موريتانيا.. من ” الشعر” الى ” الحلم” الكروى

الحرية نت: مقابلات ـ فى ستينات القرن الماضي.. أطلق العرب على موريتانيا لقب بلاد المليون شاعر، وإن أكد كثير من أدباء وشعراء موريتانيا أن هناك مبالغة كبيرة فى هذا الوصف والتشبيه.

ربما جاء اللقب من ارتباط الشعب الموريتانى بالشعر وبلاغة اللغة العربية والفصاحة المطلقة، لكن السنوات الأخيرة شهدت هوسا كبيرا بالشعر وأشياء أخرى أهمها كرة القدم.. تلك اللعبة الساحرة التى تمتلك قدرة غريبة على توحيد الشعوب كما وصفها أحمد ولد يحيى ـ رئيس الاتحاد الموريتانى ـ لكرة القدم وصاحب البصمة القوية فى تأهل منتخب “المرابطون” لأمم أفريقيا للمرة الأولى فى تاريخ البلاد وبعد طول انتظار ليسعد بذلك أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون نسمة هم عدد سكان تلك الأرض الطيبة.

أحمد ولد يحيى الذى أكد يوم توليه مسئولية قيادة الكرة الموريتانية أن الخمول الذى تعانى منه كرة القدم فى بلاده ليس قدرا محتوما حتى يستسلم له، ولكنه مرض يحتاج إلى علاج، وقد بدأ بالفعل ومبكرا خطوات هذا العلاج حتى أصبح لموريتانيا فريقا وطنيا جيدا نجح فى إضافة إنجاز عربي جديد بالتأهل لأمم أفريقيا.

من بلاد النمور كما سماها الأوربيون خرج الرجال السمر، ومن أرض الشعراء والشهداء أصبح لموريتانيا فريق كروى يستطيع مواجهة الكبار فى القارة السمراء، ورغم قلة الإمكانيات وضعف مستوى البنية التحتية خاصة ملاعب الكرة فى 13 ولاية و56 مقاطعة و280 بلدية إلا أن المواهب الكروية لم تتوقف عن الصراخ من أجل الحصول على الفرصة والتعبير عن شيء ما فى الصدور وإرسال رسائل مهمة تؤكد أن هناك بلدا عربيا يستطيع أن يعبر عن نفسه بكرة القدم.

ربما لن ينسى التاريخ الرياضي فى موريتانيا تلك الدموع الصادقة التى انهمرت من كبار مشجعى المنتخب الأخضر بعد الفوز على بتسوانا بهدفين لهدف، وهو ما منح الفريق تأشيرة الوصول لأمم أفريقيا 2019 ، فقد كانت تلك الدموع معبرة إلى حد كبير عن مدى المعاناة التى عاشها كل مشجع موريتانى من أجل تحقيق هذا الحلم الكبير بعد سنوات من اليأس بحسب وصف عدد من المشجعين الذين اعتبروا أن تأهل منتخب المرابطون لأمم أفريقيا يعد إنجازا كان صعب المنال ويواجه الكثير من المطبات الصعبة والاختبارات القاسية.

كلما تحدثت مع أى مواطن موريتانى عاشق لكرة القدم وسعد بإنجاز بلاده كان يشير سريعا نحو ذلك الشاب الأنيق ( 42 عاما ) الذى لمع كثيرا فى السنوات الأخيرة، وقاد اتحاد الكرة فى بلاده بنجاح ساحق بل وأصبح عضوا بالمكتب التنفيذى للاتحاد الأفريقى لكرة القدم ” كاف” والذى نجح فى ترتيب الأوراق منذ توليه مسئولية قيادة اللعبة فى يوليو 2011، حيث سبق له تأسيس ورئاسة نادى اف سى نواذيبو من 1999 وحتى 2011 وكان عضوا بالمكتب التنفيذى للاتحاد الموريتانى من 2004 وحتى 2007، وعضوا بلجنة الأخلاقيات بالفيفا ممثلا عن أفريقيا منذ 2012.

لكن الرجل الذي يعمل فى مجال صناعة السفن ويمتلك الكثير من الأنشطة التجارية فى عالم البحار استطاع ببراعة أن يضع موريتانيا على الخريطة الكروية بتنظيم بطولة محلية جيدة والبدء فى الاهتمام بقاعدة الناشئين، وذلك بعد سنوات طويلة من التجاهل والتقصير، حيث احتل منتخب موريتانيا المركز الأخير على العالم فى تصنيف فيفا (2006) خلال يناير من عام 2013،وانسحب قبلها من تصفيات أمم أفريقيا 2012 ثم رفض المشاركة فى التصفيات التالية ، وكان الفريق الموريتانى هو الأضعف على الإطلاق بين منتخبات القارة السمراء، لكن الأوضاع تبدلت كثيرا خلال سنوات قليلة.

التاريخ المظلم

كل المؤشرات كانت تشير الى فشل محتوم لو نظر أحمد ولد يحيى وأعوانه للتاريخ الكروى فى البلاد لكنهم رفضوا الاستسلام ونظروا للمستقبل بعين التفاؤل .

عرفت موريتانيا كرة القدم عام 1961، وخلال اكثر من 5 سنوات لم يعرف منتخبها سوى الهزائم حتى حقق تعادلا مفاجئا أمام تنزانيا عام 1967، وفى عام 1972 دخلت موريتانيا تصفيات دورة الألعاب الأفريقية كأول تجربة دولية للفريق لكن البداية كانت مؤلمة بخسارة قاسية من مالى 11 – 0 ثم من غينيا 14 – 0 .

واستمرت السقطات والانسحابات للدولة الكبيرة من حيث المساحة ( اكثر من مليون كم ) والمتواضة كرويا.. حتى جاء أحمد ولد يحيى الذى قرر إعادة تكوين منتخب بلاده وخاض تصفيات قوية للتأهل لأمم أفريقيا للمحليين عام 2014 وتفوق على ليبريا والسنغال، وشارك فى البطولة بالفعل كأول بطولة دولية يظهر خلالها المرابطون، ورغم خروج الفريق من الدور الأول إلا أنه استحق الاحترام الشديد من موريتانيا كلها ثم قرر ولد يحيى إسناد قيادة المنتخب الى الفرنسي مارتينيز وهو أحد لاعبي منتخب فرنسا فى منتصف التسعينات، ثم بدأ ولد يحيى التفكير خارج الصندوق لاكتشاف المواهب، وتعاقد مع الإسبانى باكو فورتيس لتولى منصب المدير الفنى للاتحاد الموريتانى لكرة القدم وكل مهمته اكتشاف مواهب جديدة ووضع الكرة فى البلاد على الطريق الصحيح.

الحلم يتحول لحقيقة

بدأ الحلم يتحول لحقيقة رويدا رويدا.. كل يوم هناك تطور ملحوظ .. فقد قدم الفريق مباريات قوية فى تصفيات أفريقيا 2017، ثم تأهل لأمم أفريقيا للمحليين فى 2018 بالمغرب، وقدم كرة متطورة فى تصفيات كأس العالم أمام تونس وقفز الى المركز 81 عالميا، فى الوقت الذى حصل فيه رئيس الاتحاد احمد ولد يحيى على جائزة قائد العام من الاتحاد الافريقى لكرة القدم بوصفه أفضل رئيس اتحاد.

تحدثنا الى أحمد ولد يحيى الذى كان سعيدا بالاهتمام العربي بانجاز موريتانيا.. وان كان ينتظر اهتماما أكبر فى السنوات القادمة، مشيرا الى أن الصحافة العربية عليها مسئوليات كبيرة للاهتمام بالدولة الواعدة فى الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص.

ولد يحيى يتكلم

قال ولد يحيى لـ”الاذاعة والتليفزيون” إن هذا الانجاز جاء ثمرة لمحصلة كثير من العمل الذى شهدته السنوات الماضية وقد شمل مختلف المجالات ذات الصلة بكرة القدم مثل تكوين الطواقم البشرية الفنية والإدارية واتخاذ قرارات ساعدت فى تحسين مستوى التنافسية على مستوى البطولات المحلية لمختلف الفئات العمرية، وتشجيع الأندية الوطنية ودعم الاحتراف.. إضافة إلى الاتصال بعدد من اللاعبين الموريتانيين بالخارج، وكل ذلك خلق بيئة كروية مميزة  تمت إحاطتها برعاية حكومية كاملة، وشراكة مثمرة مع عدد من المؤسسات التجارية، مما حصدنا ثمرته أخيراً في التأهل لنهائيات كأس أفريقيا للأمم 2019، وبطولة أفريقيا للمحليين مرتين (2014- و2018)، والمشاركة الدائمة لأنديتنا في البطولات الأفريقية.

وحول طموحاته وأحلامه فى المستقبل قال ولد يحيى:”طموحنا الحالي هو الظهور بشكل مشرف ولائق بالكرة الموريتانية وسمعتها، ويلبي طموحات جمهورنا الكريم، وتشريف الكرة العربية، ونحن في الاتحاد الموريتاني نعمل خطوة بخطوة بحيث نحدد هدفاً ثم نعمل على تحقيقه، وبعد ذلك نرسم هدفاً جديداً وهكذا، وهدفنا القادم هو تخطي الدور الأول من البطولة، وبعد تحقيق هذا الهدف سوف نطمح للهدف التالى، وسنعمل بشكل جاد من أجل التحضير المتميز قبل الدخول في منافسات البطولة.

وأضاف ” منذ وصولنا للاتحادية عملنا على تفعيل مشاركة موريتانيا في كل المنافسات العربية، سواء على مستوى المنتخبات أو على مستوى الأندية، ولن نتقاعس أبداً عن مواصلة هذه المشاركة كلما أقيمت بطولة عربية”.

سألت ولد يحيى عن طموحاته الشخصية على المستوى الدولى فقال: أنا الآن مسئول في الاتحاد الإفريقي؛ حيث أشغل عضوية اللجنة التنفيذية في الاتحاد، وأعمل بجد مع أحمد أحمد رئيس الاتحاد، والزميل هاني أبو ريدة رئيس الاتحاد المصري الشقيق، وغيره من زملائي الأعزاء في اللجنة التنفيذية، على تطوير الاتحاد وتحسين أدائه على مختلف الأصعدة، بما يخدم حاضر ومستقبل الكرة الأفريقية، ولكل مرحلة ظروفها”.

واختتم ولد يحيى تصريحاته قائلا: ” سنواصل العمل .. الأحلام كبيرة .. ولدى رغبة أكبر فى إسعاد هذا الشعب فالجماهير هى السند الأول لنا ولولاهم ما حققنا ذلك.. أعلم صعوبة المهمات القادمة لكن علينا بذل الجهد .. وأثق فى رجالى”.

فى ديسمبر 2015 ..نالت الكرة الموريتانية سخرية بالغة بسبب واقعة شهيرة فى مباراة السوبر الموريتانى بين بطلى الدوري والكأس، حيث حضر رئيس البلاد محمد ولد عبد العزيز المباراة وفى الدقيقة 65 قرر إيقافها مقررا احتكام الفريقين لضربات الترجيح لحسم اللقب نظرا لضيق وقته وانشغاله باحتفالات البلاد بعيد الاستقلال، لكن هذا الحادث الغريب كان دافعا قويا لدى الموريتانيين فى إثبات الوجود .. التفاؤل كان مسيطرا على الجماهير العاشقة لكرة القدم خلال آخر عامين.. فالنتائج تتطور والمستوى الفنى فى ارتفاع مستمر.

ابن كوري حسين مشجع موريتانى وجه الشكر لأحمد ولد يحيى واعتبره صاحب الفضل الأول فى هذا الانجاز.. مؤكدا أن موريتانيا تحتاج الكثير من أمثاله، فيما وصف فضيل يور تأهل موريتانيا بالاعجاز، أما أحمد ديدى فأكد أن التعاقد مع مدرب طموح ومنح الثقة للاعبي المنتخب من الأسباب المهمة لهذا النجاح.

رئيس الفيفا يشيد بالتجربة

جيانى انفانتينو ـ رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم ـ قال إن تجربة موريتانيا فى مجال تطوير الكرة نموذج يحتذى به فى أفريقيا ومختلف أنحاء العالم، مؤكدا دعم الفيفا الكامل لتلك التجربة للارتقاء باللعبة فى البلاد لآفاق أوسع.

وكانت موريتانيا قد استضافت اجتماع المكتب التنفيذى للفيفا فى فبراير الماضي والذى خرج بنجاح باهر.

وتتلقى موريتانيا دعما سنويا من الفيفا ضمن مشروع الهدف الذى يستهدف تطوير كرة القدم فى البلدان الفقيرة والواعدة.

الحلم العربي

المنتخب الموريتانى كان الحصان الأسود للتصفيات الأفريقية وفاز بكل المباريات على ملعبه بنواكشوط، لكن كثيرا من المشجعين يحلمون بمشاركة أكثر فاعلية لموريتانيا عربيا، ويحلمون بزيارة المنتخبات العربية الكبرى للبلاد لخوض بعض اللقاءات الودية بل ان هناك آلاف من المشجعين الصغار يحلمون بمقابلة النجم المصري محمد صلاح ومتابعته عن قرب خلال مواجهة ودية بين مصر وموريتانيا، فيما يقترح آخرون إقامة بطولة عربية ودية فى نواكشوط تضم العديد من المنتخبات العربية من أفريقيا وآسيا.

وقبل نهاية 2018 بشهر واحد أعلن الاتحاد الأفريقى لكرة القدم ترشيح منتخب موريتانيا للحصول على جائزة افضل منتخب بالقارة وكذلك ترشيح مدربه مارتينز لجائزة أفضل مدرب..

المصدر: الإذاعة والتلفزيون المصري