نواكشوط: اختتام أعمال ندوة علمية حول التصوف الإسلامي وعلاقته بالتسامح

الحرية نت: أسدل الستار في العاصمة نواكشوط اليوم الجمعة على أعمال ندوة علمية نظمها المركز المغاربي للدراسات الاستيراتيجية بالتعوان مع منظمة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” واستمرت على مدى يومين تابع خلالهما الحضور أكثر من عشر محاضرات وعشرات المداخلات التي صبت في مجملها حول التصوف وفلسفة التسامح وحاضر فيها مختصون من موريتانيا والمغرب وتونس.

وفي اليوم الأول قدم الدكتور البكاي ولد عبد المالك محاضرة عن الأبعاد الفلسفية والأخلاقية للنزعة الإنسانية في التصوف الشنقيطي -دراسة تحليلية لنماذج من مصنفات الإسلام الطرقي، موضحا صعوبة الحديث عن “نزعة إنسانية” في الإسلام أحرى أن نؤصل لها في ميدان خاص مثل التصوف.

وأكد الدكتور أن الأصعب من ذلك كله ربما يكون تركيب عناصر النزعة ضمن دائرة أضيق هي التصوف الشنقيطي.

وقدم الدكتور تساؤلات شملتالتفكير في الإنسان وفي النزعة الإنسانية من منظور الاتصال بين اللاهوت والناسوت ودون افتراض الاستقلال الجذري للإنسان؟ أو بتعبير آخر هل هناك إمكانية لاستخلاص مفهوم معين للنزعة الإنسانية ليس فقط من خلال مفهوم “المحايثة” والوجود الراهن للإنسان؟.

من جهة أخرى وفي ذات الجلسة قدم الأستاذ محمد الحافظ محمد الأمين محاضرة عن التصوف الشنقيطي ومنهجه في التسامح والحوار.

وركز المحاضر على السجال الفكري بين الفقهاء والمتصوفة والمتكلمين في المجال الشنقيطي/ الموريتاني في القرون الأربعة الأخيرة، مبرزا روافد التصوف الشنقيطي ذات الأبعاد الأندلسية المغاربية، مستعرضا أمثلة ونماذج من السجالات الفكرية بين أقطاب التصوف والفقهاء والمتكلمين في فترات مختلفة. كما حاول استخراج القوانين التي حكمت ممارسات الحوار الصوفي الكلامي الفقهي والتي تشكل بحد ذاتها قيما علمية وفلسفية تكرس التسامح والحوار بالحسنى بعيدا عن التعصب والعنف رغم ما داخل لغتها في الكثير من الأحيان من حرارة وسخونة؛ مضيف في الوقت نفسه أنها ألتزمت آداب الحوار وقيم التسامح والملاطفة مع الخصم مما يشجع الأجيال على الاستفادة من هذه التجربة القيمة في التراث الإسلامي. وفق تعبيره.

وتحدث د. سيد الأمين سيد أحمد بناصر خلال محاضرة قدمها عن مفهوم الإصلاح وعلاقته بالتسامح الصوفي “الشيخ ماء العينين والشيخاني نموذجين”، عن مفهوم الإصلاح في الفكر الصوفي، باعتباره المشروع الذي تأسس عليه هذا الفكر، وذلك من خلال إصلاح النفس والجسد، وإصلاح الفرد بناء على ذلك، وصولا إلى إصلاح المجتمع المتسامح المسالم، الذي ينبذ العنف والتكفير والتطرف.

كما تعرض للعلاقة الجدلية بين هذا الإصلاح وبين مفهوم التسامح، الذي سماه بعض الصوفية بالأدب، وسماه بعضهم بالحب أو ديانة الحب، التي لا تميز بين الأديان والثقافات والمجتمعات بما تفرضه من حب وتآلف بين أفراد المجتمع.

وقدم الدكتور محمد عبد الرحمن محمد الدنبجه محاضرة عن روح التسامح في التصوف الإفريقي: تيرنو ببكر نموذجا، مؤكدا أن من يكتب عن تيرنو لا يجد بُدا من الاعتماد بشكل شبه كلي على كتاب “حياة وتعاليم تيرنو ببكر” للمفكر المالي آمادو هامباتا با. كما لا مندوحة له من تناول الطريقة التجانية، خاصة الشيخين الحاج عمر طال، والشيخ محمد الأخضر بما أنهما يمثلان رافدين من روافد الطريقة التجانية في غرب إفريقيا والساحل، الأول عن طريق محمد الغالي طريقا مباشرا إلى الشيخ التجاني مؤسس الطريقة، والثاني عن طريق الطاهر أبي طيبة من الزاوية التلمسانية.

وافتتحت الجلسة العلمية الثانية بمحاضرة للدكتور عبد الحق الزموري من جمهورية تونس بعنوان الولي والفقيه في إفريقية القرن 16 م من خلال كتب النوازل (كتاب الأجوبة للقاضي عظوم مثالا.

وقدم المحاضر في عرضه نبذة سريعة عن قيام الزوايا في إفريقية والصراعات التي واكبت تطورها واستقرارها قبل الغزوة الصليبية الاسبانية على تونس في القرن العاشر هـ / 16 م

ثم تناول دور الزوايا (التصوف) وواقعها إبان التحولات السياسية التي عرفتها إفريقية منتصف القرن 16 (دخول الإسبان وخروجهم؛ بداية الحكم التركي) ثم كتاب الأجوبة لعظوم؛ قراءة في المصطلحات المستعملة في المدونة لتعريف المتصوفة وفضاءات فعلهم الاجتماعي، مبينا أن قيم التسامح تتجسد على الأرض، إلى أي حد يمكننا القول إن الفقهاء قد قاموا بدور حاسم في تجذير قيم التصوف عبر الالتفاف على الأدوار الاجتماعية – الثقافية التي يؤدونها.

وفي نفس الجلسة ألقى الدكتور الشيخ التجاني أحمدي محاضرة عن الرؤية المعرفية في العرفان الإسلامي تناول فيها المعرفة الصوفية التي تهدف لتربية النفس وتزكيتها وتهذيبها عملياً، وتغيير ما بها، وتربية القلب حتى يخلص النية لله، مبينا أن هذه المعرفة تحولت إلى حركة صوفية متسعة وتكاملية، تمتلك نظرية خاصة ورؤية محدّدة لله والإنسان والوجود.

وتحدث الدكتور عن هذه الحركة ببعديها المعرفي والاجتماعي على المجتمع الإسلامي طيلة القرون الماضية، فقد حاربت هيمنة المادة على الإنسان، وانحطاط القيم الأخلاقية وانتشار الأهواء والصراعات الإيديولوجية على السلطة، وقد وجد الناس في هذه الحركة الحضن الذي يوفر السعادة الوجدانية والراحة النفسية.

من جهته الدكتور أحمد كازي من المملكة المغربية فقد ألقى محاضرة بعنوان التأمل بين فكر الشرق والتصوف الإسلامي بين فيها أن الخطابات المتعلقة بما هو روحي وجداني تشكل أهم مسالك لممارسة الفكر الحكموي، وهذا يستدعي وجود عقل منفتح على ما هو متعال، وماهو وجودي . بخلاف العقل المجرد و المنفصل عن الواقع الإنساني . ولهذا فالفكر الحكموي بتأملاته الوجدانية يهتم  بمسألة أساسية وموضوعاً مركزياً وهو الحياة من أجل الحفاظ عليها و إظهار الإيجابي فيها ، والممثل في العلاقة الإنسانية بين الذوات. والتأمل الحكموي  بقوته الندرية هو تبجيل لما هو جميل وأحسن وأفضل خارجة تجارب العنف والشر والقتل  والنبذ والإقصاء. وأوضح أن هذا الوجه العملي هو المشترك بين التجارب الشرقية  البوذية  …والتصوف الإسلامي : إنه ذلك العمق النير الذي لا تختلف حوله الأديان ، وهو أساس وحدتها.

وقدم د. التاه بن محمدن بن أجمد محاضرة عن تأصيل ثقافة التسامح في السنة النبوية بين فيها أن السنة النبوية أسست نظاما دينيا وحياتيا منفتحا، يأخذ بالمسلم إلى أعلى وأرقى الفضائل، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، والتي من أولها السماحة والتسامح، حيث كانت ميزة الإسلام الأساسية السماحة، وهي صفة واقعية تجلت في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعده؛ لذا فإن هذا البحث سيروم تأصيل ثقافة التسامح في السيرة النبوية، وذلك من خلال عرض دروس نظرية من السماحة، وأخرى تطبيقية عملية لمصدر التسامح محمد -صلى الله عليه وسلم- فالتسامح بدأ في التاريخ الإنساني ببعث النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد بلغ مداه، ووصل إلى مستوى متميز، لا نظير له خارج الإسلام.

وفي ثاني أيام الندوة العلمية ذات الطابع الإقليمي قدم الأستاذ / محمد يحيى بن باباه محاضرة بعنوان التصوف الفلسفي والتاريخي بين التجريد النظري والتجسد الاجتماعي المقاربات الفكرية لدلالات التصوف كتجربة روحية عبرت عن ذاتها في صور مختلفة، بمعنى التأرجح في التاريخية الدلالية بين التصوف الفلسفي  والتاريخي،  كما يعالج التصوف في فهم توظيفه ضمن سياقي الممارسة الفلسفية، والتجسد الاجتماعي العملي.

وفي نفس اليوم ألقى الأستاذ /  الشيخ محمد الأمين محاضرة عن مفهوم التسامح في الإسلام ومحاربته للتطرف الديني موضحا أن أفضل حل هو الرجوع إلى مبادئ الإسلام، ففيها الدواء الشافي، بالنظر إلى المشكلات العظيمة والمعضلات الكبيرة تحيط بنا من كل جانب هذه الأيام، ومن أبرزها قلة فهم ثقافة التسامح وتجنب الآخر، والانكفاء على الذات، ليذكر في عرضه أن مداخلته درست منظور الإسلام لمحاربة التطرف، لما تضمنه هذا المنظور من رفض حاسم للتطرف بجميع أشكاله ومحاربته، وتطلعه إلى حفظ الأمن والاستقرار والتواصل السلمي بين الناس، فضلا عن استنهاضه لأمتنا وتوجيه طاقاتها نحو ميادين الخير والصلاح.

وتطرقت الدكتورة ينصرها بنت بزيد في محاضرة قدمتها إلى بعض ملامح التسامح في النصوص الشرعية وفي التربية الصوفية موضحة أن مفهوم “التسامح” بما يعبر عنه من تساهل وإيثار وتجاوز وعفو واعتراف بالآخر ودعوته بالتي هي أحسن ما كان موجودا، بل ومأمورا به في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف وفي أخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام، وأخلاق صحابته وتابعيه من بعده.

كما بينت الباحثة في عرضها أن المدرسة الصوفية ” السنية” شكلت نموذجا رائعا لهذه الأخلاق، وجسدتها أروع تجسيد، وذلك بتبنيها مفهوم “الكونية”، وتساميها عن الأخلاق المذمومة، لتُحِل محلها الأخلاق المحمودة، التي تورث الإنسان اطمئنانا واستقرارا نفسيا مريحا، بعيدا عن الأحقاد والتعصب والتطرف وما يقود اليه ذلك من مآس ومشاكل أفقدت هذا العالم الآن إنسانيته وكرامته.

وأوضح الأستاذ محمد أحمد عمي في محاضرة قدمها عن الكلام الإلهي والتأويل الإنساني أو من اللغة التواصلية إلى الكتابة الوجودية أن إشكاليته خاصة باللغة والدلالة … عندما لا يكون التأويل مستقرا، تكون اللغة غير مستقرة. كما أشار إلى أن نظرة الفيلسوف ليست نظرة المتكلم أو البلاغي ، وكذلك يختلف عنهما الصوفي في نظرته؛ إذ يوسع اللغة لتشمل عالم الكائنات والأشياء… فهي المجال الحقيقي الذي تتجلى فيه المعارف…

وأضاف: لذلك توجهنا صوب أحد أعلام الصوفية، نظريته مؤسسة لفكر موحد وجودي إنساني: وحدة لا تمايز فيها … إلغاء كل الفوارق: إنه الشيخ محيي الدين بن عربي …

واعتبر / د. محمد أمعارش من المغرب خلال محاضرة عن نظرية “الاتساع الإلهي” مستندُ القولِ بالتسامح العَقَدي في تصوف ابن عربي أن المدخل العقدي من أنسب المداخل لمقاربة ظواهر التسامح في التصوف الإسلامي، ذلك أن القول الصوفي بالتسامح، ليس مجرد موقف شرعي أخلاقي تمليه آداب معاملة الخَلْق، بل هو قبل ذلك موقف جذري معرفي أصيل، صادر عن عقيدة مفتوحة في الحق “الواسع” المتَّسع لكل خَلْقِه رحمة وعلما. ومن هذا المنطلق عرض أبرز ملامح “نظرية الاتساع الإلهي” في تصوف ابن عربي، وأثرها في نفوره من كل مظاهر العنف واحتكار الحقيقة، واضطهاد الخلق، وفي دفاعه عن الحق في الاختلاف، المستند أصالة إلى الاختلاف في الحق نفسه. معتبرا كلَّ تضييق بشري على الخلق أو احتكار للحق، انقلابا على الاسم الإلهي ” الواسع”، وتعطيلا له في العالم الإنساني.

وفي آخر محاضرة الندوة العلمية التي استمرت يومين تحدث الأستاذ عبد الودود عبد الله الهاشم خلال عرض قدمه عن التصوف مبرزا أنه يتأسس على تجارب ذوقية أساسها النفاذ إلى حقائق الأشياء، فتنمحي المسافة بين الذات والآخر؛ هذه المسافة هي التي تتحكم في الصراعات ضيقا واتساعا.

كما تحدث المحاضر خلال عرضه عن التسامح مبرزا أن له  أصوله في الفكر الإسلامي، ولكن من حيث هو طارئ لدى الغرب، فإن ترجمته بالتسامح تحيل إلى التحمل، فيه معنى من “المَضَضِية”. وقد نشأفي أتون الصراعات المسيحية… حيث يترك احسم إلى الآخرة. وذلك شبيه في الفكر الإسلامي بالإرجاء (المرجئة مثلا).

وأشار المحاضر إلى أن هناك مجموعة من المفاهيم الصوفية ذكرت سابقا: المحبة الصوفية القائمة الأخوة الوجودية؛ وهو تجاوز لمفهوم التحمل… كذلك مفهوم الرحمة الأصيل إسلاميا، ولكن للصوفية قراءتها الخاصة له “ورحمتي وسعت كل شيء”، ابن عربي يرى أن كل الكائنات مستفيدة من هذه الرحمة.

وفي ختام أعمال الندوة شكر المنسق الإقليمي لمنظمة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث الدكتور ملاي أحمد صابر المشاركين في الندوة والحاضرين.

كما شكر القائمين على المركز المغاربي شريك المنظمة في الندوة.

من جهتها الدكتورة أم كلثوم حامدينو شكرت ممثل المنظمة والمشاركين في أعمال الندوة متمنية أن تكون أعمال الندوة قد مكنت من الإجابة عن الإشكاليات التي طرحتها ابتداء حول التصوف والعرفان والتسامح.

وأعلنت الدكتورة اختتام أعمال الندوة، شاكرة الجميع، راجية التمكن من الالتقاء في فرص أخرى.

 

 

 

Go to W3Schools!