ولد داداه في القاهرة، هل بدأت ترتيبات حل حزب تواصل؟

م نعمه عمر
م نعمه عمر

يتواجد الآن في القاهرة وزير العدل الموريتاني إبراهيم ولد داداه الذي من المقرر أن يلتقي زوال اليوم بالرئيس عبد الفتاح السيسي، بصفته مبعوثا شخصيا من الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز.

وتثير زيارة وزير العدل للقاهرة في هذا التوقيت بالذات العديد من الشكوك هي التي سبق وأن صنفت جماعة الاخوان المسلمين كجماعة إرهابية، بعد الأحداث التي تلت الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب الدكتور محمد مرسي.

سبب الاشتباه في المهمة التي كلف بها ولد داداه ناجم عن التصريحات المتتالية التي أدلت بها شخصيات مقربة من القصر الرمادي في العاصمة نواكشوط من ضمنها مستشار للرئيس ومكلف بمهمة لدى رئاسة الجمهورية والتي طالبت جميعها بحل حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل”، بعد وصفه بأنه يشكل خطرا على البلد ومستقبله.

وقد تعاملت قيادة الحزب مع هذه التهديدات بجدية لأن الشخصيات التي طالبت بحل الحزب لم تكن لتمتلك الشجاعة الكافية للإقدام على هذه المطالبة لولا حصولها على الضوء الأخضر من سلطات نواكشوط.

وقد رد رئيس حزب تواصل محمد جميل ولد منصور على هذه المطالبات في أول خرجة اعلامية له، أن حزب “تواصل” ليس كانتونا حزبيا تقليديا وإنما هو “فكرة” لا يمكن اجتثاثها من العقول.

ويرى التواصليون أن قرار الحل إن تم سيحرر مناضليه من قيود الشرعية، الأمر الذي اعتبرته جهات مقربة من النظام، تهديدا مبطنا قد يفسر من قبل البعض بأن الحزب يمتلك أجندا سرية ويشكل خطرا على البلاد وعلى الديمقراطية.

إلا أن التاريخ السياسي لحزب تواصل يؤكد حسب المعطيات على الأرض أنه اختار الانخراط بجدية في اللعبة الديمقراطية، بل وتخلى عن موقعه داخل صفوف المعارضة ليشارك في المسارات الانتخابية وأحيانا في العمل الحكومي وذلك في عهدي الرئيسين سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ومحمد ولد عبد العزيز، كما سجل للرئيس محمد جميل ولد منصور حضوره بصفته الحزبية عدة لقاءات مع مسؤولين غربيين وبالسفير الأمريكي في نواكشوط، الأمر الذي اعتبرته جهات متشددة غير مناسب ولا يليق بحزب يتبنى المشروع الإسلامي، بينما يرى التواصليون أن حزبهم ليس حزبا خاصا بالإسلاميين حسب التوصيف المتعارف عليه ولا يحتكر لنفسه هذا التوصيف عن بقية الأحزاب الموريتانية لأنه من المفروض أن تكون جميعها أحزاب إسلامية لأن الإسلام هو دين الشعب والدولة.

هذه الواقعية السياسية لم تكن فيما يبدو كافية لإقناع النظام الموريتاني بأن حزب تواصل لا يشكل خطرا على وجوده وعلى أمن واستقرار البلد فهو كما قال مستشار الرئيس يمتلك امكانات مادية وبشرية ويستغلها حسب ما يمليه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وكان العديد من المراقبين قد شككوا في التقارب الموريتاني الإماراتي، السعودي، المصري، وذهب بعضهم إلى التأكيد بأن الثمن سيكون حل حزب تواصل نظرا للحرب التي تشنها الدول الثلاث خاصة مصر والإمارات ضد جماعة الإخوان المسلمين وبالتالي فلن يعجز هذا التعاون الثلاثي عن إيجاد صلة تربط بعض التواصليين حتى لا نعمم مع التنظيم الدولي للإخوان، وهذا الدليل إن توفر سيكون سببا كافيا لحل الحزب نظرا لأن القانون المنظم للأحزاب يحظر التورط في علاقات مشبوهة مع جهات خارجية، لكن هذا التفسير إن طبق بشفافية سيقود إلى حل العديد من الأحزاب التي تستمد أفكارها من الخارج وتتعاون مع جماعات وأنظمة قائمة، سواء القومية منها أو اليسارية وحتى الليبرالية التي يتلقى بعضها الأوامر من الأليزيه.

وبغض النظر عن وجاهة قائمة الاتهامات التي سيتم تعزيزها بعد عودة وزير العدل ابراهيم ولد داداه من القاهرة، فإن حل حزب تواصل سيشكل خطأ فادحا ليس في حق الديمقراطية فحسب بل وفي حق قاعدة عريضة من أبناء الشعب الموريتاني تنخرط سياسيا في هذا التوجه وتتمسك به وتصوت لصالحه في الاستحقاقات الانتخابية ولم يسجل أنهم أقدموا على تصرفات منافية للعبة الديمقراطية، وقد تمكنوا خلال النيابيات الأخيرة من الحصول على المرتبة الثانية من حيث عدد النواب في البرلمان مما مكنهم من قيادة مؤسسة المعارضة وهي إحدى المؤسسات الدستورية التي يؤخذ برأيها في تسيير شؤون البلاد حسب ما هو منصوص عليه وإن تم تجاهل هذا الدور وعدم التعاطي معه بشكل رسمي وفاعل من قبل السلطات.

وفي انتظار ما ستقدم عليه نواكشوط قبل انعقاد القمة العربية من قرارات يرى المقربون من النظام أنها وطنية وسيادية، ويؤكد خصومه أنها إملاءات خارجية، فإن القلق يساور المتتبعين للشأن المحلي حول الوجهة التي ستقودنا إليها بوصلة مفاجآت صانعي القرار السياسي والأمني في القصر وهم يسلكون نهجا صداميا ومشوشا ليس على الرأي العام فحسب وإنما على الخصوم أيضا، فبعد توصيفهم بـ “أعداء الوطن” و”المخربين” لم يعد هناك متسع للحوار وإنما نصب للمزيد من المشانق، “من ليس معنا فهو ضدنا”، حسب المنطق الذي تدفع أمريكا ثمنه حتى الآن في العراق ومناطق أخرى من العالم.

محمد نعمه ولد عمر