الكنتي، يكتب: قبل أن تنتسب للإخوان

محمد اسحاق الكنتي

أطلق حزب “تواصل” الإخواني، هذه الأيام، حملة لتجديد الانتساب إليه وهي مناسبة لاطلاع القارئ على أمور من صميم فكر الإخوان الذي ينقسم إلى دعوى تشاع بين العامة لتحقيق مكاسب سياسية، وحقيقة تستأثر به القيادة…
أنبه إلى أن الخلاف مع الإخوان ليس سياسيا، ولا أيديولوجيا، وإنما هو خلاف حول تأويلهم السياسي للدين، وتدينهم السياسي. بعبارة أخرى؛ ما أنقمه من الإخوان هو توظيفهم للدين خدمة لمصالحهم السياسية وهو ما يؤدي إلى التلاعب بالنصوص تحت شعارات تجوز على غير المختصين مثل الوسطية، والمقاصد، والتجديد، والهدف النهائي هو علمنة الإسلام، كما تعلمنت النصرانية..(ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)(النساء 89).

كانت الكمالية (نسبة إلى كمال أتاتورك) هي المثال العلماني “المتنور” الذي اقترح على الأنظمة والنخب العربية ذات التوجه العلماني بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تنتج التجربة سوى “البورقيبية” التي ظلت فكر نخبة مسيطرة يقاومه الشعب التونسي (عجز بورقيبة عن فرض إبطال صوم رمضان، والمساواة بين الرجل والمرأة في الإرث). واليوم يقترح النموذج الأردوغاني على الأنظمة والنخب العربية ذات التوجه الإسلامي، ولم تنتج التجربة، حتى الآن، سوى “الغنوشية” رغم الدعاية والضغوط؛ فقد اقترح أردوغان علنا على الإخوان المصريين تبني تجربته، وأرسل إليهم الغنوشي ليقنعهم، إلا أنهم أصروا على الرفض لإدراكهم أن الشعب المصري لن يقبل الطابع العلماني للأردوغانية التي تصنف نفسها حزبا ديمقراطيا محافظا مثل الأحزاب المسيحية الأوربية. وللسير في هذا الطريق تجنبت كل الأحزاب السياسية الإخوانية في مصر والمغرب العربي ذكر الإسلام في مسمياتها!!!
لقد زرت موقع “التجمع الوطني للإصلاح والتنمية” (تواصل) للإطلاع على نصوصه، خاصة رؤيته الفكرية، فخرجت بالملاحظات التالية..
– غياب البسملة من النصوص، وهو خلاف السنة التي يدعي الحزب التمسك بها، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ – أَوْ قَالَ : أَقْطَعُ -)، رواه أحمد، وغيره من أصحاب السنن، وقد افتتح صلى الله عليه وسلم كتابه إلى هرقل بالبسملة. فلماذا ترك الحزب البسملة وافتتح بآية!!!
– غياب أي إشارة إلى الإخوان، أو ذكر لهم، والانتساب إلى المرابطين، والموحدين، والمرينيين… وهذا تدليس واضح؛ فصلة تواصل بحركة الإخوان المسلمين أثبت وأقرب من صلتهم بمن ذكروا. وفي ذلك غش لمن لا يعرف حقيقة القوم. فإخوان موريتانيا هم الأكثر التصاقا بالحركة الأم على مستوى التنظير والتنظيم والتمويل، وقد مثلهم شيخهم في الإجتماع الأخير للتنظيم الدولي للإخوان. فإذا كان الترابي في السودان قد استطاع التحرر على مستوى التنظير والتنظيم من سلطة المرشد العام المصري، وشق الغنوشي، في منفاه الإنجليزي، سبيلا أكثر علمنة من تعاليم البنا، فإن إخوان موريتانيا ظل رعيلهم الأول عالة في الفكر والتنظيم على مدرسة البنا، وتترسم قيادتهم الحالية خطا الغنوشي.. أما الانتساب إلى المرابطين والموحدين والمرينيين فهي دعوى عريضة تنبئ عن جهل صاحبها بالحركات الثلاث التي لا يمكن الجمع بينها…
– تنسب الرؤية إلى تواصل..” السعي الجاد لتحكيم الشريعة الإسلامية وترسيخ مبدأ سيادة الشرع.” ولا أساس لذلك من الواقع. فلم يعد الإخوان المسلمون عموما يسعون لتحكيم الشريعة، وإنما يلصقون هذه “التهمة” بالسلفيين للتحريض عليهم. ومنذ أن دخلوا البرلمانات العربية، نهاية التسعينيات، لم يسجل لنوابهم أي “سعي جاد لتحكيم الشريعة…”، وبعد فتنة الربيع لم يضع أي من أحزابهم، التي تناسلت، السعي إلى تطبيق الشريعة في برنامجه الانتخابي. فقد أطلق الإخوان شعار”الشرعية قبل الشريعة”، ويفسرونه بضرورة إقامة أنظمة ديمقراطية أولا، ثم يعرض تطبيق الشريعة على الناس، عن طريق ممثليهم، أو في استفتاء، فإن ارتضوها طبقت… وقد علق القرضاوي تطبيقها على تحقيق نظرية “التوظيف العام”، وافترى على النبي صلى الله عليه وسلم في برنامج الشريعة والحياة، حين قال:”النبي صلى الله عليه وسلم لم يطبق الشريعة إلا بعد أن وظف الناس كلها.”!!!
– تقول الرؤية..”التقوى معيارنا”، وحال قادة التنظيم لا تترجم ذلك؛ فقد عرّف الإمام علي رضي الله عنه التقوى بقوله:”الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.”، فهل من التقوى جلوس أحد منتخبي تواصل في مجلس الشيوخ المنحل، بين امرأتين في قاعة فسيحة، ثم توجيه سؤال إلى وزير الدولة للتعليم..”لماذا لا تفرقون بين الجنسين في المدارس؟” وحين لاحظ الوزير الفرق الشاسع بين قول الشيخ وفعله استشاط الشيخ غضبا، وانتصر له منتخبو الإخوان!!! وللشيخ في هذا سلف من الإخوان؛ فقد طالب الهضيبي عبد الناصر، رحمهما الله، بفرض الحجاب في الجامعات المصرية. فسأله عبد الناصر هل ابنتك محجبة؟ قال:لا! قال: هل تستطيع فرض الحجاب عليها؟ رد الهضيبي: لا! فقال عبد الناصر: كيف تطلب مني أن أفرض في الجامعات ما تعجز أن تفرضه في بيتك!!! ثم جاء مرسي ولم يطالبه أحد بفرض الحجاب في الجامعات!!! ذاك هو التدين السياسي، أي ادعاء التمسك بالدين لتحقيق مكاسب سياسية. أما غنى التنظيم، ورغد عيش قادته، ومشايخه، فيتعارض مع “الرضى بالقليل”، وهو معروف عند العامة والخاصة…
– يتبنى تواصل، حسب رؤيته ما يسميه قاعدة ذهبية: (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.)، أول من أطلق هذا الشعار هو الشيخ رشيد رضى رحمه الله وقصد به إدارة الخلاف في الفروع بين المذاهب الإسلامية. ثم تبناه حسن البنا رحمه الله، ولعله قصد إلى نفس المعنى. لكن الحركة اتخذته شعارا في مجال السياسة لتسوغ به تحالفاتها مع الحزب الشيوعي في مصر، وهو ما يعني تعاونهم مع الشيوعيين في ما يتفقون عليه من عمل سياسي ويعذرهم الشيوعيون فيما يختلفون معهم فيه من إيمان بالله، ويعذر(يلتمسون العذر) الإخوان الشيوعيين في إنكارهم وجود الله!!! وحين يطبق تواصل هذه “القاعدة الذهبية” فإنهم يتعاونون مع فلام وإيرا فيما يتفقون عليه من عداوة النظام ويعذر أهل تواصل فلام في دعوتهم الانفصالية، ويعذرون إيرا في إحراقها كتب الفقه، وخطابها العنصري!!! فهل العمل بهذه “القاعدة الذهبية” من التقوى في شيء!!!
– تقول الرؤية.. “والشورى في فهمنا فريضة ملزمة ابتداء وانتهاء.” من أنتم!!! نعم من أنتم حين يتعلق الأمر بالاصطلاحات الفقهية! وهل يعتد بفهمكم حتى تروه حجة! ليس في تواصل، صاحب الرؤية، مجتهد واحد ولا نصيفه. وهذا ما نخشاه على شباب المسلمين؛ اتباع أهواء السياسيين باعتبارها “فريضة ملزمة…” فقد غشوا أتباعهم بتقديم فهمهم أساسا لقولهم في أمر الشورى. والصواب هو حكاية الخلاف الفقهي حول إلزامية الشورى؛ فقد رأى بعض الفقهاء، منهم الشافعي وغيره، أن الأمر بالشورى على سبيل الندب، وأنها غير ملزمة، ورأى آخرون، منهم الرازي أنها ملزمة، ولكل حججه التي تطلب في مظانها، وخيار حزب تواصل هو القول إن الشورى ملزمة، لا عن طريق الاستناد إلى فهمهم الذي لا يسند ريشة، وإنما ترجيحا لقول فقهي على آخر، وينبغي تبيان مرتكزات الترجيح. وفعل قيادة تواصل يناقض قولها بإلزامية الشورى؛ فقد صوت أصحاب شورى تواصل مرتين لصالح اصطفاف الحزب خلف السيد أحمد ولد داداه، إلا أن قيادة الحزب عزمت، ولا ندري على ماذا توكلت، وقادت حملة السيد صالح ولد حننه، خلافا للشورى الملزمة!!!
– تقول الرؤية..” الإصلاح هدفنا”. تكذب فتنة الربيع هذه الدعوى. فقد كان تواصل متحالفا مع النظام الديمقراطي في بلادنا، ويحمل شعار “المعارضة الناصحة”، وتلك سبيل الإصلاح حقا، حتى إذا انطلقت شرارة الفتنة انغمس فيها تواصل داعيا إلى الثورة، ورحيل النظام حليفه، وحمل شعار “المعارضة الناطحة” التي لا تقبل حوارا، وإنما تفرض رحيل النظام عبر المظاهرات المليونية، والصدور العارية، وقوافل الشهداء… لم يكن هذا الانقلاب وليد إجراءات اتخذها النظام، أو تغيير في سياسته، أو تحالفه مع تواصل وشيخه، وإنما الرغبة في الوثوب على السلطة وركوب الموجة حتى إذا انكسرت انقلب تواصل على حلفائه في المعارضة… فهل هذه صفات المتقين!!!
– يتبنى تواصل، حسب رؤيته مبدأ “الكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع”. لا تقول الرؤية إنها أخذت هذا المبدأ من الأدبيات الناصرية، وأنه يعود في أصوله إلى الفكر الماركسي. قلة أمانة، تؤكد ما ذهبنا إليه من تأثر الإسلاميين فكرا وتنظيما بالماركسيين.
– تدعي الرؤية أن تواصل يتبنى “محاربة الفوارق التنموية بين الأقاليم المختلفة للدولة”، ورغم ذلك كان من أشد المناوئين للإصلاحات الدستورية الهادفة إلى “محاربة الفوارق التنموية بين الأقاليم المختلفة للدولة”!!!
– يقول تواصل، في رؤيته..” العدل سبــيلنا”، ويقول الشاعر: “ابدأ بنفسك فانهها عن غيها…” نشر أحد القادة السابقين في تواصل قائمة بالمراكز القيادية في الحزب ومنظماته المدنية تهيمن عليها جهة واحدة من الوطن..” ينتمي قادة الإخوان الفعليون إلى حيز جغرافي واحد، يحتكر جميع الوظائف الإستراتيجية والاعتبارية الحساسة داخل التنظيم سواء كانت سياسية أو نقابية أو اقتصادية أو خيرية أو روحية. ومنذ ثلاثة عقود ينتمي أمراء الحركة كلهم إلى هذا الحيز الجغرافي (منطقة القبلة). وقد يستغرب البعض حين يلاحظ الوظائف المحتكرة من طرف تيار (القبلة) داخل حركة الإخوان بحزبها وهيئاتها المختلفة. وذلك على النحو التالي:” يعدد الأستاذ الفاضل المراكز القيادية التي تحتلها تلك الجهة؛ رئيس الحزب، زعيم المعارضة، الأمناء العامون لثلاث نقابات، الأمناء العامون لأربع جمعيات، رؤساء إحدى عشرة جمعية، رؤساء ثمان مراكز تعليمية وجامعة، ومدير مركز طبي. أما الوظائف التنظيمية فيحتكرها بشكل كامل أهل منطقة (القبلة)،
1- أمير الحركة
2- أمين سر الحركة
3- رئيس لجنة الاكتتاب
4- مسؤول الهيكلة
5- رئيس لجنة المناسبات
6- رئيس لجنة استقبال الضيوف
7- المسؤول المالي
8- المسؤول الأمني
فأين العدل يا دعاة التقوى في إسناد كل هذه الوظائف القيادية إلى جهة واحدة ثم ترفعون عقيرتكم منددين بالجهوية والمحسوبية والزبونية، ويحتج رئيس الحزب حين كان في البرلمان على تعيين شخص واحد من قبيلة معينة في إدارة دولة كاملة، بينما يحتكر أهله جهاز حزبه!!!
يتبع، إن شاء الله

Go to W3Schools!