” موسم الوطن ” بقلم :حنان محمد سيدي

فصل الخريف في بلاد المنكب البرزخي ليس مجرد فصل تتغير فيه أحوال الطقس وتغيث السحب الصاخبة اليابسة الملهوفة والصحراء القاحلة.

في هذه البلاد يعد هذا الفصل مهرجان فرح عارم باعتدال ومطر وإنتجاع للمرعى بعد قحط وصيف قائظ. انتبه الموريتانيون منذ القدم لأهمية الخريف فنظموا فيه القصائد وكتبو فيه القصص ونسجوا حوله الروايات وتغنت بجماله ومفاتنه مجالس الأنس والطرب، ما يعشقه سكان هذه البلاد في هذا الفصل تحديدا ليس فقط الرداء الأخضر الذي تكتسيه أرضهم الجرداء في معظم فصول السنة، إنما لأن الماشية التي كانت رأس المال الوحيد هنا تجد في الخريف ضالتها من العشب والحشائش فتستريح إلى الكلأ والماء وتريح ملاكها بلبن غزير ولحم وفير.

ويكفي للدلالة على أهمية الخريف ونزول الأمطار في هذه الربوع أن الرئيس الراحل المختار ولد داداه كان يحضر قمة إسلامية في المغرب في سبعينيات القرن الماضي وكانت البلاد تعاني من الجفاف، ما دفع دولا كالعراق والسعودية إلى التعهد بمساعدات غذائية عاجلة لموريتانيا من أجل مواجهة الجفاف، وأثناء القمة أبلغ الراحل المختار ولد داداه بأن أمطارا غزيرة تهاطلت على معظم مناطق الوطن، فخاطب القادة المجتمعين في القمة وشكرهم على مساعداتهم قائلا” أعتذر لعدم قبول هذه المساعدات السخية إذ لاحاجة لنا بها فقد أبلغت بأن أمطار خير عمت بلادي ونحن نكتفي بما وهبنا رب العالمين” أعجب القادة بموقف الرئيس الراحل وأبدو استغرابهم من أن يستبدل المساعدات بمياه الأمطار، لأنهم لايدركون أهمية مطر الخريف في حياة البدو الرحل.

اليوم رغم تراجع العالم القروي والتنمية الحيوانية وزحف المدنية الزائفة، يحتفظ الخريف بألقه فهو مناسبة لاكتشاف الأوطان وإعادة وصل ماانقطع من الأرحام، فالخريف موسم البهجة وفيه تكثر الأعراس والليالي الملاح وإليه تشد الرحال وتضرب أكباد عابرات الصحاري في وطن شاسع مترامي الأطراف لكل ركن منه قصة خاصة مع الخريف، فهذه تكانت بهضابها الشامخة وتلك البراكنه بسهولها اليانعة وبينهما لعصابة بديعة التضاريس وقبلهما الحوضان عيون ونعمة وبهجة في الخريف وبعدها كوركل وكيدماغا أنهار وبحيرات تنساب خريرا في الخريف وللترارزة قصة عشق وصفاء في هذا الموسم الذي يحلو تحت نخيل وارفات الظلال لها رطب كالزلال في آدرار ولتيرس ثم داخلة نواذيبو قصص لاتنسى في خريف الأيام الخوالي.

Go to W3Schools!