أهل الخيام (3-3)/ حماه الله ولد السالم

حماه الله ولد السالم
حماه الله ولد السالم

في علم الإحصاء ما يسمى “العينة التمثيلية” التي تقدم عناصر محدودة عن حقل واسع، هذا بالضبط هو ما قصدته من الحديث عن “أهل الخيام”، الذين هم من حيث المجموع شعب كباقي الشعوب، له ميزات وفيه عيوب، لكن الأقلية الفاسدة التي تحكمه والنخب الكاذبة الخاطئة التي تتقدمه والجماعات النشطة التي تعبث بحياته العامة، كلها بالغة التمثيل للعيوب والسيئات التي تعني المجتمع برمته.

هذا ما قصدته ونبهت عليه وشددت على بعض أدوائه وسيئاته ومظاهره. وليس إدانة لعمرو أو زيد. لقد طمرت ممارساتنا المُحْدثة صورا مضيئة مشرفة في حياة أسلافنا المتقدمين، تهز المشاعر وتدعو للفخر من المواقف النبيلة والكريمة لفرسان العرب إلى الأعمال الجليلة للعلماء والأولياء والصلحاء إلى التمسك بالقيم النبيلة من قرى الضيف وحفظ الجار لدى رؤساء القرى ومن كل الفئات والجماعات، ترفعا عن مسترذل الصنائع وتشوفا إلى العلياء من قبيل ما ذكره العالم المجاهد الشيخ ماء العينين عن حادثة جرت في محْصر أمير بركني من أولاد نغماش كان اشترى قلادة نفيسة بمائة من الإبل وأهداها زوجه الكريمة ثم فقدتها خطأ فلقطتها عجوز مسكينة تعيش في كنف مضارب الأمير، فأخذتها ولفتها في متاعها، كان الأمير الفارس ينظر فلم يتكلم وتقدم المحْصر في ظعنه، ثم سمع جلبة فخاف أن يتم تفتيش العجوز فعاد مسرعا وطفق يذب النساء وهن يفتشن متاع كل الحاضرات وقال كلمته الخالدة “ما قدّم امرؤ صدقة في السرّ إلا كشفتن غطاءها” فظن الجمْع أنه قدم القلادة هدية للعجوز وكانت مسكينة ألجأها الحال مع صغار بناتها إلى مخيم الأمير البركني. تعليق الشيخ ماء العينين على الحادثة أنها لم ُتؤْثر في التراث العربي إلا عن صاحبنا أو عن عربي “جاهلي” متقدم. مثال من مئات الأمثلة عن صور الشهامة ومثلها تردد في القرن العشرين مع العلامة محمد محمود بن التلاميد التركزي وهو يرفض أن ينال طِلْبته ويترك قومه الشناقطة بلا حق في أوقاف المدينة، فعلَ ذلك وأهل الخيام في مضاربهم قبل الدولة والقانون والوطنية المزعومة، …ولو تكرر الموقف لتبرأ “حد من أهل الخيام” اليوم من نفسه وأهله وخرج من جلده  أنانية وذلة. ما هو السبب الخفي وراء هذا الانحدار المريع؟ في التلفزة الرسمية، قبل سنة أو أكثر، قال شيخ كبار، في واحد من آدْواب في آفطوط: يشرح الحياة الصعبة لسكان المنطقة في أوقات القحط، إننا لا نُبقي أحيانا إلا القليل من الزرع لنقدمه إلى الضيوف حتى ولو جاع أبناؤنا، لأننا لا نستطيع تحمّل تلك المعرّة. ما أزال أكثر ذلك المشهد الذي كاد ينقلني إلى أيام خلت من الحاتمية والنبل الصحراوي المنقرض. فعرفت أن في شعبنا خصالا مشرفة لكنها تتوارى خلف ضباب الفساد والضياع. والأمثلة في شهيرة في هذا الباب وأكثر من أن نقف عندها. أما شهادة الزور والتحايل على المال العام والخاص و التحلل من قيود الأهل ومصالحهم، فلم تك شيئا مذكورا في القديم لكنها صارت القاعدة وغيرها الاستثناء. لا أحد يحترم القانون إلا الطبقة المتوسطة رحمها الله الطبقة العليا من الأغنياء و”المحظوظين” تجاهر بتجاوز القانون ظنا منها أن ذلك هو الدليل على القوة والسلطان، أما الطبقة “الدنيا” فتحتل المجال العام وتتعلل بأنها خارج القانون لأنها “مستضعفة””، فعلى من يطبق القانون إذا؟ لعلها الطبقة الوسطى التي صارت في خبر كان، ولذلك تلاشت قيم المجتمع ورؤيته وأحلامه التي يحملها من يعيشون بين الفقر والغنى وسطا وقناعة. الأطباء والممرضون “المجاهدون” الأطباء والممرضون، في المستشفيات والمصحات والنقاط الصحية العمومية، هم في وضع جهادي حقيقي، لأنهم يسهرون على صحة المواطنين ويعملون في ظروف صعبة وبمعدات متهالكة أو ناقصة، إنهم جنود مجهولون يحملون أمانة ثقيلة، ولا يتحملون وزر الأقلية التي تجمع المال والضياع من صحة الناس، لكن على كل المهنيين المحترمين التبرؤ من الفاسدين. من “أطباء المربط” القابعين في بعض العيادات الخاصة المعروفة. المحامون الفاسدون يشوهون سمعة زملائهم الشرفاء مشهد يدمي القلب، عجوز من المستضعفين “تحلّ صرة” في لحافها تبحث عن تكملة مبلغ زهيد لتدفعه إلى محام جشع لإطلاق سراح فلذة كبدها قد يكون معيلها الوحيد. يحدث ذلك في بلد يدعي أهله الدين ويتلفعون بشعاره، أي درجة من فقدان الآدمية وصلها مثل هذا المحامي؟وأي بشر له كرامة يسمح لنفسه بأخذ هذا المال؟ المحامون الشرفاء سينالهم ضرر عظيم من هذا وأمثاله. أما عن تحايل بعض المحامين على الديات ولمن لا يجد ناصرا، فأمر تخر منه الجبال هدا، يحدث هذا كل شروق شمس في هذا البلد. قاض معروف يقول لمحام مشهور: لا يمكنني الحكم لصالحك رغم أن موكلك على حق، لأنني لن أرضى بالحكم ضد عشيرتي. هل مثل هذا القاضي يملك ضميرا أو خلقا أو دينا؟ أمثاله معروفون في القضاء الواقف والجالس و”المنبطح”، تنتظرهم نار جهنم مع أكلة الربا والمال العام وشهود الزور من أرباب القلم والفصاحة .. إلى آخر القائمة مع المجرمين العتاة الظالمين لأنفسهم وللناس. الحركة النسائية في موريتانيا هي للبحث عن الوظائف “السامية” لا أكثر ولا أقل في منتدى بمناسبة ما يسمى 5 مارس التأم أيام الفترة الانتقالية في عهد اعلي بن محمد فال يرحمه الله، شاركت مع بعض الزملاء وكانت مداخلتي أمام أخواتي الحاضرات مجرد عتاب لهن بخصوص عدم الاهتمام برفض الانهيار الأخلاقي وظاهرة انتهاك الأعراض وأشياء من هذا القبيل، و “يجعلِكْ امْباركه” كما يقال، لقد دعستني رماح القول الجارح و المنحط ولاسيما بعد أن قلت: إنكن “تتمقْطرْن” في مسيرات 5 مارس و20 ابريل و 120 ديسمبر (العدد مقصود) وغيرها من الأرقام الوثنية ثم لا تنكرن منكرا ينال فلذات أكبادكن ولا تتظاهرن في سبيل دفع المضرة عن أعراضكن، …. ولا حتى تدافعن عن حقوق بنات وبنين يتركهن فاجر عتو نال مالا وفيرا وجاها عريضا فانقلب على زوجه المصون وكانت صحبته ردحا من الزمن تحمل الكلّ وتؤوي الضيف وتبيت على الطوى وتستر ما ظهر من موبقاته، ثم لا يفتأ يذكرها بالسوء ولا يرزق ذريته منها نقيرا، وقد يكون وزيرا باطشا أو تاجرا فاحش الثراء. ظواهر مقززة مشهودة في سلوك الأزواج الفاسدين اللئام الذين لا يرعون عهدا ولا يحفظون أمانة، ثم لا يجدون من ينكر عليهم أو يدافع عن حقوق الأبناء، بل ينشغل النسوة “البارزات” في محافل السياسة بأشياء أخرى أبعد ما تكون عن الحقوق الأسرية والكرامة النسائية. خرجتُ عن منتدى نساء أهل الخيام يومها وبدون رجعة وأنا على يقين أنهن يقينا شقائق الرجال في بلدهن، حذو النعل بالنعل، لا يردن إلا المناصب ليمارسن النفوذ ويتميزن على  زميلاتهن، لا أكثر ولا أقل. وذلك هو الدافع الحقيقي وراء سلوك أهل الخيام من ساسة وتجار وفقهاء …. التنافس في الحق والباطل وجمع المال من غير حلّه وصرفه في غير محلّه تطاولا على بني العمومة والنظراء، لا أكثر ولا أقل. فتش عن المال والترف تقول الحكمة القديمة: “المال السهل يعلّم الناس الحرام”، وهو حال أغلب أهل الخيام الذين باتوا يحرصون على الجمع والمنع، ويبتغون المال من كل سبيل غير متعب ، سواء نيل باليد السفلى (الصدقة) أو باليد السريعة (السرقة)، ولذلك تزداد جموع طلاب الصدقة، من كل الأعمار والألوان والفئات، وتكثر أعداد أصحاب الثراء السريع غير المبرر لا شرعا ولا قانونا حت بين العسكريين. عسْكر وحرامية! عنوان كوميديا ساخرة للكاتب المصري ألفريد فرج، علق عليها الكاتب رضا حمودة بأنه قد “تحالف الطرفان عبر تعاون دنيء، فالعسكر بما يمثلون من سلطة ونفوذ وأجهزة ومعلومات واللصوص أو الحرامية الذين كونوا ثرواتهم عن طريق مص دماء الشعب وسرقة مقدراته وموارده وأحلامه في تحقيق العدالة الاجتماعية، فاستثمروا الأموال الحرام في الحشد المنظم والتعبئة الإعلامية المضادة والقذرة بإثارة الفتن والفوضى والقلاقل في المجتمع”. هو ذاته حالهم في موريتانيا اليوم.  حيث نشأت خلال سنوات قليلة طبقة غنية من العسكر، وللمتابع أن يسأل كيف أمكنهم جمع مليارات الأوقية في بضع سنين، وهل مثل هؤلاء يمكن أن يدفع عدوا أو يحمي ذمارا؟ وجل أوقات هؤلاء بين الأنعام في السهول المعشبة وليس في ساح العمليات والتدريب. النتائج كارثية على الدولة والشعب إذ تم إفقارهما ماليا وأخلاقيا وثقافيا، تماما كما كان حال تركيا أيام عسكر كنعان إيفرين وشلته، حيث كان الأتراك وقتها بين بائع حشيش و صاحب جريمة قتل أو عامل يتكفف الناس، ثم انقلبت حالهم بمعجزة بطولية في النهوض والبناء حققها أردوغان ورجاله في أقل من ثماني سنوات، تحولت خلالها البلاد إلى جنة ودار صناعة وعلم، لأن أمثال هؤلاء الرجال يحملون مشروعا ويملكون إرادة وغيرة على وطنهم، وأيضا شجاعة ليست محل شك أمام العدو والخصم. أما  عسكر أهل الخيام فقد صار بعضهم تجارا أو وكلاء لتجار السموم. تجار السموم لا يؤمنون بالبعث والنشور تاجر حسن السمت كث اللحية ومن قبيلة زوايا معروفة، يبيع الدواء المجلوب من بلد آسيوي، الجرعة الدوائية فيه ضعيفة أو معدومة، والأدهى والأمر أن منها دواء مخصوصا لمرضى القلب أو الضغط، لا أتذكر،  وآثار هذه الأدوية على المرضى مميتة ومؤلمة، إذ سيكون مفعولها معدوما فتؤدي إلى موت مُجْهز أو تفعل فعل الدواء الوهمي (البلاسيبو) المعروف في علم الصيدلة. أي وحش آدمي هذا، وهو مع ذلك الفعل الدنيء والقذر والمنحط، في مقدّم صفوف صلاة الفجر في الجامع السعودي، الرجل معروف اسما ونسبا لدى صاحب صيدليات على شارع فيصل. هذا الوحش نتاج مجتمع مريض أم تدين مغشوش أم تربية منحرفة؟ أم نتاج لكل ذلك. الحمد لله على كل حال ثم على أن أمثال هؤلاء مازالوا  يتحاشون بيع الملابس المسمومة على طريقة بُرْدة القيصر المهداة إلى امرئ القيس بعد أن رفض المذلة للحكم الأجنبي، فمات وحيدا قرب “أنقرة” وليس بسبب آخر كما صورته الأدبيات الشعوبية. جموع التجار الشرفاء عليهم أن يقفوا بكل صدق أمام شعبهم وضمائرهم ليقولوا للمشتري: هذا رديء وهذا جيد، أما السلعة التي تقتل فلا مكان لها بيننا هذا هو الحد الأدنى. في الولايات المتحدة ما يسمى هيئة الغذاء والدواء وهي وحدها من تعطي الحق في الترخيص للأدوية والأغذية، يجب أن ينشأ ما يقابلها في بلدنا معززا بدعم مالي وقانوني بدلا من عشرات العناوين المعطلة أو الفارغة، لمنع كوارث صحية وبيئية لا قرار لها. هذا السلوك القذر لا يمكن أن يولد في مجتمع مؤمن بالبعث والنشور، لأن الإيمان قيد الفتك، والدين الصحيح يمنع صاحبه من فعل الموبقات لاسيما في حق الآخرين. الدين التزام أو لا يكون أجرى علماء التاريخ والاجتماع في الإتحاد السوفيتي المنهار تجربة بقيت نتائجها طي الكتمان قبل الإفراج عنها من قريب، وفيها توصل العلماء إلى أن واحدة من القبائل “البدائية” المنعزلة كليا عن “المدنية”، لا تستطيع أن تتصور التوحيد، أي أنها تعجز عن فهم وجود إله واحد متسام على الخلق، وكان ذلك مجالا مغريا “للعلوم الاشتراكية”، وقد وجدوا أن السبب هو الثقافة الدينية الشفوية. نتائج تلك الدراسة وتوابعها أثبتت أن التّديُّن الناتج عن الشفاهية يمنع رسوخ العقيدة ويشحن صاحبه بعاطفة جياشة تتلاشى أمام أي صدمة أو تتحول إلى عنف أعمى. أما الكتابية فترسخ العقيدة والخلقية الدينية عن عقل وتدبر وعمل، ولذلك كان الدين في العصر النبوي تعليما من الأنموذج الحي، الذي يعظ بفعله قبل قوله، وهو أشرف الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أخرجت مدرسته جيلا ربانيا سلوكا وتفكيرا وعملا. ولذلك لم يرتد عن دينه واحد من صفوة المهاجرين والأنصار مطلقا رغم الصدمات التي تزلزل اليقين. زائر من المغرب الشقيق، عضو في المجلس العلمي في إحدى جهات الدار البيضاء، قال لي بعد المجاملة: اسمح لي، لقد لاحظت أن الدين لديكم مجرد عادة وليس عبادة، قال ذلك بعد أن تفطن إلى مظاهر التعامل في السوق حيث كان يتردد على صديقه العطار. ليس ذلك دليلا على أن غيرنا من جوارنا أكثر تدينا، لكنهم نتاج حضارة عريقة، جعلتهم أقل “نفاقا” و “تذبذبا” في المواقف، ما يجعل زائر بلدهم يميز بسهولة بين المتدين وغير المتدين، والمتحايل والمستقيم، فيتبين ويعرف. بالطبع مبعث تلك المشكلة هو ضعف العنصر الحضاري لدى أهل الخيام، وبدون تحضر أي وعي بالمكان والزمان لا معنى للسلوك والتصرف، وهما وعاء الدين وقالبه. ولذلك يمكن أن يقال أن أهل الخيام غير متدينين، بسبب أدواء البداوة والعزلة،  وإصلاح أمرهم هذا رهن باستعمال العرف المحلي بالتبرؤ من المعلن بالفسق والمجاهر بالتحايل والسرقة. فتضمر هكذا ظواهر أو تنتهي. لكن شرط الكل سيبقى وقف “المحرقة الأخلاقية” الناتجة عن المال السهل، والبذخ المبتذل، والرياء المالي المهلك. إصلاح وضع غير مسبوق في السياسة والاجتماع يجب وقف المحرقة الأخلاقية وباعثها الأول شهوة المال ومن أي سبيل والتوسل إلى ذلك بالتزلف للحكم وحاشيته ومجاوزة الحد في القول والفعل من أجل كل ذلك. السياسة هي هم الجميع، لأن الدولة تحتكر المنافع، وهي بتصرف السلطة ومزاج الحاكم، فبات الجميع يتبارون في خلع جلباب الحياء ولباس التقوى. ساسة ينْبحون أو يصيحون في كل بلاد الله يختلف الناس حول حُكّامهم، تماما كما يختلفون في ضروب الحياة المتعددة، لكنهم يبْقون على “شيئ من الخلق والتقوى” يضمن لهم عدم الانقطاع عن إنسانيتهم وحتى آدميتهم وبينهما فرق في اللغة والاصطلاح. لا أحد ينكر على أي كان العمل مع النظام أو مع معارضيه، فهذا حق دستوري وحرية شخصية، لكن المنكر و السيئ يأتي مع تحول الموقف الموالي أو المعارض إلى مديح مجاني قد يزل بقدم صاحبه فينطق كفرا أو فحشا من شدة التزلف، أو يقع في مهوى الردى من فرط الكره والبغض لخصومه الحاكمين. إنهما سواء. إنهم في الحقيقة باتوا يمارسون خطبا غريبة أشبه بالنّباح أو الصياح، والله نسأل أن لا يتحول كل ذلك إلى عض ونهش! ولذلك يجب أن يضرب أولو الأحلام والنهى من أرباب السياسة طريقا يبسا بين ذينك المهيعين السيئين سبيلا إلى بعث آداب وأخلاق مجتمعنا من التكنتي (المروءة) إلى التمغفير (الشهامة) إلى الديمين (الخلق) ….وهي موارد للآداب والسمو والرفق. لكن الفقر المعرفي يبقى السبب الأول في تدهور الخطاب السياسي الوطني، ما يجعل الخطب تافهة وساقطة وفاقدة للمضمون ومجرد صياح ونباح. لكن في بلادنا اليوم جموع تساق كالأنعام، تسب وتلعن وتمدح وتهذي، وتعلن الولاء للحاكم وبطريقة مقززة ومحبطة، ما يُشعر بأن هنالك خطْبا عظيما في نفوس هؤلاء وكينونتهم الإنسانية. مشاهد تذوب في الزحام، وينساها الحاكم كما نسيها من قبله، لكن لها آثارا ضارة على الشعور الجماعي للسكان ولاسيما الفئات العمرية الأضعف سنا وخبرة، لتستقر في اللاشعور حيث القرار المكين للصور والمعاني، لتؤثر على النفوس والأبدان، وتنتج خلقا معوجا وسلوكا لئيما. أي سياسة هذه وأي ساسة هؤلاء و أي نظام ذاك وأي دولة تلك التي تقبل مثل هكذا أفعال وأقوال سيئة وقبيحة لا معنى لها ولا مرام، بل حلقات مفرغات من  الرداءة السياسية والفكرية والمؤسسية التي لا تبقي ولا تذر. أوهام الدولة العميقة تجاذبت أطراف الحديث في رحلة من تونس إلى مطار أهل الخيام الأول، وكان رفيقي شاب يعْبدُ الدولة العميقة، لم يوفر جهدا في الدفاع عن النظام والسلطة والحاكم والحالة العامة مدة أربع ساعات ونصف، ليكتشف أنني في واد وهو في وادي آخر لعله من وديان الغي والهوى. لقد طرحت عليه سؤالا وحيدا: ما الذي يجعل الحياة العمرانية والمعيشية في بلدنا تتردى من حالق بينما تحرز بلدان أخرى أقل موارد في محيطنا إقلاعا في النماء والعمران والعيش الكريم؟ لم يجب لحد الساعة. لقيت رفيق السفر بعد ذلك على قارعة شارع كندي فأعاد الكرة ثم طرحت عليه سؤالا آخر عن السر وراء إصرار حكومتيْ أهل الخيام الخفية والعلنية على منع المؤسسة الجامعية من احترام الكفاءة في مراتب المدرسين وتسيير المنظومة الأكاديمية؟ رد بجواب لأول مرة أسمع له مثيلا: إذا تركنا حبل الأمور على غاربها ليتقدم من لديهم كفاءة ورأي سيحتل جماعة حزب تواصل والإخوان… كل شيئ!  قلت: إنكم معشر أهل الحكومة في ضعف كضعف الضفادع جف عنها الماء، هل هناك نظام يمتلك وسائل دولة يخشى منافسة حزب إسلامي أو علماني، ولا يستطيع الحصول على منافسين جديين من أنصاره؟ إن هذا لشيء عجاب ودليل عجز مبين وفاضح. هذا جانب من أوهام الدولة العميقة التي تصارع لحفظ الكيان الوطني وهو حق لا مراء فيه، لكنها قد تتزيّد في تلك الخطة فتفسد كل شيء لأنها تصنع أعداء افتراضيين وتعطيهم ما ليس لهم. إذا كان منطق استمرار الأمور وحفظ الكيان، يمر من هذا السبيل، فلنقل سلاما على كل شيئ، أو لنعتزل ما يجري من أساسه. هذا الوضع أشد خطرا وأعظم ضررا بالمجتمع من آثار الحروب والكوارث، لأن الإنسان هو قيم و أفكار كل شيء، للأسف هذه الحقيقة لا تعني للسلطة شيئا. التنمية المستحيلة والاستمرارية الممكنة من ينتظر أن تكون موريتانيا دولة متقدّمة، فهو يجهل حقيقة الوضع العالمي، وموقع البلاد العربية من خارطة القوة والرقابة على التقنية، وهو أيضا لا يعلم شيئا عن مقومات البلاد المادية والبشرية المحدودة ووضعها الجيوسياسي، ما يجعل المطلوب من بلدنا هو فقط حفظ الموارد وتسييرها تسييرا حسنا و القضاء على الجوع والأمراض الفتاكة، لا أكثر ولا أقل. أما التربية والتعليم فهما لتحقيق تينك الغايتين وليس الوصول إلى “تقدم” وهمي لا تستطيع دول أخرى بكتلتها البشرية ومواردها العريضة وتراكمها التاريخي تحقيق عشره. يجب أن يختم على مثل هذا النقاش. كلفة الإنماء مضاعفة وخيالية من يسافر من غرب البلاد إلى شرقها يكتشف فداحة الوضع الحياتي المريع الذي يعيشه الموريتانيون، تحت الشجر وفي بيوت الطين أو في المساكن العشوائية المغبرة والموحشة والمتناثرة عشوائيا على الرمال كبعر الآرام. لن ترى مشهدا يفرح القلب أو يسر العين أو يملأ على النفس أقطارها. من العبث السعي إلى إنماء شعب يعيش حالة من الفوضى لا أول لها ولا آخر، شاخصة في خارطة سكانية من آلاف القرى وكأنهم بعدد سكان الصين الغربية. الكلفة المادية لمعالجة ذلك الوضع، ستكون خيالية وهي في نهاية المطاف نوع من العبث. هذه الفوضى السكانية الكارثية يكرسها دعم رسمي خفي لأسباب انتخابية وتحكمية، ويستحيل تنمية الداخل ما دام الأمر على هذا النحو، بينما يمكن جمع كل سكان البلاد في أقل من 12 مدينة أو على الأكثر في 215 مركز إداري وإلغاء كل التجمعات الأخرى وبجرة قلم وحرمانها من المنشآت الصحية والمائية والمدرسية وفرض هيبة الدولة والصالح العام، وتشجيع نهضة عمرانية حقيقية تنقذ البلد من الوضع المريع للعمران البائس الذي يصيب النفس بالكآبة والمرارة. هذا الوضع الكارثي يمكن تغييره بقرار وطني جدي واع ومحكم، أو ترك السكان لمصيرهم في مواجهة التحولات المناخية والمعيشية القادمة. بناء دولة مرنة تتحمل صدمات المستقبل رتابة بعض الإجراءات المؤسسية والسياسية في موريتانيا، رغم تبدّل الأنظمة، هو بالطبع جزء من سلوك الدولة العميقة في كل بلد من العالم، وهو حق الدولة الحديثة و يمكّن باستمرارية الكيان الوطني وحمايته في الآن نفسه، لكن يجب التخفيف من غلواء “الحل الأمني”  و “الرؤية الأمنية” لكل الأمور من السياسة إلى الثقافة ومن الاقتصاد إلى التعليم.. وإلا تعطلت مناحي الحياة وصار كل شيء محل شك وريبة. كل المعضلات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تواجه الدولة السطحية والعميقة، ستنتهي تلقائيا في بضع سنين، بنهاية الظروف التي أنتجتها، وهي بواقي سيئات التحديث الاستعماري، وآفات الدولة الوطنية وفشلها الذريع. والسبب بكل بساطة هو التحولات العميقة المفاجئة والبنيوية بل والكارثية التي ستعصف بالعالم برمته، وقد تؤدي إلى انهيار الدول وسقوط الحكومات وبداية الفوضى والصراعات التي بدأت مع “الربيع العربي” وهو بالمناسبة ليس فوضى خلاقة ولا وهمية، بل أمرا إلهيا لا تفسير له، ستعصف آثاره العميقة بالحكم الجبري عصفا في بضع سنين ثم يؤتي الله ملكه من يشاء؟ ولذلك من الأولى التفكير في حلول غير تقليدية، من قبيل التركيز على ما ينفع الناس في معاشهم ويحفظ اجتماعهم ويوافق فطرتهم، بدلا من التركيز على استخراج ما في باطن الأرض وآثاره الضارة بالإنسان والبيئة. التخلص من عبئ الموارد المشكوك فيها نحيل القارئ على ما صرح به عالم المناخ السويسري (ريتو توني)، هذا للذين لا يصدقون إلا شهادة غربية، في مقابلة مثيرة مع مجلة منبر جنيف (Tribune de Genève) (من أنه على البشر أن  يستعدوا للكارثة المناخية التي يخفيها عنهم ساستهم، وأن عليهم أن يكرسوا بقية وقتهم لعائلاتهم، لأنه في الحقيقة لم يتبق للتغير الكارثي إلا ثلاث سنوات)؟ وأضاف إن النخبة العالمية تحضر لذلك ببناء الملاجئ الحصينة. يجب أن ينتهز أهل الخيام الفرصة قبل فوات الأوان وأن يبيعوا ما فوق الأرض وما تحتها من المعادن الثمينة والخسيسة لمن يريدها من ذوي العيون الضيقة أو الزرقاء، وصرف ريع تلك العملية في بناء السدود ومخازن الحبوب وتخزين الذهب (نقود المستقبل، بعد انهيار الأوراق المالية التي هي أكبر خدعة مرعبة لسرقة العالم). الغريب أن رجال الدول أخرى يعلمون ما سيحصل من كوارث، وهم يخفونها عن شعوبهم، لكنهم يعرفون ما سيحصل، لأنهم يقرؤون، بينما لا يعلم أهل الخيام “اللي فوق”، إنهم ساهون و لاهون يفكرون في الدور والضياع أو في انتزاعها رهبا أو رغبا، ملاطفة أو عنوة، من بعضهم البعض، دون أن يدركوا أنهم في المركب نفسه ومصيرهم المحتوم قادم لا محالة كغيرهم. الدولة الإيرانية حصلت على تقرير الخبراء السري الذي يؤكد غرق شواطئ العالم في أفق 2020 بمد بحري هائل نتيجة تسونامي مرعب. مصادر التهديد كثيرة وعلى مرمى حجر من بلادنا مثل بركان جزيرة لابالما في جزر كناري أو خسف بشرق أمريكا ينتج تسونامي مروع يجرف شواطىء إفريقيا، وفي كل الأحوال فالخبراء يؤكدون، وبصور مختلفة، أن هناك شيئا سيحدث في المحيط الأطلسي، ستكون له عواقب كارثية على شواطئنا في سنوات قليلة ربما 2019 أو 2021 على أبعد تقدير. وهناك مصادر أخرى تؤكد حدوث ذلك، وبأدلة لا يمكن الطعن فيها، لكن لا يمكن نشرها حاليا. إنقاذ ما تبقى من أخلاق وقيم قبل سنتين وصل إلى بلدنا شيخ سعودي من أهل العلم والجاه، جال في جهات العاصمة، ثم أجهش بالبكاء وبحرقة استغربها مرافقوه وكرر أمام مضيفيه: “لا بارك الله لنا أهل الخليج” (قالها بصورة أسوء لكن نحتفظ بالصيغة الأصلية)، كيف يعيش الموريتانيون في هذا الهوان والضعة وسوء الحال…ولدينا من المال ما يفيض عن الحاجة. وبعد أن ملك دموعه وجّه حديثا عاما ومن التلفزيون الرسمي: يا أيها الموريتانيون لقد جاوزكم غيركم بالمال والعمران، وانقضى الزمان الذي يمهد لكم إدراك ما فاتكم، فاقنعوا بما لديكم من علم ودرس، وكونوا مركز إشعاع بمحاظركم، فتدركوا ما مضى من حظ الدنيا ويعرف لكم الآخرون ما سلف من الفضل. إصلاح الخلقية العامة مدخل جليل إلى إنقاذ البلاد والعباد، ومن يرى الاجتماعات الحزبية تجمع “المناضلات” و “المناضلين” جنبا إلى جنب، المنكب بالمنكب، نساء متبرجات عبارة عن كتل من الشحوم  قد تزن طنا أو أزيد، محشورة بين الرجال، من دون فصل مكاني أو رمزي، سيعرف فداحة الخطب الخلقي الذي آلت إليه موارد الحياء بين نساء أهل الخيام، اللائي  يبحلقن في الرائح والغادي ويلتحمن بالقريب والبعيد، والبري والجني، تحت سمع وبصر الكاميرات و العيون الشاخصة.  لن ينلن من فائدة مستقبلية إلا العيش على ما تختزنه أجسامهن من شحوم مهدرجة، قد تكون زاد لهن في أيام المحن، حيث لا حزب ولا مؤتمرات. أي مجتمع مسلم هذا وهو يسمح بمثل هذا الاختلاط، في منتدياته السياسية والحزبية ومهرجاناته التصفيقية، ولا يعير وزنا للحياء والفضيلة و الخلق، معان تتوارى في كل مجمع وناد. صور مقززة جعلت جموع الشداة والقاصرين واليافعين، لا يلقون بالا لمن اشتعل رأسها أو رأسه شيبا، لأنه في الحقيقة لم يحترم نفسه وسنه. وبما أن العملة الرديئة تطرد الثمينة فقد توارى جمع عريض من النساء الفاضلات، وهن الغالبية، فرارا من الابتذال والتردي، وتركن الجموع لغيرهن ممن يسلكن ذلك السبيل. أما انهيار هيبة الخاصة في عيون العامة فلا تسأل، لأن الحابل اختلط بالنابل، في السياسة والتعليم، فلم يعد للسن حرمتها ولا للكفاءة قيمتها، وصار الكل سواء، فلم يعد لشيء حرمة وهيبة. كبار القوم من أهل البصائر والنهى يجب أن يكون حديثهم في السياسة أمرا الخاصة، ويجب أن تنتهي الكرنفالات الجماهيرية التي يختلط فيها حابل الخاصة بنابل العامة، وكبار القوم بصغار أبنائهم ونسائهم، ليبقى للمجتمع شيء من الخلق والهيبة. توبة عامة 99% من أرباب المال السياسي والإداري وبعض المال التجاري لا يستطيعون تبرير ثرواتهم إلا قليلا، وبالتالي لم يتبق أمامهم غير التوبة العامة ورد الحقوق إلى أصحابها ، والسبل إلى ذلك ميسورة ومن باب مستور. أهل الخيام رغم أنهم مسلمون، لكنهم ما زالوا بعيدين عن جوهر الدين وهو القيم الجامعة والمانعة، وهو حال أكثر شعوب دار الإسلام الأخرى، لكن صحوة مباركة تنتشر اليوم بين فئات شعبنا، من مدارسة القرآن الكريم والحرص على الجماعات و التعاضد في النوائب وسد خلّة المحتاجين، دليل خير عظيم، لكنه يحتاج منهجا وحكمة يترجمه سلوكا وعملا. العودة إلى الدين هنا، ليست فعلا حزبيا أو حركيا، بل بتحويل تلك الصحوة إلى قيم وسلوك، أي معاملة، ولتكن “التوبة العامة” مقدمة للتحلل من حقوق الناس العامة واستئناف العمل من طريق سوي. هي يقينا طرف من مقدمات صلاح الأمة ونهضتها في بلاد المركز، وبداية سقوط الحكم الجبري وبزوغ نجم مقدمات “خلافة على منهاج النبوة” بالعبارة النبوية البليغة. وهي توبة ستكون علامة توفيق لأهل الخيام مع تبدل حال المسلمين إلى حال أعلى، حيث سينتصر الإسلام انتصارا مهولا، وستعدو سابحات فرسان دين محمد في سهول أوروبا في بضع سنين، وسترتفع راية العقاب فوق أسطح البنايات الرسمية للغرب برمته، لكن ما قبل ذلك سنوات خداعات قليلة يمتحن فيها المخلصون، لن تجاوز ثلاثا أو خمسا، ثم يأتي النصر والتمكين للخلافة على منهاج النبوة، وبعدها الزلازل والمحن وسنوات “الضيقة” العظيمة التي لم يكن مثلها منذ بدء الخليقة ثم مقدمات الوعد الحق. علم ذلك من علمه وجهله من جهله. تعمير الدواخل والابتعاد عن الشواطئ تعمير الداخل قبل تعمير الشواطئ التي ستنتهي بكوارث مرعبة لا يمكنني تفصيلها الآن ستحدث في عهد رئيس معين بعد تنصيبه بشهور. لأنه ببساطة يلْعـﮔ أو هو نذير لقومه؟ لكن أهل الخيام يستطيعون مواجهة الظروف الصعبة التي ستنتج عن تلك الكوارث، لأنهم في الحقيقة لم يسبق لغالبيتهم أن عرفت غيرها، بل قد يكون ذلك من لطف الله بهم، إذ سينتقلون من مدنية ناقصة وفاسدة وفقيرة و سيرجعون إلى نقاء البداوة وفطرتهم الأولى. أي من سوء الحال إلى حال أسوء لكنه الأنقى. فضيلة الصبر وموارد الفطرة يملك أهل الخيام مقومات البقاء في عالم ستضربه الكوارث الطبيعية والاقتصادية والبشرية، لأنهم يحوزون صفة نادرة وهي الصبر ولديهم معين لا ينضب من هذه الفضيلة لكنهم للأسف جعلوها مطية يركبها الحكام والفاسدون، ولهم قدرة مدهشة على التأقلم مع كل ظرف وحالة وهي أعلى مراتب الذكاء لكنهم قصروه على التحايل والفساد. ولديهم مياه معدنية عالية الجودة تحت الأرض في البحيرات الصوّانية : بحيرة الترارزة الممتدة، والمتصلة مع بولنوار وبالنشاب وبحيرة الظهر وبحر آوكار في الحوض الذي لا قرار له ولا يسامته إلا بحر أروان العريض في أزواد الذي يعرفه الفرنسيون قبل غيرهم. هذه المياه أثمن من الذهب والماس لأن المستقبل القريب سيشهد حروبا وكوارث تسمم المياه السطحية وتجعلها غير قابلة للاستخدام. ويملكون أيضا ثروة معتبرة من الأنعام التي تأقلمت مع الطبيعة الصحراوية الساحلية منذ آلاف السنين ويجب بالمناسبة تركها وشأنها ومنع التهجين الكلي (الذي يجب أن يبقى محصورا في دائرة ضيقة) وهي أنعام تحمل في جيناتها صبرا ومناعة لا حدّ لها ولا ينقصها غير محميات ونقاط تجميع بدل الظعن العشوائي عبر الدروب الصحراوية المهلكة والمضنية والتي لا يمكن تحمل نفقاتها. يجب تهيئة مأوى لأهل الخيام الذين سيعودون مضطرين من المشرق هربا من الحروب والمحن في أقل من ثلاث سنوات، بفعل حرب ضروس ستهلك صريح العرب في الشرق، ونار تستعر في الحجاز تضيء أعناق الإبل في شمال العراق، نتيجة انفجار “الخزن الاستراتجي السعودي من النفط في جبال الحجاز”. وهو ما لا يعارض ما سبق من أحداث وقعت في العصر الإسلامي الأول، فتأمل! ثم إن الحجاز سيصبح ضاحيا من ظل السلطان في السنوات القليلة المقبلة، وسيكون الحج مستحيلا (والعاقل عليه أن يحج هذه السنة 1438/2017)، والقتل مباحا والخراب عاما والجوع منتشرا، ما يجعل المجاورين تحت رحمة النهب والسبل وغياب الأمن في المدينة التي ستكون تحت رحمة الطوائف الأخرى بينما تكون مكة مسرحا لفتنة الأحباش. والشرق الأوسط برمته سيكون موطن حرب إقليمية ضروس بين الأشقاء وأهل الجوار، ثم تتسع فتصير حربا عالمية بعد “دمار المسجد الأقصى” الذي يجري الاستعداد الصهيوني لنسفه من أساسه، لتشتعل الحرب ويطرد الفلسطينيون إلى الطور وشرق نهر الأردن ويعلو الصهاينة علوا كبيرا ثم ينالهم الخزي بموج بحري كالجبال منهمر من البحر المتوسط يغمر كيانهم  وزحف من “عباد لنا” يجوسون خلال الديار جهارا كما بدأ، ثم يأتي الصينيون في 200 مليون مقاتل  ليسيطروا على الشرق وأوروبا. صدقوا أو لا تصدقوا وحينها ستكون الكوارث والمحن والمجاعات التي لم يعرف مثلها منذ بدء الخليقة. وهو حدث سيضاعف من عبئ الدولة لكن القبيلة ستحل المشكلة تماما كما جرى عقب أزمة السنغال، وسيكون القادمون هدية لا تقدر بثمن قد تخفف من غلواء الديموغرافيا القلقة وقد تقلبها رأسا على عقب! العودة إلى القبيلة؟ ليست دعوة إلى التحلل من السلطان الجامع للدولة، بل تنبيها على استخدام النظام الاجتماعي الأنجع لتنظيم المجتمع في مواجهة وضع استثناء قادم لا محالة، قبل أن يصبح غير قابل للحل والعقد. المجتمع يصنع وسائله بشكل آلي لاسيما في أوقات المحن، ولذلك كانت القبيلة في الصحراء الكبرى رد فعل على الحصار الروماني للأمازيغ الموريين والصنهاجيين، فاختاروا المنتبذ القصي وراء خط الليموس (جدار روماني في الشمال الإفريقي) فانتظموا في هياكل عشائرية وتحالفات حفظت بيضتهم ومكنتهم من التحكم في مجالهم الصحراوي قرونا. التخلص التدريجي من النظم الحديثة في الرواتب والوظائف التخلص تدريجيا من نظام الرواتب والتقاعد، وتعويضه ببدائل عملية وعقلانية مرنة لمواجهة التحولات المقبلة حتى قبل التغيرات المناخية الكارثية، من قبيل الحروب والصراعات والفوضى والانهيارات الإقليمية وانقطاع التموين…. توزيع موارد الدولة ومؤسستها وبنيتها العميقة على الجهات في الداخل بالتوازن وبعيدا عن الساحل الأطلسي. يجب الكف عن تحويل المجتمع إلى بيروقراطية رسمية من الموظفين، لأنها ستنتج مستقبلا، شعبا أكثر كسلا وفسادا، والأولى التفكير في عمل وظيفي أكثر مرونة وعملية وفاعلية واتصالا بحياة الناس، يتحمل عنف الصدمة في حال عجز الدولة عن وظائفها الإدارية التقليدية. السيطرة على مصادر القوة مستقبلا السلاح الذي تمتلكه الدولة يجب التفكير وبعمق في مستقبله، لأن بقاء الكيانات الوطنية الحديثة، عربيا، محل شك بل شكوك، ولذلك فمصير ذلك السلاح في مجتمع قبلي، أمر مرعب وعواقبه كارثية، لأن المجتمع سيرجع إلى حاله الأول، وربما تعود الأمور سيرتها الأولى من الاقتتال والصراع بين القبائل على الكلإ والمرعى أو تنفيسا عن الأحقاد القديمة، وستكون الحروب اليوم أشد مضاء وأشد فتكا لأن السلاح صار حرفة الجميع ونظام الاجتماع الأهلي القديم طار شعاعا، وانتهت جماعة القبيلة، ولا يمكنني تصور مستقبل هذا المجتمع بدون سلطة جامعة ولو كانت فاسدة، وهو واقع قادم لا محالة، لأن الحكم الجبري في بلاد العرب منته في بضع سنين، فلينظر كل لنفسه. ولنتصور أن المدرّعات وناقلات الجند والمدفعية الثقيلة صارت سلاح القبائل البدوية، في ظل فراغ السلطة، فلنسأل الله اللطف بأهل الخيام، لأن “الطلبة” ومن في حكْمهم، ربما تدفعهم مرارات كونهم ظلوا عزلا من السلاح قرونا إلى اجتراح المعجزات في حمل الأسلحة الفتاكة من أجل شهوة القتل؟ الكوارث الطبيعية وفراغ السلطة، ستنتج وضعا مريعا يهلك بسببه الكثيرون وفي مقدمتهم جموع المواطنين المستضعفين الذين سينالهم الضرر الأكبر فتحصدهم المجاعات والأوبئة والحروب وربما يعودون إلى وضع أشد سوء من ذي قبل؟ لا مستقبل للمحروقات لا نفط ولا غاز، وعلى من يهمهم الأمر أن يحسبوا ألف حساب لذلك، وأن يتم فك الارتباط بين مراكز الضخ المائي الكبرى وبين الطاقة الأحفورية، ولهم في طاقة الرياح والشمس ما يسمح بذلك، ويمكن إنشاء محطة الطاقة الأعظم في إفريقيا في جنوب شرقي البلد حيث الحرارة تكاد تحصد كل شيء. أما الربط الكهربائي والنووي والفضائي فكمن يحرث في البحر ويكتب على الماء. بدون احتياطي استراتيجي يحمي الأسلحة الحساسة والأدوية الضرورية (بنيسيلن والتخدير) والأغذية القابلة للتخزين (هناك تقنية لتصبير اللحم المقدد بحيث لا ينفذ إليه الهواء ويبقى صالحا للاستخدام 20 سنة) وهي تقنية يمكن استخدامها في حفظ الأطعمة الأخرى، ستكون الدولة في مواجهة وضع كارثي لا يمكن وصفه بأية كلمات. هذا النوع من المخزون الاستراتجي موجود لدى كل دول العالم، ويجب أن يتم تحويل مفوضية “الأمن الغذائي” الوهمي، إلى وكالة الطوارئ والخزن الاستراتيجي الوطني لتكون تحت تصرف قيادات مأمونة من الجيش والاستخبارات والقيادات الرئيسة للدولة في مواجهة وضع لا يمكن لهم اليوم تصوره لأنهم يفكرون بطريقة تقليدية وفق الحسابات الغربية التقنية! هذا النوع من الاحتياطات تم تجهيزه في روسيا وأمريكا منذ نصف قرن، ثم تكرر بناءه في دول من العالم الثالث مثل كوبا والجزائر والسعودية وليبيا وحتى بلدان إفريقية متواضعة الإمكانات. والحال أن الذاكرة الرقمية الرسمية ستصبح عديمة الجدوى في السنوات القادمة، ولذلك يجب البحث عن حلول عملية في شكل توثيق ورقي لجميع أمور الغدارة والعاملين يكون قابلا للحفظ والتداول وبعيدا عن الشواطئ أقولها للمرة الألف. تقوية مناعة الأجيال الصاعدة بدون فصل أطفال أهل الخيام فصلا كليا عن المواد المعلبة والمصنعة والمركبة ستنتهي أجيال بأكملها أمام أمراض فتاكة ومناعة ضعيفة وتغيرات مناخية وغذائية لا ترحم ضعيفا وقد يمكن الذهاب بعيدا بمنعهم من التلفزيون والوسائط الرقمية من الحاسوب إلى الجوال وحتى الألعاب، لفصلهم عن التلوث البصري والرقمي وتشتت الذهن والاختراق الأجنبي المبرمج لتدمير الأمم من أساسها، وحتى بمنع التطعيم إلا في ظل رقابة صارمة، لأن هنالك خطة سرية عالمية لبث تطعيمات حمراء ستؤدي إلى قتل جماعي في وقت معلوم وهو موضوع عريض في بابه. لا مستقبل للمدارس الحديثة ولا الجامعات المستقبل لمراكز التدريب الطبي والمهني وتعلّم كل استعمال الأدوات في العمل الحياتي والزراعي على البدائل الغذائية والطبية والتعامل مع الطبيعة وحفظ الأغذية والأدوية والزراعة البيتية المحدودة وتخزين المواد والأطعمة هذا ما يجب أن نبدأ تدريب شعبنا عليه قبل أن تقع الكارثة التي لا يعلمها حاكم ولا محكوم إلا قليلا. والمضحك المبكي أن من يدفنون أموالهم، الحرام والحلال، في ذات المظان، في بلدان أخرى سيلاقون نفس المصير لأن الكارثة عالمية وستطال تلك البلدان القريبة والبعيدة على حد سواء. فالخسوف والزلازل والطوفان البحري ستضرب الجزيرة العربية وما حولها، وستطال بلاد الشام وقلب روما وما بين إسبانيا وفرنسا وفي قلب الأطلسي، والنتائج كارثية ومرعبة، بل إن جنوب شرقي آسيا برمته وجنوب وغرب الصين سيكون تحت أمواج المحيط الهادي. الخسف الشرقي بدأ منذ عقود بزلازل متمركزة تحت سومطرة حيث سيكون الخسف في بداية انهيارا لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. الفرار من المدن لا يعني ترك المساكن والعمل بل يعني التقليل من الاعتماد على الوسائل الحديثة وتهيئة المساكن والمزارع في المواطن البعيدة عن البحار والخلجان والتركيز على الأنعام والمياه والأغذية البسيطة. ستصاب التقنيات الحديثة بعطل كلي أو مميت، ما يجعل الاعتماد على الكتب أنجع وسيلة لاستمرار المعرفة التي ستكون الحاجة إليها أشد من ذي قبل. ما سيحدث ليس (الآخرة) بل هو جزء من (الدنيا) إنه تحول عميق في العالم الذي نعرفه، وكأنه نشأة مستأنفة وعالم يتجدد مقدمة لأمور لا يعلمها غير خالقها. أما الذين يتسابقون إلى بناء المنازل الفاخرة أو البسيطة في العاصمة وما يسامتها من المدن والقرى، ويتنافسون في شراء الدور والضياع، و يركمون المال صحاحا، سيندمون ولات حين ساعة مندم لأنهم سيفلسون في طرفة عين أو يكونون بين الماء والطين أجسادا محنطة! والله وارث الأرض ومن عليها كتبه نصيحة لأهله قبل فوات الأوان عبد ربه الغني حماه الله ولد السالم/ مدرّس من أهل الخيام في 24 شوال 1438 من هجرة خير البرية عند بئر الخشبة (انواكشوط) المحروس من البحر بإذن الله!

Go to W3Schools!