بتلميت اليوم…  وفاء لمشروع البناء: بقلم الدكتور / محمد ولد الرباني

سحي يا سماء و  أزهري يا أرض،و انعمي يا بلاد و افرحي يا عباد و وامتدي يا وهاد منبسطة، وتململي يا رمال بتلميت البيضاء الجميلة المترامية الأطراف، جمال يحسدنك عليه جميلات واد العقيق و جميلات وليوود، فمثلك يصدق عليه بحق ما قال فولتير: “جمال الشكل الخارجي انعكاس حقيقي لجمال المضمون”.

قف بالربوع أيها الزائر ومد البصر واملء عينيك بهذه الأرض الميمونة المباركة التي أشعت ثقافتها على العالم ورددت أصداءها المعرفية بلابل الكون المغردة، فمن ميمونة السعدى إلى عين السلامة إلى العكدة إلى بوطليحية إلى آوكي أو الدمام إلى الربيع إلى بير الرحمة ومن نجد البشام إلى بوسدره أو آجوير إلى المحمدية إلى انتوفكت أو ياره  الى كندلك ومن مسعود إلى بير الخير من انتيشط إلى الميسر ومن عرفات إلى تنيرك إلى ابير لبن ومن القبه إلى آرشان …، تلك مرابعنا ومراتعنا، تلك قرانا وحواضرنا اليوم، والتي عزت على صانعي التاريخ إذ كانت أبراجا ومنارات يؤمها القاصدون ويحتفي بها الباحثون والمهتمون بالعلم والمعرفة.

هناك حيث أسست أول مدرسة لأبناء الكبار 1912 تحت خيمة شيخ الإسلام وفقيه الأمة العلامة باب بن الشيخ سيديا، هناك حيث أسست أول كلية للعلوم والمعارف توافد عليها وتواجد بها رواد حملة مشاعل العلم من النعمة إلى لعيون الى ازويرات، ومن ازويرات إلى انواذيبو و من روصو إلى كيهيدي إلى سيليبابي ومن سيليبابي إلى تكانت ومن كيفة إلى أطار ومن ألاك إلى اكجوجت، لم يسلم حي ولم يتلكأ فريق ولم تتباطأ قبيلة في تحصيل العلم، جاءوا جميعا من كل حدب وصوب يضربون آباط الإبل ويتأبطون أذرع رباعيات اللاندروفير والصانتنا للاستفادة من معهد  عبد الله بن الشيخ سيديا الذي قال فيه العلامة الدنبجة بن معاوية:

ولا عيب في عبد الإله علمته
و فيه يقول:

تناجله قطب لقطب لثالث
هو الشيخ ذو الأنوار والسيد ابنه
وهم نزعوا أدليهم ونزعتها

سوى أنه في الحق بالله صادع
ثلاثة آباء له وهو رابع
وباب مصابيح الظلام المصاقع
وأعظم أدلي القوم ما أنت نازع

فهمت بتلميت باكرا أن الفرنسي حتمية تاريخية، فبعد أن حط رحله بالسودان وتمركز بالجزائر وزرع راياته بالمغرب وأرسله جنوده إلى السنغال، أصبحت موريتانيا بتعبير الكوماند  جيليي مسألة وقت فقط.

من هنا تميزت بتلميت باكرا عن غيرها بفهمها للدولة ولمفهوم الدولة وللتحول الذي يعيشه البلد فابتعدت عن مفهوم القبيلة وترديد السينفونيات القديمة والتقليد الأعمى.

فهموا الدرس الصعب آنذاك وهو أن المختار ولد داداه ابن لموريتانيا قبل أن يكون ابنا لبتلميت وفهموا اليوم أن ولد عبد العزيز ابن لبتلميت قبل أن يكون ابنا لموريتانيا.

فمن يهتم بالعلم والعلماء ويحمي سمعة البلد ويعزز دبلوماسياتها خارجيا و داخليا ويرعى مصالحها ويحارب الفساد ويطمح لبناء دولة عصرية قادرة على مسايرة الركب هو بحق بتيلمتي قبل البتلمتيين الذين – وإن احترقت في مبخراتهم كل أنواع البخور وتطيب بطيبهم قادة الأمة ومؤسسوها – فهم اليوم متمسكون “بكل معاني الكلمة الدلالية فصيحا ولهجيا” بولد عبد العزيز لأنهم رأوا فيه صاحب مشروع وحامل رسالة.

ولا يغيب عنا عزيزي القارئ، أن أي تغيير لا بد أن تصاحبه جلجلة وأصداء وأصوات مرتفعة وغمز وهمز ولمز ولكن أصحاب المبادئ ماضون في سبيل تحقيق الهدف غير آبهين بالأيادي المرتجفة التي قال عنها وعن أصحابها ميخالوف: “إن المترددين لا يصنعون الحرية بأياديهم المرتعشة”. فشكرا للذين أسهموا في إنجاح الحملة و أخص بالذكر استحقاقيا رجل الأعمال أحمد سالم ولد بونه مختار لما بذل في سبيل الولاية و المقاطعة.

و ها نحن ننكر ما أنكره نعيمة قديما على الجامدين المجانفين و ليدركوا أن السياسة الهام و عطاء مسخر لرفاهية الشعوب و أنها  الهام يولد مع البصمات و هي ‘ليست ضربا من الحلج و الجمز و المشي على الأسلاك و الانتصاب على الرأس و رفع الأثقال بالأسنان و لف الرجلين حول العنق إلى ما هنالك من الحركات التي تجيدها القردة أيما إجادة’.

إنها تحمل في سبيل أمة ومصالحها و مشروعها الأممي و التزام لهذا التحمل و ليست صيحات بهلوانية لأبطال سرك يقفون على سيقان من خزف.

ونحن أوفياء لمشروع التغييرات و لمشروع النهضة حتى يكتمل وسنظل خير خلف لخير سلف معتدين في ذلك على ما عابه الجامدون  قديما على باب آنذاك والذي لم يزده إلا مضيا قدما.

 

الدكتور/ محمد الرباني

                                        أستاذ بجامعة انواكشوط

 

Go to W3Schools!