“الطرق الصوفية” معبر لتوطيد العلاقات بين السنغال وموريتانيا‎

الحرية نت: تقارير ـ الزيارات الموسمية التي يقوم بها مشايخ الطرق الصوفية في جمهورية السنغال إلى أتباعهم ومريديهم في موريتانيا وما يلاقونه من حفاوة بالغة واستقبال شعبي ورسمي واهتمام إعلامي في الصحافة وشبكات التواصل الاجتماعي يظهر عمق المكانة الروحية والوجدانية التي يحتلها هؤلاء في نفوس الموريتانيين كما تعكس الدور الاستثنائي لها في تعزيز العلاقات الدبلوماسية، والأخوية بين الشعبين الجارين رغم الجهود المضنية التي تبذلها النخب السياسية والثقافية المرتبطة بالمغرب الاستعماري في تأزيم العلاقات العربية الإفريقية وخلق أجواء من عدم الثقة لإيجاد الأرضية المناسبة للتدخل والانغماس في شؤونها الداخلية.

رغم النفوذ المتعاظم للحركات السلفية وجماعات “الإسلام السياسي” في موريتانيا الذي شهدته البلاد في العقدين الأخيرين بسبب الضخ المالي الكبير الذي استفاد منه بعض رموزهم في صورة هبات وأعمال خيرية مرتبطة ببناء المساجد ورعاية المحاظر ودور الأيتام، ومنح دراسية في جامعات ومعاهد دينية في دول الخليج وما ولده لدى المستفيدين من معتقدات فكرية وتنظيرات جديدة جعلتهم يخوضون معارك للتتفيه وتكفير معتقدات المجتمع، إلا أن قوة هذا التيار لم تستطع رغم شراستها الضارية أن تنال من المكانة الكبيرة للطرق الصوفية لدى الموريتانيين حيث لازال نفوذها يزداد ويتعاظم.

لكن شعور مشايخ هذه الطرق بالخطر الذي يستهدفها ومحاولة البعض عزلها في زوايا ودور للعبادة عن الحياة العامة وعن حواضنها الاجتماعية والثقافية وخصوصاً في أوساط الفئات الشبابية الجديدة في الجامعات والمعاهد التعليمية وداخل الحقول المهنية المعاصرة، كل ذلك دفعها الى تكثيف هذه الزيارات وتجديد الصلة مع المريدين والأتباع، وكل المحبين في موريتانيا. حيث تنظم لها الولائم وتعقد المحاضرات وتضرب حلقات الذكر وتقرض القصائد المدحية التي تشيد بالخصال النبوية الشريفة وتسرد قصصًا عن حياة مشايخهم وجهادهم ووصاياهم خاصة المتعلقة بالأخلاق والوحدة الاسلامية ونبذ الفرقة.

فالزيارة الأخيرة التي أداها “الخليفة العام” للطريقة التيجانية الشيخ أحمد التيجاني انياس الى العاصمة نواكشوط قبل أسابيع كانت بمثابة زيارة لرئيس دولة. حيث استقبله رئيس الجمهورية والوزراء وتدفق الأهالي لمصافحته وعاشت معه العاصمة نواكشوط أسبوعا على وقع الاحتفال وشاركت في مواكبه مئات السيارات.

وقبل هذه الزيارة، كانت هناك زيارة أخرى لأحفاد الشيخ احمدو بامبا اشياخ الطريقة المريدية القادرية الذين يتم الاحتفاء بهم والترحيب بهم في أي مكان وطئته أقدامهم، ولا يبخل الموريتانيون في تقديم الهدايا النفيسة لهؤلاء المشايخ تكريماً وتقديراً لمكانتهم ولما يقومون به من جهد.

وبحسب بعض المختصين فإن مبالغة الموريتانيين في الاحتفاء بهؤلاء المشايخ ليس أمراً غريبا بالنظر إلى الحفاوة التي يلقونها في زيارة السنغال، فضلاً عن التسهيلات التي يقدمها هؤلاء لهم ولمصالحهم التجارية والاقتصادية في السنغال أو في دول غرب إفريقيا فيحرصون على التقاط الصور معهم و مجالستهم وأخذ عناوينهم للاستفادة منها عند الضرورة، وقد بينت الأحداث المأسوية بين السنغال وموريتانيا 1989 كيف كانت منازل هؤلاء المشايخ ملاذا آمنا للموريتانيين من بطش الغوغائيين الغاضبين.

لهذا السبب تزداد الدعوات في موريتانيا إلى ايلاء هذه الطرق أهمية قصوى وتسعى الدولة الرسمية إلى تعميق العلاقة مع مشايخها بوصفها احتياطا دبلوماسيا آخر من شأنه أن يضمن علاقات أخوية وتعاونًا دائمًا بين الشعبين الشقيقين.

Go to W3Schools!