عودة ولد هيدالة: عندما يحكم الغرباء وطنا لا بواكي له

م نعمه عمر
م نعمه عمر

تحدثت عدة وسائل اعلام محلية عن تسليم الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونة ولد هيدالة نفسه للسلطات المغربية، حيث وصل إلى مدينة الداخلة، وهو المتابع قضائيا في كل من الرباط ومدريد لأسباب تتعلق بدوره في الاعتراف بالجمهورية الصحراوية واتهامه من قبل عدة جهات بالتورط في التصفية العرقية التي طالت بعض ضحايا ما بعد حرب الصحراء شمال موريتانيا.

ولد هيدالة الذي شكلت عودته مفاجأة للكثير من الموريتانيين، وطرحت أكثر من علامة استفهام حول موريتانية البعض؛ وجد نفسه غريبا في بلد تقلد أعلى المناصب فيه، حيث تولى السلطة ما بين 1980 ـ 1984، قبل أن يطيح به الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.

سبب هذا الإحساس بالوحدة والبحث عن متنفس هو تعرض أبنائه للسجن وكان آخرهم ابنه البكر سيدي محمد ولد هيدالة الذي أتهم بالضلوع في عملية تهريب للمخدرات كشفتها السلطات الموريتانية بالتعاون مع نظيرتها المغربية، وتعاملت فيها القوات المسلحة بالنيران مما اسفر عن مقتل عدة أشخاص ضمنهم عسكري موريتاني.

ربما اختار الرئيس الأسبق اللجوء إلى المغرب بحثا عن الأمان وهو الذي اعتبرته الرباط عدوا لمصالحها في المنطقة بسبب تأييده لجبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء الغربية، حيث يبدو أن ولد هيدالة يريد استخدام التأثير المغربي على سلطات نواكشوط من أجل إطلاق سراح أبنائه الذين يقبعون وراء قضبان سجن دار النعيم سيئ الصيت.

رحلة البحث عن الأمان هذه ولدت احساسا لدى النخب الموريتانية بخطورة تعدد الولاءات لدى الكثيرين ممن يتخذون في الغالب من المغرب والسنغال بديلا لموريتانيا في أول محنة يتعرضون لها، بل إن بعض الذين ولدو وترعرعوا ولازالت أسرهم تقيم في هذين البلدين حكموا موريتانيا وترشحوا لأعلى المناصب دون أن تثار التساؤلات حول انتمائهم الوطني.

ولاشك أن ما حدث يثير جملة من الشكوك حول تعزيز اللامركزية في بلد لا يحفظ نشيده الوطني سوى 10% من مواطنيه تفرقهم اللغة والانتماءات الضيقة للجهة والقبيلة وفي أحسن الحالات لبلدان الجوار التي تبذل جهدها من أجل استقطاب شرائحه في عملية ممنهجة ستفرغ موريتانيا من ساكنتها إذا لم يبادر الموريتانيون إلى إعادة كتابة تاريخهم ونشيدهم الوطني بشكل يعزز الوحدة الوطنية، بالإضافة إلى مراجعة المناهج التربوية التي فرقت في شكلها الحالي الشعب وجعلته يتحدث لغتين وينتمي لثقافين متباينتين، لأن اللغة حمالة للثقافة.

باختصار لقد دقت عودة الرئيس محمد خونة ولد هيدالة إلى المغرب إن صحت، وقبله الإطار حمادة ولد الدرويش، ناقوس الخطر، في ظل مطالبة البعض بحكم ذاتي والبعض الآخر بالانفصال، وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، ونحن نتحدث عن محاصصة سياسية عرقية، فإن موريتانيا ستكون في أقل من خمسين سنة لا قدر الله في خبر كان، لأنها باختصار تفتقد لمقومات الدولة الحديثة، فالدولة تصنعها المواطنة والولاء المطلق (للنشيد والعلم والحوزة الترابية) وليس لمرابع القبيلة التي غالبا ما تقوى شوكتها عندما يتراجع مفهوم الدولة، ولا شك أن زيارة الرئيس محمد ولد عبد العزيز الأخيرة لولاية الحوض الشرقي، أعادت صناعة الولاء القبلي، وبرهنت أننا نتقدم فعلا لكن إلى الوراء.

محمد نعمه عمر