ذكرى “غزي الأركاب”: التاريخ يعيد نفسه والمقاومة تأخذ مكانتها

عبد الله يعقوب حرمة الله
عبد الله يعقوب حرمة الله

أتوجه باسمكم جميعا بالتحية والتقدير إلى كل أولئك الذين قدموا الغالي والنفيس في سبيل تحقيق استقلالنا الوطني، وإلى أولئك الذين ضحوا ذودا عن حوزة البلد الترابية وعن حرية وكرامة أبنائه.

وأخص بالذكر شهداء مقاومتنا الوطنية الأبرار الذين سطروا بدمائهم الزكية ملحمة المجد والفداء، حتى نال البلد استقلاله، وعلمائنا الأجلاء الذين آزروا المقاومة المسلحة بمقاومة ثقافية كان لها الفضل الكبير في صمود ثوابتنا الحضارية والفكرية في وجه الغزو والاستلاب”

قائد الأمة الموريتانية فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز/ أطار، 28 نوفمبر 2016

**

التاريخ لا يسترسل بصفة مجانية، واستيعابه رغم استعصائه: إسقاط للأحداث على الواقع واستقراء للمستقبل من صفحاته والتحكم في صيرورة فارق الزمان والمكان و ديناميكية صواب الخطاب السياسي والمشروع المتمكن من ترتيب الأولويات وصعق التحديات بإرادة وطنية ونفس تقدمي يسع الجميع ويضمن استمرار نور مشعل المجد في قلوب وعقول الرجال.

مجهود التحرر من ميتافيزيقا التاريخ، العالقة بقوة التنكر وماضي التعتيم وفرط النسيان، كفيل باستنطاق تعاليم “غزي الأركاب” ورمزية الأربع مائة وألف من قادة الرأي الملبين لنداء القضية في ضيافة الأمير المجاهد الشيخ ماء العينين الذي جمع كل ما يملكون من براعة القتال وحدة العقل وطفرة المروءة والأخلاق؛ وأضاف السيطرة على الأبعاد الجيوستراتيجية للمنطقة والعالم.

بعد مضي أكثر من قرن، يعيد التاريخ نفسه ويلبس جمال الاعتراف، وتأخذ المقاومة المستمرة مكانتها ذودا عن هيبة موريتانيا وكرامة أهلها وأمن واستقرار غرب الصحراء الكبرى.

عبر قائد الأمة الموريتانية فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز في لحظة ثورية فوق جسور العصبية، واحتضن الجميع وصرع قرن السيطرة فنطق بنور المجد وبهاء الإباء، حاملا مشعل المقاومة وإرث الريادة والسيادة لتظل حياتنا مشرقة تشق طريقها في ليل العالم المظلم.

حديث المعلم ابريد الليل عن المجاهد الشيخ ماء العينين، إضافة مشرقة إلى سفر كتابة تاريخنا واستحضار لرسم سيادة الآباء والأجداد في غرب الصحراء الكبرى، وتأريخ للمقاومة الوطنية ودحدحة بردتها الأخلاقية في سماء الاستعمار: مكوث أنيق في أريحية الفكر وصناعة الأدب من سنام نوقنا ورطب نخيلنا ونجيع سيوفنا؛ تقرأه الأجيال فتتمسك بروحه انبهارا ومتعة؛

تحت سماء المجد وفوق أرض الرجال: الممتدة على قد الأراك وتسريحة الطلح وهامات النخيل؛ المطرزة أكمامها بتبر السفا ؛ ويقظة من رام نطق مصارعة ذئابها على مزاج خيلاء نوقها في بديع الوفاء للأرض وأهلها.

في حيز عالم: تترنح متعة رعاة ضبح حياته بشوارد ذي الرمة ونوادر بلاط طرفة ونخوة المتنبي وغطرسة الروم؛ لعقت الأبجدية عسلها وامتطت الحضارة بساط الجمال جنوبا وشمالا ناسجة ملحمة انبهار الأمم؛

من تراكمات السيادة و جزل العطاء أنارت بيوت الوبر الساحل وشرقه والصحراء الكبرى وغربها، وأسدلت ستائر الحضارة على منازلها وانشغلت بصنع الإنسان وإسعاف صوابه كمسؤولية أخلاقية وقودها السماحة و الانتصار لكرامة عبثت بها الجهالة والإفراط في تقليد الغزاة والمحتلين.

ارتوت الأرض بدم ومداد مقاومة المحتل، وعبرنا بحماسها الأخلاقي أكمة السفا لصد المستعمر عن إخوة ربطتنا بهم آيات ولاء التاريخ قبل انفصام عرى جغرافيا السيادة.

في شتاء 1884 استدعى بسمارك بفتور طارئ في برلين الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية وممثلا عن تركيا العثمانية لمؤتمر دبلوماسي يتبنى رسميا “محاربة العبودية والاتجار بالبشر في إفريقيا”، في حين تناول جدول أعمال المؤتمرين تقاسم إفريقيا واعتماد ميثاق استعماري يرسي قسمة توافقية للمستعمرات تجنب القوى الاستعمارية التصادم فيما بينها. أحيط بكامل السرية ولم يكن منظموه ينتظرون منه أكثر من الصمود في وجه برد برلين وتردد زعيمها.

كانت ذكرى حرب 1870، لا زالت تنزف، وكان الخوف مسيطرا على ثلاثي الغطرسة: ألمانيا، فرنسا، إنكلترا. و كانت كل واحدة تخشى التحالف ضدها.

كانت فرنسا الاستعمارية ترى على لسان وزيرها الأول “جيل فيري” أن الاستعمار يشكل مشروعا أساسيا لحماية “وحدتها الوطنية” فأرسلت إلى برلين جد “بيرناديت” و صهر “شيراك”، الدبلوماسي “آلفونس شودرون دو كورسيل” للدفاع عن مصالحها.

وبعد أربعة أشهر من النقاش أقر المؤتمرون لملك بلجيكا ملكية الكنغو وقوة عمل أهلها، و ملكية ناميبيا لتاجر ألماني مقابل 100 جنيه و 200 بندقية، وتمت بعثرة الوجود القانوني والمسار الآنتروبولوجي ل “تراب البيظان” وتقسيمها بين فرنسا وإسبانيا من جهة وبين مستعمرات فرنسا من جهة أخرى.

كانت الدعوة للجهاد والانخراط في المقاومة مقياسا للقيمة الثقافية والأخلاقية لحراس هوية وكرامة الإنسان في غرب الصحراء الكبرى، ولم تكترث بترتيبات صقيع برلين، بل كان حماس الجهاد لصد الاستعمار هو القضية الوحيدة التي استعادت القبائل تحت رايتها وحدتها ورحمها، وأصبح السلم والأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها مرتبط بكسب معارك استهداف الحضارة والهوية، لأطول مقاومة عربية جمعت بين حد السيف وعنفوان القلم.

عبد الله يعقوب حرمة الله

Go to W3Schools!