هوامش على ” ما تحت السطور” من مقال ولد ابريد الليل..!!

هي مجرد تأويلات لما فهمنا ، أو بالأحرى أولنا من إشارات في  مقال لرجل يتميز بأعلى درجات الكثافة الثقافية والغموض السياسي. فجمله قصيرة كأنه يرسم لوحة بكلمات تتداخل معانيها كما تتداخل ألوان الرسام . وتركيبها تساند معنوي ، لا حسي بأدوات التركيب اللغوي المعتادة. ومن هنا، تعسر ترجمة  ولد ابريد الليل  من لغة الأصل إلى لغة أخرى، ما لم يتحرر المترجم من إيماءات الكاتب وإيحاءاته  التي لا يريد الإفصاح عنها  كليا، وغيرها من صيغ التعبير التجوزية  ، التي تضل القارئ ، عن مقاصد الكاتب، مشدوها ببراعة إخراجه؛ فيصاب ببلبلة الذهن وتشتت الفكر أثناء لملمته لخيوط الإضمار والإبهام.   ومما فهمته عبر الغطس ، قليلا، تحت التوظيف الرمزي للأحداث التاريخية ،تتخللها غصة بشعور قومي ضمر حد التلاشي  ،  هو أن ( ولد بهيت ) ما هو سوى عنوان كالشجرة التي تخفي الغابة. فما يبدو موجها إليه ، ليس هو ” عقدة الاهتمام عند ولد ابريد الليل”  ولا هو مركز عمقه؛ إنما عمق اللجة هو في تلك الاستطرادات  التي تبدو نتفا عابرة  ومبثوثة، على نحو عفوي مخادع، عبر هوامش النص . إنها الثقب الأسود!. وهذا ما ذكرني بما كتبه  الكاتب الصحفي الجزائري، سهل الخالدي ( أن بعض كتب الهامش تتفوق  في أهميتها على كتب المتن). فمقال ولد ابريد الليل هو كدس من صور الألم ، تراكبت وترسب بعضها  على بعض ، على فترات زمنية  مختلفة ، مثلما تتشكل الطبقات الجيولوجية.  وأكاد أجزم أن المقال هو في الأساس ” مجتزأ” من مذكرات تنذر بقرب انبلاجها من محبسها، إيذانا برحيل قسري لرجل تنازعته السياسة والثقافة، في غياب ملك عادل يقضي بأيهما أنسب له!. فلا أهل السياسة فهموه.. ولا أهل الثقافة استوعبوه. إنه السياسي المثقف  والمثقف السياسي؛ فغرق السياسيون في أعماقه الثقافية وتاه المثقفون في متاهات تجربته السياسية .  وبمنتهى الصراحة، فإن حصر رسائل ولد ابريد الليل في مقاله يكاد يشبه من يريد أن يأكل من جميع أطباق الشعوب على المائدة نفسها، لتحتفظ  له ذائقيته بكل طعم على حدة!. وبجرعة كافية من   المجازفة أعتقد أنه مرر من خلال هذا العنوان تسع رسائل عديدة مموهة، أجد أبرزها :

أولاها:  تضمنت تبرما وقرفا شديدين و نقدا قاسيا جدا للمجتمع الموريتاني في سطحيته والانهيار المريع في قيمه وأخلاقه ، وفي هشاشة البنية العقلية لنخبته. وهذا ما عبر عنه  بعرضه لطريقة تواصل ( بهيت ) معه  عبر بريد  جريدة القلم، ليبلغ نقده الكاريكاتوري ذروته حين تمنى عليه ( لو أنه ) راسله  عبر الإذاعة الوطنية ؛ أي عبر ” البلاغات والاتصالات الشعبية” ، وسينعطف لاحقا في المقال على نقد المجتمع  حين يتحدث  عن مجتمع ” الأنتيرنيت” الذي استوى الجميع في ضحالته ومساوئه : يتناهش  ويتشاتم ويتشاجر ، لا فرق بين نخبته ودهمائه،  بفعل الأخبار الواردة في هذه الوسيلة  المنفلتة من القانون والأخلاق المهنية…  المتفق عليها عالميا، التي تحمي الأفراد والمجتمعات، على ما في الأمر من خطر داهم ، في ظل تسيب الدولة وتميع المجتمع.

ثانيا:  تعمد استعراضا مفصلا لتجربته العمرية والسياسية الغنية بالمرارات ،التي لم تترك متسعا لأية حساسية من أي أسلوب من أساليب الركاكة والخشونة في التعامل مع الإنسان: نفسيا ، معنويا وجسديا، وحتى تربويا. وهذا ما عبر عنه بما  عاناه ، هو ، ورفاقه ( الحركة البعثية الاديولوجية ) في سجن تشيت ولعيون وبومديد وودان  … !!. وتلك  رسالة  لرئيس الدولة الذي عبر عن استخفافه  بالنخب الاديولوجية  في مؤتمره الصحفي الأخير..

ثالثا: اعتقاده أن صناعة التاريخ في هذا البلد قد توقفت  ، بعد ذلك الجيل الذي بنى مجده على النضال والتضحيات ضد الأنظمة ، وضد رواسب المستعمر الفرنسي. وهذا الجيل هو الذي صنع التاريخ وسير دفة الأحداث فيما بين 1968 – 1978 . وهو اليوم أكبر المغيبين من المشهد السياسي في البلاد، بعض أفراده  قضى نحبه، وبعض آخر يتهيأ للرحيل بعدما  استنزفه الزمن ونالت منه الظروف القاسية.  والقاسم المشترك بين رجال هذا الجيل ، على اختلاف مشاربه السياسية والاديولوجية،هو الدفاع عن حق المستضعفين والشقاء في سبيلهم ومواجهة البؤس الدائم وظلم الدولة . وهذا ما يجب استحضاره في تلك التضحيات العظيمة التي قدمها البعثيون  والحركة الوطنية الديمقراطية ، حتى ولو أن الحقبة  الراهنة تسعى للتعمية على ذلك وركنه في خانة النسيان؛ بل التنكر للدور البناء جدا للحركات الاديولوجية من أجل الدولة الموريتانية وحفظ كيانها ، بذريعة تجديد الطبقة السياسية ، التي وجد أفرادها ( الطبقة الجديدة، من سياسيين وعسكريين)، بالعكس من الطبقة الأولى،  أنفسهم، دون جهد ، في كيان دولة و بحبوحة من العيش مكنتهم من التطاول والنظر بشزر للطبقة السياسية القديمة برغم قلة ما في رصيد ( النخبة الحاكمة اليوم ) من أخلاق وقيم وطنية ورصيد نضالي، أو رصيد قتالي  . فالنخبة السياسية القديمة التي ذاقت صنوف التعذيب وعانت طويلا من أجل وطنها ، والنخبة الطليعية للجيش الوطني  التي سخت بالنفس  للذود  عن موريتانيا ، تجدان نفسهما  في معزل قسري يعلوهما التراب،  مسيختان مثل لحم الحوار،لا هي حلوة ولا هي مرة . بينما تتصدر النخبة العسكرية والسياسية الجديدة ، اللتان نمتا بين الظلال والأضواء،  المشهد الوطني حتى باتت تلك النخبة المعذبة لا تحلم بأكثر من ” ألا تجرح في ماضيها بعد أربيعين أو خمسين سنة من التعاسة والشقاء في خدمة رفعة البلد والحنو على هشاشته “؛  لقد يئست النخبة القديمة ، من المدنيين والعسكريين، من المكافأة  في حياتها ؛ فهل يستكثر عليها إن طلبت اللطف بها في تاريخها !. إنه منطق  العملة الرديئة التي تطرد ، من السوق، العملة الجيدة !

رابعا : شهادة وفاة من الأستاذ ولد ابريد الليل لحزب البعث في موريتانيا منذ ربع قرن من الزمن، أي بتاريخ آخر مهرجان شعبي يحضره الأستاذ  على ذلك الكثيب الكائن في مقاطعة عرفات، الذي ترسو عليه الآن مدرسة أبي. يومها كان الأستاذ يخوض آخر تجربة انتخابية له في نيابيات 1992، لم يحالفه الحظ فيها. في ذلك المهرجان، وقد حضرته شخصيا،  كان حاضرا كل من معطلل وبلخير. وهذا الأخير هو بلخير ولد الكيحل و فد انتقل إلى رحمة الله  . ولكن الأستاذ  فيما يبدو لم يحصل له العلم بذلك. ولا أدري إن كان معطلل ما زال على قيد الحياة . فقد زرت معطلل في بيته منذ سنوات في بالقرب من سوق ( الشبشابه في السبخة ) وزرت الآخر بعد ذلك، قبل وفاته بقليل ،  في منزله بمقاطعة الرياض.  فالأستاذ حريص بصرامة على التأكيد،  بطريقته الناعمة ، أن حزب البعث لم يبق منه في موريتانيا سوى علاقات عامة ورصيد نضالي في حساب بالتاريخ :  ” إلا صداقات وذكريات مشتركة، لبعض جيل هذه ظروفه،  في أوقات قلق وخوف وأمل وتضامن حول قضية عامة ”  تنحصر في هذه الفترة على الدفاع عن ” مكانة  اللغة العربية” و “الحفاظ  على الكيان الموريتاني ” ، فيما قد  يشبه الرد الافتراضي أو الاستباقي على أسئلة المحققين !.والحقيقة أن الأستاذ ولد ابريد الليل يوحي بإماءة  ، قد لا تثير انتباه القارئ غير المهتم بتاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي، أن البعث قد انتهى فكريا  مع المؤتمر القومي السادس ومنطلقاته النظرية ؛ أي قبل التجربة البعثية في العراق واستلام الحزب للسلطة في هذا البلد ، وما جرى بعد ذلك  من تعديل لبعض تلك المنطلقات النظرية الواردة في ذلك المؤتمر.

خامسا : أن الأستاذ  يكاد يطفح بالسخط والغضب والإحباط من النظام الحاكم، بأسلوبه دون إفحاش .. ولكن تربيته العميقة و تجربته السياسية التي هي خلاصة ألم وبؤس حصنتاه من ردات الفعل المتسرعة أو القفز في متاهة لا معالم لها ؛ ولن تكون ذات جدوى. . إنه لا يرى خيارا آخر عن النظام القائم على سوئه ؛ وهو في وضعه الراهن يتبع خطى الشيخ العلامة سيديا الكبير الذي ” كان كأنه يبكي من انعدام الدولة  ( …) ولكنه سقط في وسط مجتمع قد وصل من قبله إلى مرحلة من الانحطاط والتيه ( …) وزهده وشعوره بالفخر يمنعانه من إلحاح لن يكون مجديا “. وفي ذلك رسالة للذين يتهمونه تصريحا أو تلميحا ( ولد ابريد الليل ) بمساندة النظام الحاكم، مثلما لم يكن عدم إلحاح الشيخ سيديا  على وجود  الدولة في أرض السيبة دليل على عدم اكتراثه أو اهتمامه بها  ولعل مغزى التأكيد على الشيخ سيديا في  ريادة المقاومة وأبوتها، هو ضربة، على البطن أيضا، لشعار المقاومة التي يرفعها النظام الحاكم . فمن يريد أن يؤسس للمقاومة الحقة ، بالنسبة لولد ابريد الليل، فليشطب من التاريخ الوطني كل الرموز التي بدأت مع المستعمر الفرنسي أو نتجت عنه ؛ وفي ذلك نكاية جامعة بزوايا العهد الكولونيالي  من جهة، وبني حسان المسؤولين عن مساوئ عهد السيبة من جهة أخرى ، الذين يتصارعون ، هذه الأيام، على وسام المقاومة. هذا فضلا عما يمثله الشيخ سيديا الكبير من رمزية في أحداث الماضي لهذه البلاد.

 

سادسا : سدد الأستاذ سخرية قاسية للنظام الحاكم  ” الذي لم ينصبه إلا ضميره” ، أي أخذ السلطة عنوة ؛  وهو  يسير البلاد ببساطة متناهية فيما يشبه القرارات العائلية ؛ فينصحه باللطف في تصرفاته وبتجنب الزلات والأخطاء المميتة ، خصوصا أنه يقود مجتمعا مثل مجتمع النمل محكوم بلعنة الانقسام  ولعنة الكسل ولعنة الغدر بعضه ببعض. وأخطر ما يقوم به  قائد لهذا المجتمع هو عدم تهيب الأخطاء والعجرفة والتخبط في الارتجال، دون دليل،  أثناء ” تأدية الواجب” ،  وقد داس على الحكمة منذ أول لحظة!.

سابعا : يخشى الأستاذ أن النظام الحالي يمثل إرهاصا للحديث النبوي الشريف، الذي ذكره الشيخ سيديا، بأنه يأتي زمان يسود فيه اللئام وأبناء اللئام . وفي ذلك إشارة لطيفة لنكران الجميل من النظام.. وأي جميل؟ ذلك هو ما تركه الكاتب  يشتغل به الناس !!.

ثامنا : أن الأستاذ لم يعد يرى أملا في إمكانية علاج ما أفسده  النظام الحاكم . ففيما يبدو لم يعمل بنصائحه  السابقة  التي تنطوي على قدر من الود. وهو ما عبر عنه ب ” كما أنكم قائد لن أوجه إليكم الإرشاد الغامض السابق” . فقد كان الأستاذ ينظر إلى الرئيس على أنه رئيس دولة  مدنية عصرية يحتاج لمستشارين، ولكنه وجد نفسه في مواجهة قائد بعقلية  الملوك في عصر  مملكة غانا ، وحكام الصين القديمة!. ولذا نصحه بما كان الحكماء في عهدهم ينصحون القادة، الذين  كانوا، في زمانهم، يديرون سياسة الرعية  كلها بردة فعل على حدث .

تاسعا : أختم بأن الرسالة الأخيرة والأخطر هي ما ورد في جملة واحدة عرضية ( أخي العزيز، تململكم أو رجتكم  أو وثبة إجفالكم أمام الوضع الحالي أتفهمها ، ولكنكم على غير صواب إذا اعتقدتم أنني هادئ ، بمعنى غير مكترث أو غير واع )!!. وأتصوره يقول :  الرداءة لا تحمي أحدا… والفرص تقع في الشرك ! ذلكم بعض  ما فهمته ، أو على الأصح أولته، أثناء تتبعي لمظان  مختلفة – وبقي ما يتعلق برسالته حول أهمية  توازن المؤسسات الطبيعية  في المجتمعات المتخلفة وهامشية التوازن المؤسسي فيها –   في مقال كتبه صاحبه بتجنب واع لطرائق الإفصاح ونقاء التعبير ؛ بل حبذ التعريض بدل التصريح  ” لاتساع الظن في التعريض وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته وطلب حقيقته “!!..

بقلم / محمد الكوري ولد العربي..

Go to W3Schools!