن سعداء لأننا نعمل على استغلال المنجم السابع منذ أن توليت مهمتي الحالية السنة الماضية حيث كثفنا الجهود من أجل إطالة عمر المنجم الذي ألفه البعض، ومن أجل المكوث فترة أطول في هذا ابلد خدمة لمصالح مشتركة.

نحن مهتمون بالجنب البيئي والاجتماعي، ومن مسؤولياتنا الحفاظ على سلامة وعودة أي عامل إلى أسرته وهو في صحة جيدة، كما أننا معنيون بحياة 1300 عامل في تازيازت، بالإضافة إلى مسؤولياتنا اتجاه المجموعات المحلية والجهود التي نقوم بها اتجاهها، ويقتضي ذلك بالضرورة أن نكون شركاء ممتازين للدولة الموريتانية.

نفس التوجه تحدث عنه إبراهيم ولد امبارك مساعد المدير المكلف بالعلاقات الخارجية الذي أكد الاهتمام بالبيئة وانفتاح تازيازت وشفافيتها، وتحدث عن جملة من الخدمات تقدمها الشركة للساكنة باعتبارهم شركاء، بالإضافة إلى وجود عيادة مجهزة بالمستلزمات، كما تضع الشركة تحت تصرف المحليين وسائل للنقل نظرا لعزلة الشديدة، وقد تم تكوين العديد منهم على المهن المدرة ومساعدة المدارس والتلاميذ ورعاية الأنشطة الثقافية ولم نكتف بالحيز الجغرافي للشركة فحسب، بل والتدخل في عدة مناطق من البلاد، الأمر الذي تحدثَتْ عنه بإسهاب كذلك مسؤولة الشؤون الاجتماعية في تازيازت.

الكادر البشري والقيمة السوقية

أغلبية العمال في تازيزازت موريتانيين وقد كونتهم الشركة ومن ضمنهم 300 إطار موريتاني.

تازيازت فرع من شركة كينروس الكندية العالمية، وهي رابع منتج للذهب على المستوى الدولي، تبلغ قيمتها السوقية 5 مليارات دولار، موجودة في كل من أمريكا روسيا وإفريقيا وفي هذه الأخيرة تتواجد موريتانيا وغانا فقط وتتفاوت نسب القيمة السوقية بين القارات الثلاث إفريقيا 19% وروسيا 20% بينما تحوز أمريكا نصيب الأسد 61%.

على المستوى المحلي تم استخراج 15 ألف طن من المعدن الخام، وتتطلع لاستخراج 24 ألف طن سنة 2023، ومن شأن ذلك أن يزيد من عمر المنجم.

وتشغل تازيازت في الوقت الراهن 1273 عاملا موريتانيا يمثلون 95% من مجموع العمال، والمقاولون 2500، ما مجموعه 3800 عامل مرتبطون بالمنجم.

وقد تم انتاج 2،2 مليون أونصة حتى الآن، وفي آخر دجمبر 2020 سيستفيد الموريتانيون من مرتنة إضافية، رغم أن جميع المهندسين الذين التقينا بهم هم من الشباب الموريتاني، امتلكوا الخبرة التي تمكنهم من خدمة البلد مستقبلا في ظل الاكتشافات المنجمية المتلاحقة.

وتساهم تازيازت في ضخ مبالغ ضخمة في الدورة الاقتصادية للبلد حيث أنفقت 1،8 مليار على شركات خدمات عامة، و700 مليون دولار للدولة الموريتانية على شكل إتاوات.. إلخ، و365 مليون دولار للعمالة، و12،3 مليون دولار في خدمات الماء والصحة.

الأولوية للإنسان

وعن الجانب الصحي توفر تازيازت عيادة متكاملة من حيث المعدات والطاقم البشري، فمنذ بدء العمل، والتصدير، حتى الآن لا توجد حالة وفاة واحدة، وقد تمت الموافقة على التوسعة في سبتمبر الماضي، وفي احتياطي الشركة أكثر من 7 ملايين أونصة كاحتياطي.

 

توجد لدى الشركة منشأة للحماية المدنية، تتوفر على عدة سيارات من طرازات متطورة، جميعها على أهبة الاستعداد للتدخل سواء داخل الشركة، أو في المحيط، بل إن عناصرها تدخلوا أكثر من مرة في بلدية الشامي حيث يوجد التنقيب التقليدي السطحي، فور تلقيهم طلبا للنجدة، حيث تم تدريب عناصر التدخل السريع من قبل أجانب استقدمتهم الشركة لتكوين الكادر الموريتاني.

المسجد الكبير بدوره يعتبر مرفقا هاما حيث يتسع لآلاف المصلين، وقد تم اكتتاب الإمام والمؤذن الذين يشرفان على إمامة المصلين وتدريس بعض متون الفقه.

ومن ضمن الاهتمام بالإنسان أيضا توفير أكثر من قاعة لممارسة الرياضة، بشتى أنواعها كرة القدم والتنس والسلة، وصالات لتمارين بناء الأجسام.

 

 

 

 

 

الأنشطة التعدينية

في كل 6،5 طن من الخام يتم استخراج طن واحد من المعدن، وأثناء استغلاله تتم مراقبة العملية من طرف غرفة عمليات خاصة، لضمان سير العملية وعدم حدوث تأخر أو اختلالات من شأنها أن تؤثر على عمل بقية المرافق الأخرى.

الغرفة مرتبطة بأجهزة متطورة تمتلك القدرة على مراقبة عملية الإنتاج حتى في غسق الليل.

وبخصوص عملية التخلص من بقايا المياه المستخدمة في مراحل التنقية والتي تخلط بمواد سامة، تحرص الشركة على تكرير هذه المياه والتخلص منها عبر برك كبيرة مزودة بعازل حتى لا تتسرب إلى باطن الأرض.

بنتا صو: عندما تقهر الأنوثة صخور تازيازت

بدت هذه الشابة الموريتانية رغم حداثة سنها كالطود الشامخ وهي تعتلي هذه الشاحنة الأضخم والأكبر في منجم تازيازت.

ليست “بنتا صو” مساعدة للسائق أو مجرد زائرة، بل هي التي تقود إحدى أغلى وأثمن شاحنات الشركة التي تناهز حمولتها 250 طن من المعدن.

وصلت “بنتا صو” إلى شركة تازيازت كسائقة عادية تنشد العمل في وسط تجهله ويبعدها عن الأهل والوصاية الأبوية، لكنها سرعان ما اكتشفت أنها في بيتها الكبير بين اخوتها وأشقاء يحترمون لها هذا الاختيار.

ولأن شركة تازيازت لا تهتم فقط باستغلال بواطن الأرض، سرعان ما اختارت الشابة بنتا، ضمن مجموعة من الشباب لتكونهم على سياقة الشاحنات العملاقة، التي يصل سعرها إلى ملايين الدولارات، هكذا تجاوزت التأهيل والاختبارات النهائية، لتكون أول امرأة موريتانية تقود شاحنة بهذا الحجم، ووضعت الشركة ثقتها الكاملة في “بنتا” وسمحت سمحت لها بقيادة أغلى شاحناتها في سفوح ومنحنيات خطرة وضيقة للغاية.

عن تجربتها تقول “بنتا” أنا سعيدة لأنني أمارس عملي وهوايتي كسائقة دون صعوبات تذكر، وهنا أنتهز الفرصة لأدعو أخواتي الموريتانيات لممارسة جميع المهن دون خوف أو وجل، فليست هناك مهن خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالنساء.

نقطة آخر السطر:

ابتداء قد تتشكل لدى المواطن والمتابع، صورة مقرونة بأول منجم تعديني عرفته البلاد وهيمنة الأجانب عليه، مما استدعى ثورة دموية قتل خلالها عشرات العمال في مدينة ازويرات، لتكون المحصلة تأميم ميفارما، وككل الشركات متعددة الجنسيات، والتي تتدخل أحيانا في شؤون الدول الضعيفة التي تنعدم فيها الإرادة الوطنية القوية، توقعنا أن تكون شركة تازيازت أحسن من التوصيف السابق، لكن مع وجود بعض الاختلالات.

لكن المعاينة المباشرة لوضعية الشركة وطريقة عملها، واهتمامها بالجانب الصحي والبيئي، والإنساني، أعطى صورة مغايرة تماما للمشهد التعديني في المنجم الذهبي، ومنحها شهادة حسن سيرة وسلوك، لأنها فتحت جميع منشآتها أمام فضول الصحفيين، وتركتنا نجول بين مرافقها ومهاجع العمال دون أن تكون هناك تابوهات يحظر الاقتراب منها.

يومان عشنا خلالهما متعة العمل الدأوب مع شباب موريتانيين، يعرفون ويتقنون عملهم، وفخورون لأنهم برهنوا على المقدرة العالية في تولي المناصب التي كان يشغلها أجانب رحلوا وتركوا لهم خبراتهم.

المدير العام رفققة ولد محمودي، الاطار الموريتاني الذي تولى الترجمة

ودعنا الإداري المدير العام لتازيازت موريتانيا، والمدير العام لكينروس إفريقيا المقيم في افريقيا، الذي تزامن مقدمه مع وجودنا في جولة داخل الشركة، وكذلك المدير المساعد المكلف بالعلاقات الخارجية إبراهيم ولد امبارك، والفريق المرافق الذي استُقدِم بعضه من مقر الشركة في لاسبالماس، ودعنا الجميع ونحن في حالة انبهار بصيرورة العمل المنجمي داخل تازيازت، وعلى يقين أن الزمن سيتحدث ذات يوم عن تجربة منجمية، شكلت شراكة ناجحة بين كينروس الكندية والدولة الموريتانية، استفادت منها آلاف الأسر، وكونت مئات العقول التي تعتبر اليوم مكسبا لقطاع التعدين، في بلد بكر تخرج أرضه بواطنها ليعيش الإنسان بكرامة، موقنا أن الاستقلال الحقيقي يكمن في بناء الإنسان وتزداد هذه القناعة اليوم ونحن على مشارف الذكرى 59 لعيد الاستقلال الوطني.

موفد الحرية نت