لماذا لم تفتح الــ (ويكيبيديا) يا مدحت؟ – د. وليد القططي

روى الكاتب الصحفي الموريتاني حنفي ولد دهاه ما حدث معه في مطار بيروت قبل عامين عندما سأله موظف الجوازات إن كان لديه تأشيرة دخول إلى لبنان، فأجابه أنه من بلد عربي والقانون اللبناني يعطيه حق الحصول على التأشيرة في المطار، فسأله الموظف عن بلده، فأجابه أنها موريتانيا، تلكأ الموظف قليلاً واستعان بموظفة أخرى ليسألها عن موريتانيا إن كانت دولة عربية أم لا، فاستعانت بدورها بموظفين آخرين، انقسموا فيما بينهم ما بينَ مؤكدٍ ونافٍ أومتيقنٍ ومرتاب لعروبة موريتانيا، فاستعانوا بضابطٍ كبير ليقطع الشك باليقين، فحسم الأمر وحكم بعدم عروبة موريتانيا، وأمر بترحيل الصحفي الموريتاني الأستاذ حنفي، وعند ذلك الحد المأساوي من القصة، وتطبيقاً لأصول الحبكة الدرامية في الأفلام العربية، تدخلت موظفة في المطار لتحل العقدة في لحظة التأزم، فبحثت عن موريتانيا في موقع الموسوعة الحرة باللغة العربية (ويكيبيديا)، وسرعان ما اكتشفت أن موريتانيا دولة عربية، فأخبرت الضابط الكبير بالنبأ اليقين والاكتشاف العظيم، فضرب رأسه بقبضة يده قائلاً:” صحيح لقد ألحقوها مؤخراً بالجامعة العربية”، ومؤخراً هذه عمرها أربعة عقود ونيف، فقد انضمت موريتانيا إلى جامعة الدول العربية في عام 1973، بعد استقلالها بحوالي عقد من الزمان، والعروبة متجذرة فيها حتى سُميّت ببلد المليون شاعر.

موقف مُشابه حدث مع الطالب الموريتاني خالد موسى المُقيم في مصر قبل أيام، عندما استضافهُ المُذيعُ والمُعلّقُ الرياضي مدحت شلبي على قناة النيل الرياضية (نايل سبورت) في برنامجه الرياضي (مساء الأنوار)، وتبين من خلال حواره مع الطالب الموريتاني عدم معرفته بأن موريتانيا دولة عربية، عندما سأله عن مكان تعلّمه العربية مستغرباً من إجادته الحديث باللغة العربية، فأجابه الطالب الموريتاني أنه تعلم اللغة العربية منذ صغره في البيت والمدرسة، فردَّ عليه السيد مدحت شلبي متسائلاً بدهشة “لكن الشعب بشكل عام الموريتاني بيتكلم عربي؟!”، فأجابه الطالب الموريتاني بالإيجاب، فرد عليه شلبي”أوكيه يعني العربية لغة البلد”، وعند هذه المرحلة من الحوار غير الظريف، واللقاء غير الطريف، أدرك أنه وقع في مطبٍ ليس بالخفيف، فأسرع للاعتراف بخطأه والإقرار بغلطته في الحلقة التالية، ولكن بعد أن أثارت حلقته موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتداول نشطاء هاشتاق ” موريتانيا دولة عربية يا مدحت” كان من الممكن أن يتجنب السيد مدحت شلبي هذا الحرج لو فتح الحاسوب قبل الحلقة كما فعلتْ الموظفةُ اللبنانيةُ، وكتب كلمة (موريتانيا) على محرك البحث (جوجل)، ثم فتح موقع (ويكبيديا)، لوجد أول سطر في الصفحة ما يلي:” موريتانيا أو رسمياً الجمهورية الإسلامية الموريتانية هي دولة عربية أفريقية” فلماذا لم تفتح ألــ(ويكيبيديا) يا مدحت؟!.

عدم معرفة أنَّ موريتانيا دولة عربية في كلتا الحالتين ليس مجرد خطأ في استدعاء المعلومات المُخزنة في الذاكرة طويلة المدى، فهذا الخطأُ مؤشرٌ على ظواهر عديدة اجتاحت ما كان يُعرف بالوطن العربي في الماضي، مجملها تدل على تراجع الشعور بالانتماء لأمة عربية واحدة، مما يُشير إلى خللٍ في البُنية الفكرية للإنسان العربي الجديد، في عصر ما بعد القومية العربية، وزمن الارتداد إلى ما دون الوطنية، ومرحلة إنكفاء الإسلام الحركي أو (الإسلام السياسي) إلى فقه الاستضعاف والدعوة السرية. هذا الخللُ زادَ طينتهُ بلة عاصفة الربيع العربي التي ضربت ما كان يُعرف في كُتب المواد الاجتماعية التي درسها جيلنا بالوطن العربي، فتْركت العاصفةُ العربَ كرمادٍ اشتدت بهِ الريحُ في يومٍ عاصف، لا يملكون من زمام أمرهم شيئاً، ورسنهم في يد غيرهم، ومصيرهم مُعلَّقٌ بيد سيد البيت الأسود في واشنطن، فألقى بهم في جُرفٍ هار، فأنهار بهم في نار التطبيع، ولهيب التمييع؛ ليصبحوا شركاء اللص الذي يسرقهم والمجرم  الذي يقتلهم في سرقة وقتل شعوبهم وأمتهم، حتى إذا ما تآكلت هوياتهم الدينية والقومية والوطنية، فقدوا ما تبقى من كرامتهم، فتحوّلت شخوصهم إلى كائناتٍ مشوّهة بلا ملامح، وتبدّلت دولهم كيانات ممسوخة بلا معالم، ولم يكن الاستبداد والفساد في كل منظوماتهم الفكرية والسلطوية عنهم ببعيد.

الخلل في البُنية الفكرية للإنسان العربي الجديد إضافة لما سبق ناتج عن غياب الرسالة الحضارية للعرب في العصر الحديث بعد أن تخلّوا عن رسالتهم الوحيدة للبشرية وهي الإسلام؛ ذلك بأن الرسالة للأمة هي إرادة الحياة التي إذا ما امتلكها أمةٌ استجابَ لها القدر، فهي كالروحِ التي تسري في الجسد الهامد فتدبُ فيه الحياة، وكالماء الذي يجري في الأرض الميتة فيحييها اللهُ بعدَ موتها، والنور الذي يشع في الليل البهيم فيضيء للناس الظلام، والفكرة التي تلامس العقل الساكن فتفجر قدرات الإبداع الكامنة فيه، والطاقة التي تسير في المحرك الجامد فتتحوّل إلى قوة انتاج جبارة. وهذه الرسالة قد تتمثل في عقيدة دينية صحيحة أو باطلة، وفكرة قومية إنسانية أو متوحشة، وهدف وطني نبيل أو دنيء، ورؤية حضارية حقيقية أو زائفة. والعرب فقدوا أو كادوا كل هذا تقريباً، فلم يكن للعرب رسالة حضارية للبشرية غير الإسلام، الذي جعل للعرب دولة واحدة، وهوية جامعة، وحضارة أممية، ومعنى لوجودهم، وهدف لحياتهم، ولقد لخص ربعي بن عامر بعبقرية فذة كل ذلك لرستم قائد جيش الفرس قُبيْل معركة القادسية رداً على سؤاله “ما الذي جاء بكم؟” فأجابه:” لقد ابتعثنا اللهُ لنخرجَ العبادَ من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”.

إصلاح الخلل يحتاج إلى أكثر من إصلاح الذاكرة العربية، وفتح آفاق جديدة للحُلم العربي يحتاج إلى أكثر من فتح موقع ويكيبيديا باللغة العربية، فهو يحتاج إلى مشروع نهضة كبرى محاورها: التنمية والوحدة والاستقلال، وهذا لم يتم بدون رسالة حضارية، تمنح إرادة الحياة للعرب، تنطلق من الإسلام- رسالة العرب الوحيدة للبشرية- بمفهومه الحضاري الإنساني المنفتح على الحضارات الإنسانية دون الذوبان فيها. وتنطلق من العروبة كهوية قومية موّحِدة للعرب، ونهج سياسي تحرري، وثقافة جامعة تقدمية. وتنطلق من الوطنية المُعبّرة عن حب الوطن والدفاع عنه والسعي لتقدمه ورقيه، في إطار دوائر الإنتماء الأوسع للوطن العربي والأمة الإسلامية والجماعة البشرية. وفق منظومة في الفكر والحكم تتبنى القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومبدأ المواطنة، وتقوم على التنمية المعتمدة على الإمكانيات الذاتية، وتتصدى للاستبداد السياسي والتطرف الديني والتعصب… والأهم من كل ذلك تتبنى القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة كي يتحقق مشروع النهضة كما قال الدكتور المُفكر الشهيد فتحي الشقاقي “بدون حسم الصراع على فلسطين فكل محاولات الأمة للنهضة والاستقلال ستُجهض، أو تُحاصر أو تدفع الأمة تكاليفها مضاعفة من التضحيات والزمن على السواء”.