ميلاد حلم “أبكم”: بقلم / أحمد امحمد إسلم الفاضل

بقلم : أحمد امحمد إسلم الفاضل

في التُراثِ المَحَلي يُسَمَى الشيءُ المُتخيلُ التَحَقُقِ دُونَ تَجسيده مَيدانيا بالحلم “الأبكم” لأن قيمتَه الماديةُ لم تُقبض من قبل مالكه، و مزاياهُ المَعنَوِيَةُ لم تدرك حِسيا من الآخرين، مما يُبقِيه حبيسَ الأذهان و الأوهام داخل دائرة مُظلمة، كحال مسار الإعلام الخصوصي في موريتانيا.

فَمنذُ إعلانِ الحُكومة بِشكل رَسمي عنخُطوة تَحريرِ الفضاء السمعي والبصري منتصف 2011، عرفت البلاد طفرة إعلامية بظهور خمس قنوات تلفزيونية وخمس محطات إذاعية خصوصية في آن واحد، لترتسم بذلك مَشاهدُ الحلم، لكن مفسري الحلم أثبتت التجارب أنهم لم يكونوا عارفين برغبات الجمهور و كان همَّهُم الوحيدُ هُو تلبية حاجات في أنفس يعاقيب فَمُنحت بموجب تلك الحاجات المؤسسات رخصا تجارية بدون وجود قانون ينظم الإشهار في البلد و التزمت القنوات بشروط  للسلطة العليا للسمعيات البصرية الهابا من بينها توقيع عقود عمل مع الصحفيين.

و بعد سنوات من العَملِ اتضحت بجلاءٍ المُشكلاتُ المعيقةُ لأداء الإعلام السمعي البصري على المدى القصير و المتوسط و الطويل والتي تغافل عنها ملاك المؤسسات و مسيروها و العاملون فيها و المتعاملون معها عند التأسيس مما دفع بإذاعتين إلى الاستيقاظ من النوم قبل نهاية الحلم بينما أصرت أخرى على التظاهر بالنعاس خفيف تفيق منه أحيانا على وقع مطالبة شركة البث بدفع الحقوق المترتب عليه و في ظل رسائل سلطة الهابا المشفرة و المباشرة بتجديد الرخص.

إن القنوات و الإذاعات الخصوصية و أمام الوضعية الراهنة باتت من الناحية الاقتصادية تعاني أزمة وجود لندرة الإنتاج الإعلامي المُلبي لطموح الجمهور و التركيز على البعد  السياسي في الأخبار على حساب القضايا الاقتصادية و الاجتماعية للمواطن و ندرة تناول قضايا الأرياف و الاكتفاء برحلات إنتاجية تفرضها تنقلات هرم السلطة و الوزراء و رؤساء الأحزاب السياسية إلى المدن الداخلية إلى جانب انخفاض مستوى سوق العرض الناجم عن حجم السكان حيث لا يتجاوز تعدادهم أربعة ملايين نسمة و غالبيتهم لا يهتمون بالمخرجات الإعلامية.

و في ظل هذه الظروف تَكون شكوى المشرفين على  تسيير هذه المؤسسات مبررة فكساد سوق الإعلانات وعدم رغبة رجال الأعمال في الاستثمار بالمجال خاصة من كانوا وراء ميلاد هذه القنوات و أسلوب إدارة بعض مديري القنوات للمخصصات المالية أمور مجتمعة تجعل الموارد ضئيلة إن لم تكن معدومة و تجعل الصحفي الحلقة الأضعف فلا عقود عمل تضمن حقوقه بشكل منتظم و يُواجهُ من قبل مسيري المؤسسات بعبودية مهنية قاسية في أحيان كثيرة بدون غطاء قانوني و مصحوبة بمشكلة بنيوية تتعلق بالحصول على المعلومات الرسمية من الجهات المختصة الموثوق بها.

إن السعي إلى إيجاد حلول لمشكلات الإعلام السمعي البصري في موريتانيا يتطلب في خطوة أولى إجراء دراسة جدوائية من قبل المختصين و الخبراء لرسم مخطط استراتيجي يوضح الهدف من  منح التراخيص للقنوات التجارية و النتائج المرجوة منها و يحدد بشكل نهائي حلولا جذرية لمشكلات حقوق البث و تعويضات الترخيص و كيفية تنظيم جيد لسوق الإشهار في ظل الحديث عن دخوله حيز التنفيذ و توزيع عادل لصندوق الدعم العمومي للصحافة المستقلة و محاولة انتخاب مجالس إدارات للقنوات و الإذاعات يسعى القائمون عليها إلى رسم خطط عمل قابلة للتنفيذ حتى إن تطلب الأمر في النهاية دمج مؤسستين اثنتين أو أكثر في واحدة مما يجعل الأعباء المالية لهذه المؤسسات تقع على كاهل تكتل إعلامي  ينفذ توصيات مجلس إدارة و مسيرين لهم القدرة على البحث عن التمويل و جلب المنافع الاقتصادية للمؤسسة.