خطاب النعمة.. ما قاله الرئيس وما لم يقله؟!

م نعمه عمر
م نعمه عمر

حمل خطاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز في حاضرة ولاية الحوض الشرقي النعمة والذي سيصبح تاريخيا هو الآخر رسائل عديدة بين سطوره بالإضافة إلى تلك التي أعلن عنها صراحة، وكانت كافية لاستنطاق ما لم يقله، في شأن خصومه ومستقبله السياسي.

لقد بدا من الخطاب أن الرئيس كان جادا في مواجهة خصومه والرد عليه، ولم يكتف بمجاراة ما ذهب إليه الرجال منهم بل كان لحرائر المعارضة نصيب من سهام الرئيس التي أصابت الجميع إلا من رحم ربك.

بغض النظر عن الأرقام وما وصفه الرئيس بأنه رخاء اقتصادي، فإن البعد الميثالوجي للتنمية والسياسة والأمن، سيكون مثار جدل مثل الذهب والماس ومليارات البنك المركزي.. ما قاله الرئيس في شأن الاقتصاد ظل حبيس الأرقام الفلكية ولم يلامس بشكل مباشر حياة المواطن البسيط الذي بالكاد يجد قوت يومه أو مصدرا للدخل، وإذا صح ما ذهب إليه الرئيس فإن توصيف الحالة الموريتانية اقتصاديا سيعزز مقولة بلد غني وشعب فقير.

في الشأن الأمني نفى الرئيس ولد عبد العزيز أي اتفاق بين موريتانيا والقاعدة مضيفا أن بلاده لم تمنح دولارا واحدا للتنظيم رغم أن مصدر هذه المعلومة هي القوات الخاصة الأمريكية التي تحفظت عليها ضمن وثائق الشيخ أسامة بن لادن أثناء مداهمتها لمنزله في باكستان عام2011، ما ذهب إليه الرئيس لم يكن النفي الرسمي الموريتاني الأول لما تضمنته تلك الوثائق لكن الأسلوب الذي انتهجه ولد عبد العزيز في النفي كان أكثر حدة وجرأة عندما وصف مصادر هذه الوثائق بأنها تحسد موريتانيا على إنجازاتها في مجال الأمن!، والتي كان آخرها تدمير سيارات تابعة لمهربي المخدرات شمال البلاد.

في الوقت الذي تحقق فيه قوات الأمن هذه الإنجازات، فإن المعارضة منشغلة في حربها مع مكتسبات النظام بالحديث عن اختطاف حقيبة يد من سيدة في الشارع، يضيف الرئيس.

صحيح أن حماية الحوزة الترابية مكسب وطني لكن توفير الأمن للمواطن العادي والحفاظ على السكينة العامة، هو أيضا مكسب وطني والتزام أخلاقي.

تحدث الرئيس عن مكتسبات حقيقة مثل وكالة الوثائق المؤمنة التي كثيرا ما انتقدت المعارضة أداءها، لكن اتضح مع مرور الوقت أنها انجاز سيادي بالفعل ومواصلة تسفيهها هو من باب الحرب الدعائية التي يستخدمها الطرفان في بعض الأحيان رغم أنها غير واقعية ولا تراعي مصالح المواطن البسيط.

لم يستخدم الرئيس لغة أهل “النعمة” في نفيه لفرضية تعديل الدستور والبحث عن وسيلة للتنصل من كفارة اليمين، ربما وهو يرد على المعارضة فضل أن يستخدم لغة أهل نواكشوط التي تستمد في بعض الأحيان لهجتها من قاموس ساكنة “إكيدي” لن أفيدكم كثيرا أو لن أتحدث عن المستقبل، لكن في الوقت الراهن سنلغي المجلس الدستوري وننشئ مجالس جهوية لتسيير الشأن المحلي، تضمن هذا الكلام تعديلا دستوريا لكنه مرحليا أو راهنا، أما عن المستقبل الذي لم يتحدث عنه الرئيس فقد كان واضحا أنه سيرسم بلون واحد هو الأغلبية وشيعة الرئيس، لأن المعارضة فسيفساء من أعداء الشعب والوطن، ولن يسمح لهم بالوصول إلى السلطة.

ترى هل كانت هذه الفرضية ناجمة عن استبيانات ومسوح لمراكز استطلاع ذات مصداقية، أم أنها تقارير استخباراتية مضللة، بغض النظر عن مصادر الرئيس، فإن إطلاق مسلمات من هذا القبيل قبل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع يعد انقلابا حقيقيا لا يقل في إعاقته للمسار الديمقراطي من تعديل المادة 99 من الدستور.

التعديلات الدستورية المعلنة ستحدث تغييرا جوهريا في نظام الحكم، في جانب منها ستستجيب للمطالب التي تنادي بتعزيز اللامركزية وإشراك المواطن في صنع القرار، هذا فيما يتعلق بالمجالس المحلية، لكن القوانين المنظمة لها تستدعي الحيطة والحذر في بلد متعدد الأعراق، توجد فيه لغتان رسميتان، وبالكاد يمكن لمواطنيه أن يركنوا إلى لغة حوار مشتركة، نتيجة السياسات التربوية التي خلقت أجيالا ومجتمعات بعضها من المريخ الآخر من الزهرة.

أصاب الرئيس فعلا في إلغاء الزائدة الدودية المسماة بمجلس الشيوخ والتي كانت مظهرا من مظاهر البيروقراطية، التي أفرغت العمل البرلماني من محتواه وجعلته سيركا يستنزف موارد الشعب في ما لا طائل من ورائه.

استوقفتني اللغة التي تستخدمها الرئيس لوصف شريك موريتانيا الأساسي بالمستعمر السابق، الذي يلهم المعارضة وتجلس منه مجلسا للسمع، هذا الوصف لا يمكن أن يعني سوى وجود فتور في العلاقات بين نظام الرئيس ولد عبد العزيز والأليزيه، خاصة وأن الرئيس تباهى بأنه شب عن الطوق ولم يقبل أن تملي عليه باريس رغبتها والغوص في المستنقع المالي لأهداف لا تخدم المصالح الموريتانية.

هل يعني ذلك أن فرنسا مارست ضغوطا على النظام من أجل الركون إلى بعض ما تنشده المعارضة، أم هل حذرت الأليزيه القصر الرمادي من مغبة المساس بالدستور، هناك بالتأكيد ما استفز الرئيس ولد عبد العزيز، ودفعه للذهاب بعيدا في اقتفاء أثر الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع عندما امتلك الجرأة لأن يقول لفرنسا وقضائها “لا”، وأمهل جنودها حيزا زمنيا قصيرا لمغادرة البلاد، لكن هل سيهنأ القادة الذين يشبون عن طوق عاصمة النور بالسلطة طويلا، كثيرون يمكنهم الإجابة على هذا السؤال ومنهم الرئيس ولد الطايع نفسه؟؟؟.

عموما إن موريتانيا مقدمة خلال الأشهر القليلة القادمة على تحولات جوهرية داخليا وخارجيا:

ـ الحوار بمن حضر

ـ تنظيم انتخابات سابقة لأوانها

ـ منح المزيد من الصلاحيات للبرلمان والوزير الأول

ـ التوجه غرب المحيط، في ظل فتور العلاقات مع فرنسا

ذلك لأن الأمريكيين أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بأيهما أكثر قداسة “الديمقراطية أم المصالح”، فلا تزال مقولة مهندس سياستها الخارجية “هنري كسنجر” لا توجد صداقات دائمة وإنما مصالح دائمة، هي الطوطم الذي يوجه بوصلة البيت الأبيض.

محمد نعمه ولد عمر