الانتشاء بالظلم/الولي سيدي هيبه

الولي ولد سيد هيبة

لا سبب من أسباب تخلف هذا البلد يعلو على الظلم المنتشر فيه على مطاق واسع بصمت القهر الممنهج و التباين المعتمد على أسس الحيف و التباين القبلي الشرائحي و الإثني الطبقي و تحت عباءة التأويل الديني الغرضي و الجريء في الإبقاء على القوالب التفاضلية و تغطية الأفعال المخلة بقواعد العدل و الإنصاف و احترام مقام الإنسان الذي كرمه الله بقوله جل و تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا“.

 
و إذا كان بعض سكان العالم يَنتشي في هذا العصر بالخمر محتفيا بالرفاه الذي وصل إليه، و البعض بالإنجازات العلمية المحيرة مفاخرا، و آخر بما حققه من عدالة شاملة و ديمقراطية بناءة، فإن انتشاء جل أهل هذا البلد ـ الذي أنشئ “من لا دولة” و أعطي اسما لم يستشر فيه ضربة بالهوية عرض حائط الكيان الوهمي، هو الانتشاء بالظلم الصارخ “إتيانا” و “قبولا” يمارس على نطاق شامل، لا يغادر موطنا، بدء بالأسرة نواة المجتمع فحرم اليتيم من إرثه و الأخ غير الشقيق عن نصيبه و ابن الأمة و الضرة و المنحدرة من شريحة تحتية من حقه لقلة نقاءه العرقي، و حتى الدولة حيث يقصى من لا عضد له يُنبت ريشَه و يشحذ مخالبه تحت وصايته و في حمايته:
 
·        وزيرا وجيها خلفيته أرستقراطية حادة الطبع جريئة على المال العام،
·        أو ضابطا عالي الرتبة و بارز القوة،
·        أو حاميا قوى التسلط القبلي في المسطرة التراتبية “السيباتية” المعتمدة،
·        أو صاحب دار نفاق و تزلف له موطئ قدم راسخة في صالونات الفك و التركيب،
·        أو قبيلة قد فرقت دمها بين المعارضة و الموالاة و المجتمع المدني و حيز الأعمال بصفقات المال العام، تنسق لبقاء قوتها و نفوذها و ضمان حصتها من “الرضا” بما تنتزع و “الغضب” بالنفخ على كير العتب حتى لا توصد الأبواب في وجها،
 
و لعل الكل يتعاط الظلم بما أصبح ـ أو ما كان حتى ـ حاجةً ماسة للبقاء، و بما أوتي كلٌ من فُرص و جهد و قوة و ذكاء و غباء و رعونة و تسلط على من تحطه الظروف تحت رحمته أو تجعله في طريقه أو تنزله بجواره.
 
هو البلد الذي يقال عنه بكل جرأة على الافتراء إنه موئل الإسلام الصحيح و الحكمة المفقودة و الشعر المُدون مسطرة الأخلاق و علو الفروسية و العدالة المشتهاة في أصقاع المعمورة، و لا شيء يثبت من ذلك سوى ما هو منتشر بفداحة من المتاجرة بالدين مقابل أثمان قليلة “إلا من رحم ربك” حتى اختلطت المذاهب و تعارضت الطرق المتبعة من قادرية و تيجانية و شاذلية و اختلطت بالوهابية و الشيعية و الدعوة الدواعشية؛ و قيل إنه بلد الشعر و ما الأمر كذلك إذ أن هذا الأخير منحصر في غرضي المدح الكاذب و القدح السليط و لا أبعاد له ترفع البلد فوق قلاع المجد و السؤدد.. وإن الغبن كالدودة في الأمعاء ينخر جسم الاستقامة فيخترق جدران الأمل و يسوِّس العدل و يغيب فعل الاقتسام و التناصف و التكامل.
 
·        فهل تخطئ العين عبثيه الصراعات السياسة الخاطئة في إسفاف المحتوى و ضعف الأسلوب و سوء المبتغى و غياب الاستشراف؟
·        و هل مسار النقابات في حراكها الضعيف المشوب بـ”السياسوية” الرخيصة و المجتمع المدني النفعي الربحي بلا مرجعية إلا يعتريه الزيف و ضبابية المقاصد باتجاه المستقبل؟
·        و هل الحركة التجارية البدائية، في غياب الرؤية الاقتصادية المحكمة على خلفية التخطيط، إلا حكرا بأسوأ التعاطي مع الحدود، و الجمارك، و الجباية، و حماية البلد من سيئ البضائع و ضارها، و من استنزاف موادها الخام؟
·        و هل التعليم إلا لعبة تهيئ للميسورين تعليم أبنائهم في المدارس الغربية حتى يرثوا مناصبهم بعد حين و وظائفهم بعد التقاعد و يتولوا القيادة مكانهم بصلف مضاعف؟
·        و هل يعقل جدال حول علم، ما أسيئ إليه لو تغيرت بعض ملامحه، و ما انتقص منه لو استمر بشكله خفاقا.
 
و لكن النفوس الأمارة بالسوء في جاهليتها العصية على الاستئصال بالمرصاد لكل من لا يمشي مكبا على وجه ظالما لبلده و أهله و نفسه في كل حيز يتنفس فيه البلد.
فهل نبطل الانتشاء بالظلم؟
أو لم تكف ستة و ستون عاما و ما قبلها من جور السيبة و زيف غنائية الأمجاد و انتشار التفاضلية بين العباد؟