محمد الامين منصور فتى، يكتب: هكذا أومأ إلي الرئيس بتواضع

المرحيم، اعل ولد محمد فال

طُلب مني بداية سنة 2006 مرافقة فريق من الصحافة الأجنبية للقاء رئيس الدولة حينها اعل ولد محمد فال رحمه الله، وكانت الأسئلة تطرح من قبل صحفي معروف حينها يسمى David Foster يذيع الآن في قناة الجزيرة الإنجليزية، وكانت مهمتي لا تتعدى نقل أسئلة الصحفي من اللغة الإنجليزية إلى العربية أو الفرنسية، ولم أكن على اطلاع مسبق بالأسئلة لذلك بدأت بطرحها كما هي، وقد كانت لغة الصحفي قاسية على طريقة الصحافة الغربية وخالية من أي تفخيم لمنصب الرئيس، أذكر أن السؤال الأول كان كالتالي حرفيا “بعد سنة وشهر من الآن لن تغدو رئيسا، ما هو شعورك؟!” فنقلت السؤال كما هو بشكل عفوي وأنا حديث في السن حينها وأفتقر للخبرة للأسف دون أن أضيف إلى السؤال ما يمليه علي واجب توقير رئيس الدولة من عبارات الفخامة، فنبهني مسؤول التشريفات برفق إلى ذلك لكن الرئيس رحمه الله أومأ بتواضع، وهو على مكتبه كرئيس الجمهورية وأنا الشاب الحدث، أني بمثابة ابنه وأن أُهوّنَ على نفسي، لا أنسى نظرة الشفقة في عينيه كمن ينظر لفلذة كبده.
كان جواب الرئيس المرحوم اعل، أن شعوره سيكون في غاية الارتياح يوم يسلم الأمانة لمن سيختاره المواطنون بعده، يومها سيشعر أن المهمة التي ضحى ورفاقه من أجلها قد اكتملت، وحينها يعود لبيته مطمئنا غير نادم على الخروج من القصر.
وقد فعل!، تذكرت هذا الجواب وأنا أقف بين الحشود أمام قصر المؤتمرات يوم 19 ابريل 2007 وهو يسلم السلطة للرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله، فقلت في نفسي وأنا أتذكر سؤال الصحافي دافيد فوستر “نعم لقد فعلها”.
كان أريحياً رحمه الله، أذكر أن صحفية ترافق الفريق كان يشغل بالها إجبار الفتيات الموريتانيات على السمنة و”تعذيبهن” بدنيا في سبيل ذلك، وعند طرح السؤال ضحك من الأمر قبل أن يجيبها تقصدين le gavage قبل أن يستطرد قائلا لا أظنه ما زال موجودا، أنا ابن هذه البلاد قبل أن أكون رئيسا لها وأطوفها شرقا وغربا ولا أحسبه ما زال موجودا، وفي جميع الأحوال فالقانون يمنع التعذيب ولن تتوانى الدولة في تطبيق القانون على من يخالفه.
أسئلة كثيرة طرحت على الرئيس الراحل، أجاب عليها جميعا بروح رجل الدولة الوطني، في مجال حقوق الإنسان يجيب: سيعود لكل مواطن ظلم حقه ولا طريق أمام موريتانيا إلا أن تكون دولة مواطنة ودولة قانون ودولة حريات وسنغلق الباب أمام من يتاجر بملفات حقوق الإنسان خارجيا… وداخليا أيضا، وفي مجال تسيير الموارد النفطية المرتقبة حينها، كانت رؤيته واضحة لا بديل عن الشفافية، وأن يعلم كل مواطن بإيرادات كل الصناعات الاستخراجية من ذهب وحديد ونحاس ونفط، التي جسدها بانضمام بلادنا يومها لمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، وأن يحفظ للأجيال القادمة حقوقها من الموارد الناضبة والتي تجسدت في صندوق الإيرادات النفطية FNRH الذي لايزال قائما إلى اليوم.
بحثت عن تلك المقابلة في يوتيوب قبل أن أتذكر أن يوتيوب بداية سنة 20066 كان لايزال يتلمس الخطى حينها، لكن هي بالتأكيد لاتزال موجودة في أرشيف مؤسسة صحراء ميديا العريقة.
كانت آخر مرة حصلت لي فيها فرصة لقاء الراحل عندما وجدته في زيارة لأحد الصالحين من علماء أهل هذه البلاد قبل حوالي 8 سنوات.
رحم الله فقيد الأمة والوطن الرئيس أعل ولد محمد فال، فقد سطر أروع الأمثلة في خدمة هذا الوطن والتضحية من أجله في ساحات الوغى والشرف تحت راية الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
محمد الامين منصور فتى
الدوحة قطر

من صفحة:

Yeslem Almaghary
Go to W3Schools!