أي مدير تحرير أو مدير قناة يستطيع استضافة صحفي منع من تغطية حدث؟ بقلم: مصطفى سيديا

مصطفى سيديا

نعم نحن في بلد أعطت قيادته الضوء الأخضر لحرية التعبير وعلى رأسها حرية الصحافة فهي مقياس التعبير الحقيقي وعلى أساسها يتم منح مستوى ما يستحق البلد على مؤشر الحريات العالمية.

لا أحد يجهل ما تحقق من منح حريات ومنابر للتعبير وصفحات ووسائل إعلام حرة ومستقلة مهما كان قدر تلك الحرية، وسواء كانت رؤية ومطلبا سياسيا، أم على أساس اتفاقات خارجية أو ضغوطات، ما يهمني أنها موجودة ولو لوقت قريب.

لن أطيل عليك أيها القارئ فقد تخرجت من قسم الصحافة “التعيس” والوحيد الموجود في البلد لكن بداخلي حس صحفي وإيمان لا يهزه شيء بهذه المهنة وأعي أنها مهنة المتاعب لكن قدري شاء أن أرى تلك المتاعب راحة لا تبدل بأي راحة.

وشاءت أقداري أن أواكب عديد التظاهرات ولكن هذه الحادثة تطلبت مني أن اعلق لأول مرة عقب حضوري نشاط وأمنع من تغطيته لمجرد أنني صحفي استوفى الشروط المطلوبة ليسمح له بتغطية أي حدث في بلد “الحريات” أحرى أن يكون الحدث “عـابرا” حادثة وفاة الأرجح أن يكون صاحبها السبب فيها، وهي بذاك تعطل التداعيات الخارجية والخطط الأمنية لكشف ملابسات الحادث أو ضلوع أيادي خارجية، علما أن تلك ليست مسئولية الصحفي فأجهزة الأمن تعي حجم التعتيم المطلوب لكي تكشف الأسباب وتعرف المجرمين، وهذا الحادث بالخصوص أكثر وضوحا مما تتصورون.

“منعت” نعم “منعت من تغطية حادثة وفاة شخص “انتحر” في نواكشوط، بغض النظر عن مدى أهمية الحادث لكن للقارئ الحق الكامل في أن يعرف ما يدور في هذا الكوكب، وما يدور من حوله بالأحرى، فلا معنى لحرية التعبير في ظل التعتيم على أبسط أخبار يحق للمواطن الاطلاع عليها بعيدا عن ما يدور داخل المكاتب وفي أروقة المؤسسات، ولكل مقام مقال.

لا تستغربوا,, زرت مكان الحادث وأنا المشاكس القادر على ألتقاط أي صورة مهما وضع من عراقيل، لكن تقدمت ولأني أعتقد أنني في أسمى رتب الجهاد بصفتي المهنية وشرحت الهدف من التغطية رغم ملامح التهكم التي بدت لكن لم أكترث فيكفيني أنني سأعود بتقرير لا يترك للبس مكان، ونقل الحقيقة مستعد لأن ادفع فيه نفسي، فهذي أيضا مما شاء لي قدري.

ومع أني استوفيت ـ وفق تقديري ـ المطلوب كانت الطآمة الفريق الأمني الذي يتصدره وكيل جمهورية ولاية نواكشوط الجنوبية وعلى الأصح أحد نواب الوكيل لكن على كل هو الوكيل بحكم التمثيل، وتتقاسم معه السلطة أجهزة الدرك في مقاطعة الميناء، هذا الفريق بمجرد أن تأكد من أنني صحفي وضعني تحت رقابة أحد أفراد الشرطة، وأعطاني الفريق مع ذاك عهدا بأنني في حال لم أحاول التصوير “المسروق” سيزودني بكل المعلومات وسيعطيني حق ألتقاط صور من المكان لدعم الخبر،(جزاء أنني أمثل المؤسسة الوحيدة التي تقدمت للتغطية)، ولكن كلما تقدم الوقت لا حظت أنني أبتعد وأن الأمر أكثر تعقيدا مما أتصور.

أخرجت الجثة من داخل العريش ووضعت في الخارج ملقاة على وجهها في صورة بعيدة عن الرحمة وعن مقتضى (أرحموا موتاكم)، وكان بمقدوري تصويرها بطريقة سرية، لكن لماذا التسرع وأنا الوحيد من بين صحافة موريتانيا الذي سينفرد بنشر تفاصيل حصرية عن حادثة بهذا المستوى.

الآن حان وقت الحقيقة رجل الشرطة البريء الذي يرافقني لمنعي من التصوير يحدثني أرجوك لا تكثر من إخراج الهاتف فأنت الصحفي الوحيد هنا وأي نشر للصور سيعرضك للاعتقال والمسائلة، وكان رجال الأمن في أزيائهم المتنوعة ورتبهم المتعددة يلتقطون الصور كما يحلوا لهم لا أستبعد إن قام أحدهم بتصوير (سيلفي) مع الجثة من باب “التمثيل” في القرن الواحد والعشرين، لكن الشرطي المسكين كان مقتنعا أن رجال الأمن “معصومون” وليس بإمكانهم تسريب الصور فهم يعون مالهم وما عليهم ولكنكم أنتم الصحافة دائما ما تجرون المشاكل والرعب للناس لبشاعة ما تنشرون وهذا لا يجوز نشره.

وبعد ساعتين من الانتظار جاءني ممثل عن الدرك وطلب مني الانسحاب بأمر من وكيل الجمهورية وأنه ليس بمقدورهم السماح لي بتصوري الحدث، وحينها لم أكن تحصلت على ما يكفي من معلومات ويبدو أن احدهم لا زالت به بقية أخلاق فاقترب مني ورى لي بعض التفاصيل لعلها تساعدني فيما سأكتب ولكن لا يمكنه تزويدي بصور لأن وضعية الميت صعبة وصوره تخدش الإنسانية.

فودعت المكان خائبا ولكني مقتنع أنني أيضا الوحيد الذي امتلك معلومات حصرية على الأقل لحد نشرها، لأصدم في المساء بعد قرابة ساعتين من نشري تقريرا عن الحادث أوضحت فيه أنني لم أتمكن من تصوير المكان بصور توضح الجثة وفيما يبدو أنها ملتقطة من داخل فيديو سربه أحد رجال الأمن الذين سمح لهم بالتصوير لأنهم أمنيون يعون مالهم وماعليهم وبالطبع هو حل على كل صحفي حصل على نسخة أصلية منه ويتاح له ذلك بحكم خبرته في الواتساب أو بحكم انتمائه لمجموعات ترتبط بحساب الرجل أو مقربين منه، وبالفعل هي صور تخدش الإنسانية ولكن لا يحق للصحافة التقاطها أو ألتقاط المكان القريب منها.

ومن هنا يتضح جليا أن حرص قادة البلد على أن تظل موريتانيا متصدرة لحرية الصحافة لا يدركه أغلب أعوانها في الميدان، وكيل يستفسر رجل شرطة سري هل يحق له أن يصطحب معه صحفي لأجل متابعة ما يحدث، فمن أعطى الأخير العلم بالإجابة، إنها فعلا إساءة لسياسة السلطات العليا ورؤاها وإيمانها الكلي بأهمية حرية التعبير وخصوصا حرية الصحافة التي هي مقياس الحرية في أي بلد.

لنتساءل عن مدى التنسيق بين السلطات العليا وأعوانها المنتشرين في مختلف مناطق البلد وهل بالفعل “حرية الصحافة” مطلب حقيقي، أم إنها مجرد شعار لا تمثيل له على أرض الواقع.

هي حادثة تفتح عديد التساؤلات فأي مدير تحرير أو مسئول عن منبر سمعي بصري يستطيع تناول الموضوع وطرحه بأسلوب مهني مؤثر يوضح الحقيقة بعيدا عن التزلف وراء الأنظمة وخدمة أجندات تجر البلد للحضيض.

حروف كتبتها جراء “واقعة” أراها مأساة فأين حماة حرية التعبير والمتغنين بها، وإلى أين تتجه موريتانيا؟.

مصطفى سيديا ـ صحفي موريتاني.

Sidiya1989@gmail.com