العدد 37 من جريدة الدرب العربي

العدد 37 من جريدة الدرب العربي الصادرة بتاريخ 2017/05/01 عن حزب البعث العربي الاشتراكي قطر موريتانيا

تنويه هام

تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي من أجل الأمة و رسالتها الخالدة .. ولم يتأسس لفترة محددة أو لجيل مخصوص :ماتت رموز منه ، واستشهد منه أبطال كثيرون و أسر أكثر ، وارتدت قيادات و فصلت منه أخرى .. و تعبت أو شاخت أو انطفأت وجوه بارزة أثناء المسيرة ، و أنحرف أطر و تنصل آخرون بدواعي مختلفة ، منها المخاوف و الإحباط . . و غرق بعضها في المصالح …و بقي حزب البعث في كل قطر عربي يواصل مسيرته النضالية و يؤدي رسالته الخالدة ، جيل بعد جيل ، و يحفظ لكل ذي حق حقه عبر تاريخه المجيد . و دام البعث و حزبه .. و لأمتنا الرفعة و الخلود .

 

لحمة المجتمع أولى من تعديل الدستور..!

 

هل منكم أيها العقلاء ، في مجتمعنا، من لم يسمع بأذنيه أو لم يشاهد بأم عينه تلك الأحداث المؤلمة، التي كانت ساحتها العاصمة ، نواكشوط..؟. إنها أحداث مؤسفة بعد ما تركت آثارا مؤلمة  بزيادة حزازات المجتمع الموريتاني المتآخي على مر الزمن.  وخير شاهد على ذلك  العقيدة الدينية الجامعة . وخير دليل على ذلك أيضا التاريخ والتسامح  المانع لما يؤدي إلى الاحتكاك المفضي إلى زرع التباغض ، لا سمح الله. إن من يكتب عن الثاني  من مايو لن يفتقر إلى روايات مفزعة ، كادت  أن تقتحم أسوار الحكماء وتلوث عليهم مناخ الأخوة وعبير المواطنة . لقد أصبح الناس في ذلك اليوم المشؤوم أمام  واقع يخشاه الجميع .. واقع عاشته شعوب وتعيشه الآن، وبكل تأكيد ليس من بيننا من يتمناه. فمن يستعجل الوقوع في الحروب الأهلية إلا المعتوهون. إن إبليس مطية ذلول  لمن يركبه نحو الهلاك ؛ وقد سار خلفه أتباعه بكل غبطة نحو الخيبة والخسران . وليس أشد خيبة وخسرانا للمجتمعات والدول من الحروب والتفكك والتفكيك.فتبا لكل من نذر نفسه للكراهية ، واتخذ منها مصدرا لرزقه ورفاهيته على حساب وحدتنا. والويل لكل من يتقاعس عن سد الباب في وجه الأغبياء والمغرورين ، الذين لا يهدأ لهم بال إلا حين ينغصون على شعبنا عافيته ، وإلا حين يرون إخوتهم  يتقاتلون. إنهم يدبرون في الخفاء لتمزيق عرى وحدتنا ؛ وبعضهم يتظاهر بالدفاع عن هذه الوحدة . إنهم  يدفعوننا ، سواء منهم من أسر القول ومن جهر به، إلى الفتنة  ، ليتدخل أسيادهم ، من خارج الحدود،  في شؤوننا الداخلية تحت عنوان ” لماع” وكاذب يسمونه ( حقوق الإنسان)، بعدما استنزفونا على مستوى القيم  والمصطلحات والمعاني. لقد جربناهم في شعوب وأقطار أخرى قبلنا، وانكشفوا على حقيقتهم. فسحقا لأصحاب السعير والتسعير..!!. وعلى الذين يحملون ذرة من وعي ووطنية  أن يسخروها لوأد الدعايات المسمومة ، ويشكلوا حصنا أمام مدها وتمددها. ولن يتم ذلك إلا بنشر الدعاية للمحبة والتسامح والنضال من أجل الحقوق والمساواة بالحسنى واحترام  المواطنة والوطن . فتعالوا نغرس جميعا براعم  التواد والتكافل الاجتماعي ونتعهدها بالرعاية ، ونتبادل أزهار المحبة ، فهي الطريق السالك والآمن نحو نيل الحقوق وبسط دثار المساواة،  وهي البلسم الشافي والدواء الناجع لكل الأوجاع في الماضي، وهي الدرع الواقي من الحريق الذي يأكل الأجساد جميعا، دون تمييز هذه المرة في لون البشرة..! ذلك ما نؤمن به في حزب البعث العربي الاشتراكين وذلك ما ندعوا إليه من أجل رقي مجتمعنا .. فموجات التوتر والتوتير لن تكون، أبدا،  سبيلا لبناء مجتمع ينعم بالاستقرار .  فعليكم أيها السادة العقلاء أن تكفوا عن تغذية إعلام هابط بما ينعكس بسلبية قاسية جدا على وجودكم في المستقبل. أجل.. إننا مهددون في وجودنا  كمجتمع واحد وشعب موحد بمقياسه الواسع ، الذي انصهرت فيه شعوب مجاورة ، وما كدرت صفوه، منذ عشرات القرون… فلا تضيعوا صورة المستقبل، التي نحن مسؤولون عنها جميعا ، بإثارة ماضي ليس لنا فيه جميعا أدنى مسؤولية. فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم…

 

هل اقتربت ساعة الصفر..!

اندلاع أحداث الشغب الأخيرة ، على خلفية  القانون الجديد للسير والنقل العمومي، يعطي صورة واضحة لمدى الشحن الفئوي ، الذي عملت عليه السلطة الحاكمة بجد ومثابرة، بالشراكة الفعلية مع حركة العنصريين الزنوج والفئويين الغلاة من حركة  ( إيرا ) ضد وحدة المجتمع العربي بمكونتيه : العرب السمر والعرب البيض. فالموريتانيون ، وكل من له اهتمام بالشأن الموريتاني ، يتابعون منذ أكثر من ست سنوات انتظام برامج تلفزيونية مفتوحة على الأثير مباشرة ، تبثها قنوات ” مستقلة ” تعود ملكيتها للدوائر الأمنية والدوائر القبلية القريبة من رمز النظام الحاكم. وهذه البرامج صممت ، بفجاجة ووقاحة، لفرض واقع تمزيق نسيج المجتمع العربي في البلاد عبر إشعال نار الفتنة والتحريض والكراهية وإثارة أوجاع الماضي. وقد أصر مقدمو هذه البرامج على انتظام مناظرات  القصف التحريضي بين شخصيتين عنصريتين كريهتين وقحتين، إحداهما تمجد البظان وتتطاول على العرب السمر  ( لحراطين ) والثانية تصب طوفانا من البذاءات اللفظية وعبارات الشتم والذم والقدح والتعريض بالأعراض ، والتحريض على الكراهية ضد الشريحة العربية الأخرى. كما أصرت هذه الجهات الإعلامية على أسلوب التناوب بين هاتين الشخصيتين المقيتتين. فلا  تكاد تخلو إحدى القنوات من واحدة منهما، فيما جرى تغييب كل الخطابات الوطنية الجامعة وهمشت الأحزاب السياسية الوطنية التي تحمل رؤية وطنية وحدوية. وهكذا، عاش الموريتانيون طيلة هذه الفترة على التغذية اليومية بهذه الأقذار العنصرية  التي تنتهي المسؤولية فيها أول وأخيرا إلى النظام الحاكم. وكنتيجة طبيعية لهذا الشحن الفئوي المبرمج بقصد، تنشأ جيل على ثقافة الحقد والكراهية  وتبادل الاحتقار . ومن الغريب أن هذا يحدث بانتظام برغم هلع المواطنين من نتائجه المدمرة للمجتمع وللدولة. ولقد نبه حزب البعث في جريدة الدرب منذ ثلاث سنوات على خطورة حملات الكراهية والتحريض ضد الفئات والأعراق؛ وبين أنها سياسة تحطيمية همجية ، لم يعد يخفى ما يسعى إليه النظام من وراء تشجيع هذا التحريض بين البظان والعرب السمر؛ وهو تمزيق النسيج العربي بمكونتيه ودفع هاتين المكونتين إلى جحيم حرب أهلية ، تساعد المخططين الفعليين والفاعلين الحقيقيين على تشطير البلاد، وإنهاء وجودها ضمن حدودها الإقليمية الراهنة. وقد جاءت الأحداث الأخيرة لتؤكد المؤكد، وهو أن جيلا كاملا فد تشبع بالكراهية  والتدابر ؛ وهو الذي ستنتهي على يده موريتانيا. ولقد كان لتخلف قوى الأمن وأجهزة الدولة ، بقضها وقضيدها، عن مواجهة هذه الأحداث الأخيرة، حول قانون السير، أبلغ رسالة على أن  النظام الحاكم يريد أن يعطي صورة أولية عما يخطط له من مآسي ودموع ودماء لهذا الشعب المسلم المسالم. إننا ندرك أن هذه الوضعية غاية في الخطورة ؛ وإننا من موقع المسؤولية العالية  لحزبنا في إنارة الرأي العام ، وإزاء شعبنا وبلدنا، بكل فئاته الاجتماعية  ومكوناته القومية،  نحذر من تكرار مثل هذه الأحداث و نهيب بالوطنيين جميعا، وخاصة  من الشخصيات العربية الوازنة، من كل فئاته، ومن الإخوة الزنوج والفلان : من مشايخ التصوف والعلماء والأكاديميين والمثقفين والإعلاميين ، ومن الشخصيات من أصحاب التأثير الاجتماعي المحلي أن يواجهوا هذا المخطط الرهيب الذي يستهدف وحدة البلد ، ويقوض واقع التعايش التاريخي والسكينة الاجتماعية والأخوة الدينية. إن الذين يخططون للجحيم، من الأدوات المحلية الغبية، سواء من النظام الحاكم أو الأدوات المأجورة من قوى خارجية، جميعهم سيهربون عند اندلاع أول شرارة للفتنة إلى دكار أو المغرب أو فرنسا ؛ وسيكونون ضيوفا في وسائل الإعلام العالمية التحريضية، ليلا ونهارا، ليصبوا البنزين على اللهب  بتصريحاتهم. أما المواطنون الضعفاء والفقراء والشيوخ والأطفال والجائعون  والمهمشون والمظلومون، في الماضي وفي الحاضر، فستأكلهم النيران، بعدما جمعتهم أواصر الدم والمساكنة والثقافة والمصاهرة والمجاورة والدين. فعندما تتخرب موريتانيا ، لا سمح الله، ستكون طغمة العسكر الحاكمة اليوم مجرد فصيل مسلح في مواجهة فصائل مسلحة أخرى؛ كل منها تقاتل باسم موريتانيا التي أشعلوها بالشراكة مع العنصريين وغلاة الفئوية . وهكذا، تنتهي موريتانيا بتناهش الفصائل لها ، ليبق الشعب وقودا وساحة للفوضى ، التي لا تبقي ولا تذر، خصوصا عندما يتقافز المعممون والملتحون من جحورهم  ويركبون صهوات الفتاوي  والفتاوي المضادة، التي أشعلوا  بها مشارق الأرض ومغاربها. فهل يتدارك الوطنيون ، من كل الفئات والقوميات والأحزاب والمنظمات، وضعية بلادهم ، وهل يستوعبون،  بما يكفي ، خطورة ما يلعب به النظام الحاكم بالشراكة مع قوى الغلو الاجتماعي و العنصريين ، ليتكاتفوا في وجه أقطاب الفتنة ، التي لم تعد نائمة..!!

 

التعديلات الدستورية .. برسم أفق مسدود !!

لا يناكف أحد في موريتانيا في أن بلادنا  تراقب الأفق منذ سنوات عديدة برأس منكس.. وأن مواطنينا باتوا ، في غياب  توفر الطعام  في بعض مناطقنا، كأنما يتمنون القدرة على أكل الحشائش   فيستعيدون مخزون معداتهم منها لاجتراره وإعادة هضمه ، كما تفعل المجترات !. وإذا كانت البلاد، بحق، لم تشهد في تاريخها السياسي نظاما سياسيا يحن، إلى عهده، مواطنوها ، فإنها في ظل النظام الحاكم ، اليوم، تواجه وضعيات هي الأخطر على وجودها ، منذ أحداث 1989، مع جارتها الجنوبية – السنغال : فالمجتمع  مفلوق  باتجاهات كثيرة، متقاطعة ؛ وتتجاذبه خطابات تمتح كلها من ” معين” الكراهية والسخافة  والانحطاط ؛ ورموزه السياسيون  مردوا على الكذب وسرقة العواطف بتحريك الغرائز الشعبية  باسم الشريحة والقبيلة والجهة ، وحتى بإثارة النعرات التاريخية والأسرية؛ وكل ذلك بهدف التأثير على مواطنين فقدوا الثقة في الدولة ومؤسساتها، التي انخرطت في لعبة تمزيق المجتمع؛ بل يرجع إليها العار في ابتكار ” تكتيك تسهيل” تصادم الشرائح الاجتماعية وتأجيج نار الفتنة  بهكذا عمل دنيء، عبر فتح وسائل الإعلام  للخطابات العنصرية والفئوية ، والترخيص للأحزاب الفئوية  المشهودة والموصوفة، خصوصا من المجموعة العربية الواحدة، على أساس اللون  ( البيظان في مقابل لحراطين)!!. وفي وضعية كهذه، أصبح المواطنون ينشدون الخلاص في تتبع السراب!. فعندما ارتفعت أصوات الدعاية الاثنية و الشرائحية و دعوات التحريض على الانتقام من بعض فئات المجتمع المنحدرة تاريخيا من أسياد الماضي ،انفجرت بالتوازي قنابل أخرى أبطالها رموز ذلك الماضي تدعوا إلى الانفصال ؛حاملة شحنة ضخمة من المرارة و التحمل لإرث غير منصف أجبرتها عليه الدولة التي ورثها المجتمع الموريتاني عن المستعمر الفرنسي و تأتي نبرة الإنفصال هذه المرة من أهم نواحي البلاد لتنضم الى جهات الشرق و الضفة ، التي سبق لكل منها أن أصدرت تصريحا أو تلميحا تهديدا بالانفصال ، تحت يافطة التظلم و التشكي من ظلم الدولة الوطنية القائمة .فمن أصل خمس مناطق مكونة لهذه الدولة ، هناك ثلاث أرسل بعض رموزها إشارات كافية برغبتها أو استعدادها للتنصل من وحدة البلد .ولا يخطئ المراقبون رصد هشاشة المجتمع الموريتاني الرث أصلا ، سيما  و أن فشل الدولة و مؤسساتها هو ثمرة لفشل النخب الوطنية التي لم تتخلص من انتماءاتها الأولية (قبلية ، شرائحية ، إثنية ) ،برغم ما تحمله هذه النخبة من معلومات غزيرة نظريا عن الدولة الحديثة ، كما نشأت و تطورت في المجتمعات الغربية .فبدلا من إنخراط هذه النخب في تعزيز الدولة وبناء الثقة في مؤسساتها ، إتجهت بالعكس ؛ و أصبحت في مقدمة معاول هدمها مستعينة بمهاراتها النظرية و خبراتها العملية في تحطيم بذرة الوعي المدني الذي خلفته نخبة “جيل المؤسسين ” للدولة ، والتيارات الإديولوجية التي كانت تنافس ذلك الجيل في قيادة البلاد .فلم تألو النحب الليبرالية ، في الأنظمة و معارضاتها ، جهدا لنشر ثقافة الكذب و تلويث ضمائر المواطنين بشراء مواقفهم السياسية و الانتخابية ، و شتى أساليب التحايل و التناسخ مابين الأنظمة و موالاتها ، وفي قوى المعارضة ؛ حتى بات المجتمع في عجز تام عن التفريق بين رجال الأنظمة و رجال معارضاتها .

في هذا الواقع الموصوف ، يصر النظام الحاكم على فرض تنظيم استفتاء شعبي لتعديلات دستورية ، تفتقد في ذات الوقت للمصداقية الدستورية و للمردودية السياسية الايجابية على البلاد، مع ما ترهق به البلاد من تكاليف مالية ، هي في أمس الحاجة إليها لتخفيف ظروف شعب بائس :بعضه يتأوه من العطش ، وينوح بعضه من الجوع ، ويقلق بعض ثالث على مصيره من الخوف . وهكذا أيضا ، دخلت نخبة هذا النظام ، و نخبة كل نظام بالمناسبة ، في سباق مع الزمن لإعادة المصداقية لخطاب نظام سياسي تهرأ ، بفعل ممارسات الواقع ، ولم يمتلك من علاج للانسداد السياسي الخانق و الوضع الاجتماعي المأزوم سوى استفتاء على تعديلات دستورية ، يحسبها ترياقا لكل أزماته و أمراضه و أوجاعه ، ويراها صنبورا  لإفراغ شحنات الغضب الشعبي المتصاعد ، حتى من داخل التركيبة السياسية التي يحكم باسمها .فقد امتلكت بعض القوى التقليدية ، على غير عادتها ، الجرأة في معارضة النظام في توجهاته ، مما يهدد أرضية “قاعدة التمثال “و ينذر بانزلاق البلاد نحو وضع عدم الاستقرار السياسي ، الذي طالما حذرنا منه . ويأتي هذا الهروب نحو الهاوية ، فيما تعاني المعارضة الكلاسيكية من شح قاتل في الحنكة السياسية ، وقلة النظافة التاريخية لمعظم رجالاتها ؛ أما بقية رجالاتها من ذوي المصداقية فقد نتف ريشهم ؛ الأمر الذي يترك الطريق سالكا لنخبة مشوهة ، تاريخا و سلوكا حاضرا ، تعودت الرقص وحدها ، في ملعب مفتوح بقوة و سائل الدولة ، لتمشيط أذهان المواطنين من كل وعي و كل ضمير ، ولتغني وحدها على مزامير الشيطان في حضرة من يطرب لنشيد إبليس ، دون اهتمام بالتفاصيل ، على مذبح الديمقراطية بغرض تعديلات دستورية تفتح الباب أكثر من أي وقت مضى على أفق مسدود !!

 

حول مؤتمر المغتربين العراقيين..!

انعقد ، في مدينة أفيدو في اسبانيا، مؤتمر المغتربين العراقيين، الثاني عشر ، والثالث بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. ويأتي هذا المؤتمر – بما تميز به من حضور قوي للكفاءات الوطنية العراقية من شتى الاختصاصات العلمية ، وبما شكله من لوحة وطنية جميلة عابرة لمصيبة الطائفية والمذهبية – يأتي ردا صاعقا على جهود التخريب المجتمعي التي بذلتها قوى الاحتلال  الأمريكي – الإيراني. فقد حضر إلى هذا المؤتمر ألف شخصية  عراقية مشهود لها بالوطنية والكفاءة العلمية العالمية ، حتى شكل هذا المؤتمر أروع لوحة عكست، في جمالها وتناغم ألوانها، شعب العراق الواحد  المتنوع في انتماءاته الدينية والقومية والمذهبية، كما كان في الزمن الجميل في العهد الوطني، عهد حزب البعث العربي الاشتراكي، وقائده العالمي، الشهيد الرئيس صدام حسين: فهاهنا، في أفيدو ، كان العراق  بكامله في الغربة ! .. فكان العراق الواحد المتعدد، وكان العراق بعمقه التاريخي … وكان العراق بوجهه الحضاري الإنساني الضارب في أعمق أعماق الحضارة الإنسانية ؛ بل أصل جذورها. وإذا كان العراقيون – كما هو حالهم عبر التاريخ – قد قدموا درسا قاسيا للمحتل الأمريكي ومرغوا أنف الغزاة في طمي الرافدين ورمال صحراء العراق وجرجروا جثثه بين صخوره ، حتى أجبروه على الفرار مغلوبا مذعورا دون أن يتمكن من حبك مناسب لإخراج هزيمته المدوية للعالم ، فإن العراقيين ، في تجل آخر من ابداعات المقاومة، قد لقنوا شعوب العالم ، هذه المرة ، جميعا درسا راقيا في الوطنية وفي قدرتهم واقتدارهم على التمسك بحقوقهم وعزتهم وكرامتهم ، عندما تنادت كفاءات شعب العراق ،بعد أربع عشرة سنة من الاحتلال  وجهود القوى العالمية لطمس هوية هذا الشعب العظيم، لتقول لهذا العالم  المخزي : إننا شعب العراق  العصي ، منذ الأزل وللأبد ، على التفتيت أو التنازل عن هويتنا ووطنيتنا وعزتنا. فهذا هو العنوان  العريض  البارز – بروز العراق المحفور بالخط العريض  على صفحة التاريخ البشري – في أفيدو . أما العناوين الفرعية التي تتناغم وتدعم العنوان الأصلي  فمنها قدرة العراقيين على تذويب التمايزات الاديولوجية لصالح العراق ؛ وقدرة العراقيين ، أيضا، على التنازل عن ألوانهم المميزة لصالح لون واحد هو لون العلم العراقي  في العهد الوطني ، ذي النجمات الثلاث ، تتوسطهن كلمة (الله أكبر) ، التي بدت نبوءة من الرئيس الشهيد صدام حسين أن العراق سيتعرض لغزو كوني غير مسبوق ، ولكن الله أكبر وشعب العراق أعظم وأعرق من أن ينهار ويذوب في مصاهر الاحتلال ، مهما كانت قسوتها ووحشيتها. هكذا ، برهن شعب العراق ، ممثلا في نخبته الوطنية الرائعة، أنه أهل لمواجهة الشدائد ، وأنه أهل دائما وأبدا، لتعليم الشعوب ، اليوم كما كان معلمها بالأمس، دروس الفعل الحضاري ، وأنه الشعب  الذي تستوي عنده جميع الظروف  للإبداع. فلا يعرف الانحناء . فما كان أحرى بالعرب أن ينقلوا فعاليات مؤتمر أفيدو إلى العالم للتطلع شعوبه على عظمة هذا الشعب العربي، بدلا من تجاهله والتعتيم عليه. هذا الشعب، الذي برغم ظروف الاحتلال المزدوج ( الأمريكي – الإيراني ) عكس عظمة الأمة العربية وإنسانيتها العظيمة ، خصوصا في هذه المرحلة التي تمر بها البشرية ، وهي تواجه تفجر البربرية الصهيو – أمريكية والوحشية الفارسية ؛ وحيث يلتهب العالم بالنيران في كل مكان.  شعب العراق المحتل ، الذي قاسى الإبادة الجماعية، وما زال يقاسيها دون هوادة، لم يركن إلى الإرهاب ، ولم يهاجم أي شعب خارج حدوده وظل فعله المقاوم في نطاق رفع الظلم عنه بطرد الغزاة وقوى الاحتلال المرتبطة به وإفرازاته السياسية القذرة الإجرامية. والسؤال المحير هو : لمصلحة من تجاهل أكثر من خمسين قناة ” عربية” ، تواصل الليل بالنهار في بث التفاهات ” لهذا المؤتمر في وقت تعرض طوفانا من المسلسلات الخليعة والأخبار الصفراء.. حقا، ما زال صانع القرار في ما تبقى من النظام العربي الرسمي يغط نوما في علبة التبعية الأمريكية. وقبل أن نهي هذه السطور عن مؤتمر الشعب العراقي في الغربة بمدينة أفيدو الاسبانية، لا بد من تقديم كلمة شكر مستحقة  لقناة المستقلة خاصة ،ولمالكها الشريف محمد الهاشمي الحامدي بوجه أخص، التي تابع العرب والمسلمون والأحرار في العالم على شاشتها الموقرة مقابلتين عن مؤتمر المغتربين العراقيين في أفيدو؛ الأولى مع المناضل- الثورة صلاح المختار ، والثانية مع المناضل ،الذي لا تلينه الظروف ، صباح الخزاعي. فسجلت هذه القناة شرف السبق للفضل والإنسانية  والعروبة والإسلام، عندما شذت عن قنوات العمالة والتبعية… والرداءة..!!

هل الأمن في نواكشوط .. مطلب لا يرتجى !؟

لطالما كتبنا عن موجة الفلتان الأمني التي تفجرت على نحو  جنوني في العاصمة نواكشوط .. وقد كنا سباقين إلى دق ناقوس خطر غياب الأمن و انتشار عصابات الحرابة و السطو المسلح التي باتت تسيطر على جميع أحياء العاصمة ،عندما ينشر الليل ظلامه ، تستوي في ذلك أطرافها و مركزها .وقد نبهنا أن هذه العصابات ، إذا لم تواجه بجدية وصرامة ، وطبق فيها قانون رادع ،فإنها مع مرور الوقت ستنجح في نشر الرعب بين المواطنين ، بحيث أنهم يستسلمون لأمر الواقع ؛ فينزحون عن المدينة نحو أماكن آمنة داخل البلاد و إما أن يضطروا لاقتناء السلاح للدفاع عن أرواحهم و ممتلكاتهم . وانتشار السلاح بين أيدي الناس ليس أقل خطرا على أمن المواطنين و سلامتهم من عصابات السطو المسلح .وبرغم أن هذا الخطر بدأت نذره تتزايد من أكثر من ثلاث سنوات ـ لم نقصر خلالها في الحديث عن أمن المواطن ـ إلا أن السلطات ، وحتى كتابة هذه السطور ، ظلت حبيسة ردات فعل خجولة على جرائم عصابات الحرابة و السطو . فلم نشهد حملة أمنية منظمة ، لها بعد إستراتيجي يفتش عن أفراد هذه العصابات ، ويحاصر أماكن إختبائها و يصادر أسلحتها ، ولا حتى تأمين اعتقال بعض أفرادها الذين يقعون بين الحين و الآخر في قبضة الشرطة ؛ بل إنهم يدخلون من الباب الأمامي و يخرجون من الباب الخلفي . كذلك لم نشهد أي إجراء يعنى بإعادة الاعتبار و تعزيز الأهلية الأمنية لمنظومة الشرطة التي تواجه إهمالا متعمدا مع هذا النظام الحاكم ، دون إعطاء مبرر وطني ، ودون وضع بنية أمنية كفوءة بديلة عن المنظومة الشرطية ، ومن أغرب الغرائب فيما يتداوله المواطنون ، أن المواطنين في بعض الأحيان يمسكون ببعض هؤلاء المجرمين ، ولكن لا يجدون جهة أمنية تستلمهم منهم . و في أحايين أخرى ، يمسك المواطنون بالعصابات ، فيسلمونها للجهات الأمنية ، وفي الليلة الموالية تغير هذه العصابات بذات الأفراد على الأسر التي سلمتها للشرطة ، فيكون السطو هذه المرة بدافع انتقامي.

هذا ، وقد نبهنا أن انتشار السلاح بين المواطنين البسطاء ليس حلا أمنيا ، و إنما يجعل الدولة في مواجهة شعب مسلح ، قد تضطر يوما لتقديم تكاليف بشرية و مادية لاستعادة هذا السلاح و حصره بيد أجهزة الدولة ، من جديد .و المحير في وضعيتنا الأمنية ، هو أن الدولة غارقة في عدم الاهتمام بمواجهة موجة الفلتان الأمني الذي أصبح حديث الناس داخل البيوت و في الشوارع ، و المحلات و المكاتب العمومية و المرافق الخدمية .إننا نحذر هذه السلطات من نتائج مواصلة التغاضي عن هذا الانفلات الأمني ، الذي قد يحمل المجتمع على فتنة أهلية تنسف الدولة و المجتمع برمتهما .

 

تصريحات مسئولي قطاع الصحة.. غبار للتعمية على الانهيار .!!

منذ تسلم  الرئيس الحالي مقاليد الأمور ، على رأس النظام في موريتانيا ، وهو يدبج  الخطب والشعارات عن القيام بثورة شاملة ، وعلى جميع الأصعدة ، بدءا  بمحاربة الفساد وإصلاح التعليم  وتطوير المنظومة الصحية ، سبيلا للرفع من مستوى المواطن الفقير . ومنذ هذه الفترة يلاحظ المواطنون التدهور المستمر لوضعية المرافق التعليمية والصحية على المستوى الوطني ح؛ حيث كثر أخيرا  الحديث عن العديد من الإشكالات  التي تطال المجال الصحي . ولعل أبرز تلك الإشكالات ، هي إشكالات  ضعف ؛ بل تهرأ أغلب البنى التحتية  وشح طاقتها الاستيعابية . ففي الوقت ، الذي يتفاخر النظام ببناء المستشفيات وبإنجاز طفرة  نوعية  على مستوى البنية الصحية بشكل عام، ترتفع الأصوات من عاصمة البلاد ومن أغلب المدن الداخلية مطالبة بتوفير أماكن الحجز المرضي ( السريري) ، وتوفير الكوادر الطبية القادرة على  إسداء خدمات تشخيص ناجعة، بدل ما شاع من التشخيصات المتخبطة عن عدم كفاءة أو عدم مسؤولية. وحين يشكو سكان الداخل من أن أغلب حالات حجز المرضى تتم داخل عنابر أقرب إلى حظائر التلقيح الصناعي للحيوانات منها إلى غرف للبشر ، يشكو جميع سكان البلاد من عدم  فعالية الأدوية المستوردة، بل يتهمون السلطات المعنية بالتغافل أو التواطئ ، في اغلب الأحيان، مع مجاميع من السماسرة الجشعين، الذين رخصت لهم  السلطات باستيراد هذه السموم، في شكل عقاقير وأدوية. هذا فضلا عن تنامي ظاهرة الأخطاء الطبية المتواترة، التي باتت تؤرق المواطنين الموريتانيين ، أينما كانوا. فالحديث عن ترك أدوات الجراحة ، من مشارط وضمادات ومنشفات وحزم الخيوط والكتان…، هو العملة الرائجة بأسلوب السخرية والتندر والغضب. وهم (  المواطنون ) يعتبرون تواتر هذه الأخطاء ترجمة للتسيب واللامسؤولية اللذين يكتسحان قطاع الصحة. فهي ، دائما، أخطاء جسيمة، قاتلة . فالمريض عليه أن يواجه: إما تشخيص فاسد يؤدي لوصفة فاسدة،  فيموت. أو يواجه تشخيصا فاسدا يقود للتباطئ  ، بحيث يؤدي في النهاية إلى تفويت فرصة العلاج على المستوى الوطني أو خارج البلاد ، فيموت. وإما أن يواجه تشخيصا جيدا، ولكنه يستعمل أدوية مزورة أو انتهت صلاحيتها ، أو تعرضت لدرجات حرارة قوية ،  فتحولت إلى سموم، فيموت. والمريض فوق هذا وذلك يواجه في بلده أطباء غلاظ القلوب والأكباد،  لم يدع  الله فيها ذرة من رحمة أو شفقة؛ بل مجموعة تتاجر في صحة الناس وحياتهم ويستثمرون في معاناتهم، فأثروا ثراء فاحشا على حساب الإنسانية وأخلاقيات المهنة.  مما اضطر المواطنين إلى التوجه ، في كل مرض كبير ومرض صغير، إلى المغرب أو تونس أو السنغال، بحثا، أول عن العناية، وثانيا عن الدقة في التشخيص، وثالثا عن أخلاقيات المهنة الطبية، ورابعا عن احترام الإنسانية، وخامسا عن الأدوية غير المزورة ولا المنتهية الصلاحية، وسادسا عن الأسعار المناسبة ..!!، بعد أن يئسوا عن الحصول على كل هذا في بلدهم المتسيب. هذا هو الواقع، ونحن نكتب عن حقوق المواطنين المغيبة في وطنهم؛ فهم مدار عملنا واهتمامنا، نعارض من أجلهم ونوالي لمصلحتهم. وهذا هو الواقع المرير الذي جعلنا في جريدة الدرب العربي نتساءل عن الجدوى من التصريحات الدائمة لرموز النظام الحاكم والموالاة الداعمة له ، وعن أحاديثهم عن   ( وجود ثورة على مستوى قطاع الصحة )، أم أن الأمر لا يعدو كونه زوبعة من داخل القطاع للتعمية على انهيار هذا القطاع، كما ينهار فيه كل شيء مفيد..!

 

الأسلوب الجديد للتهرب من تحقيق المطالب المشروعة  في موريتانيا.

 

تتعدد وسائل الرفض التقليدية  لدى الأنظمة السياسية في العالم الثالث وهذه الوسائل تعتمد في الغالب أسلوب القهر بحكم غلبة السلطة على البسطاء ومن لا يملكون قدرة المواجهة والتصدي.

وفي النموذج المذكور ضمنت  الأحكام السياسية الموريتانية ـ المتعاقبة على البلد منذ استقلاله ـ مكانة مرموقة طوقت بها الحركة الاجتماعية كلما تطلعت مجموعة أو أفراد من المجتمع إلى رفع مطالبهم المشروعة ونتج عن ذلك رعب مبدئي في صفوف الشعب حتى صار لا يرفع مطلبا إلا من أصبح يتشوق  للتعذيب والسجن والحرمان المترّك (الموروث) وأدى هذا الوضع إلى خنوع الكثير من الرجال ليس ذمامة مخافة ما سيحل بهم وإنما شفقة على أبنائهم الذين سيتعرضون للتهميش والحرمان إن هم انحازوا إلى صف المظلومين.

وكما خنع كثيرون فإن ثمة من كافح وتصدى لهذا الواقع وتعرض لحرمان معقلن لكنه ظل مجابها فساعد كفاحه على تحسن طفيف في العقلية لدى الحكام.

هذا التحسن تجلى من خلال الخطاب الجديد الذي تبناه النظام منذ انقلاب 2005 المعتمد تصاريح من قبيل محاربة الفساد، رئاسة الفقراء، الوقوف مع المهمشين … لكن الواقع كانت له قراءات تبرز عكس المقال.

فتزامنت مع  ظهور الخطاب (الجماهري) ممارسات خفية ما تفتأ تشل الحركة الاجتماعية بوقع أشد بكثير مما كان مألوفا في المراحل السابقة لأنها تميزت بفلسفة العصابات وعمل المجموعات التقشفية، فكلما ضايقت السلطة مطالب مشروعة معينة وضعتها ضمن قرار يشملها مع مواضيع  ثانوية أو غير مستعجلة وفي ظرف سياسي واجتماعي غير مناسب لحلها كي تنفر منها الجماهير المغمورة بالفقر والعطش والبطالة والمحتارة من جراء تردي الخدمة العمومية . وهكذا يتم التهرب من المطالب المشروعة بسبب عدم مشروعية أخرى أجملت معها، ثم إن المبالغ التي ترصد  لتكاليف العملية تكون باهظة في وقت الوضع الاقتصادي يؤشر الإفلاس والعجز وهو ما يدفع الشعب في النهاية إلى رفض المقترحات التي كانت يوما مطالب مشروعة بسبب إجحافها بالميزانية  التي هي غامضة في الأساس والواضح عنها يؤشر عدم إمكانية زيادة الإنفاق.

ولو أن التجارب من هذا النوع شبه معدومة( رفض الشعب في العالم الثالث لقرار يقترحه النظام) إلا أنه عندما تصل المسألة عتبة الإفلاس يرتعب الكل وبالخصوص عندما يصاحب هذا الإفلاس سوء الخدمة وضخامة الإنفاق على الأمور الثانوية.

ولكي نخلص من  التأطير الأدبي إلى الأمثلة الحية نقدم نموذجين من المطالب المشروعة راحا ضحية  المزج بغير المشروع.

ـ خلال السنوات الماضية كانت هناك مطالب ملحة بضرورة إعادة النظر في النشيد الوطني للبلاد الذي يخلو من النبرة الحماسية ذات البعد الوطني المرتبط بالأرض ـ هو نص لشيخ رباني نشده قبل استقلال البلد ولم يكن يرمي منه إلى أن يكون نشيدا وطنيا ـ إضافة إلى حل مجلس الشيوخ وإحلال مجالس جهوية محله.

ونتيجة لمشروعية هذه المطالب قدمت السلطة مقترحات ، مررتها عبر حوار سمي (الحوار الشامل) في وقت غابت عنه أغلب الأحزاب والمجموعات السياسية التاريخية في البلد، كان الهدف منها هو إبعاد تلك المطالب عن المسرح الجماهيري بذريعة أن الشعب (رفضها) في استفتاء!.

ـ النموذج الثاني: انتبه الكثير من المواطنين خاصة من لهم درجة معينة من الوعي إلى خطورة حالة النقل وعلى وجه التحديد خطورة الشاحنات التي تمر من الأراضي الموريتانية قادمة من مالي والمغرب وهي تنقل حمولة تتجاوز الوزن المقدر لطريقنا الرسمي تحمله مما أدى  بشكل دائم إلى إتلاف هذا الطريق، فرفعت مطالب تنبه على هذه الخطورة ،إضافة إلى التنبيه على سوء تنظيم النقل المدني وخاصة سيارات الأجرة التي غدت تشبه نفايات الحديد أكثر منها سيارات تأوي  الركاب.

ولكي تبعد السلطة العمومية هذه المطالب عن ميادين القبول وضعتها ضمن قرارها الأخير المتضمن تنفيذ قانون قديم كان معطلا واستحدث تنفيذه مشروطا بدفع مبالغ مالية مجحفة يصعب على الناقل البسيط توفيرها كمعد عام لدخله الشهري أحرى في ظرف يومي!  هذا مع العلم أن  المستهدف بها أساسا هي الطبقة البسيطة.

ومن المتوقع جدا أن تتراجع السلطة عن القرارات التي هي اليوم تحشد الشعب ظاهريا للتصويت عليها، وتلك التي أعلنت عن تنفيذها في سبيل تنظيم الحركة الحضرية وستتذرع برفض الشعب لهذه القرارات. والحقيقة أنها لم تقدمه للقبول لأنها ضمنتها قضايا غير مقبولة كأسلوب جديد للتهرب من تحقيق المطالب المشروعة.

حق المجنون .. حاجة العاقل!

 

 

درس علماء النفس وأطباء الأعصاب والأخصائيين الاجتماعيين حالة الشخص المجنون، وطبيعة التفاعل معه، مقسمين الجنون إلى مستويات متعددة، ومفرقين بين المعتوه والمجنون الذي يمكن القول عنه إنه الشخص الغير قادر على تمييز الصواب في القول أو الفعل من الخطأ، والذي لا يمكن توقع ما يصدر عنه على خلاف الشخص العاقل، ومهما يكن حاله فهذا لا ينفي صفة الإنسان عنه، وإن حرمه الله عز وجل نعمة العقل لحكمة لا يعلمها إلا علاّم الغيوب، ولإنه كان على هكذا وضع فهو لا يدرك ماله وما عليه، ومن الإجحاف أن نتوقع منه عدم الخطأ في حقنا، أو نأمل منه خيرا في حقنا، كما من الحيف أن ننتظر منه أن يطالب بحقه في توفير لقمة خبز تسد رمق جوعه، أو شربة ماء تروي عطشه، أو الحصول على دواء لداء ألم به، أو مسكنا يأويه من التشرد في الشوارع، أو ملبسا يكفيه شرور الطقس…..

وفي المقابل أنعم الله على غيره بالعقل، لما يعنيه ذلك من تحمل للمسؤولية الأخلاقية عن وضع أخ له في الحياة، فما بالك إذا جمعهما الوطن والنسب ـ وقبل أن يعيب أحدهم علينا أننا لم نقل يجمعهما الدين فالمجنون لا دين له بحكم انتفاء شرط صحة الدين ـ وهي مسؤولية الفرد كواحد يحقق بالتزامه المسؤولية الجماعية، وتمثل الدولة بحكم وظيفتها وأصل مشروعيتها الإطار المعبر عن مدى تحمل المجتمع لمسؤولياته الحضارية، وهنا عملت الدول على اختلاف مستوياتها أن تقدم الحقوق لمواطنيها، إلا أنها تشترك في سمة تغليب حقوق أصحاب الحق الناطقين تحت ضغط مطالب أصحابها، فيما تبقى حقوق أصحاب الحق الصامتين مهملة منسية، لأن أصحابها ببساطة هم مواطنون من درجات ـ ثانية وثالثة وعاشرة ـ تتفاوت في أولويتها خدميا، ولعل أدناها في الترتيب، أولئك المجانين الذين يتجولون في الشوارع، دون مأوى ويقتاتون من فضلات القمامة وتهلكهم الأوبئة على جنبات الطرق دون أبسط رعاية، منهم من ولد مجنونا ومن أصابته علاّت الدنيا بالجنون، وفي قطرنا حيث لازال بقية من دين وأخلاق نحبس مجانيننا في البيوت، ومع ذلك يجد الكثير منهم طريقه إلى المجهول، هاربا لا يعرف مما ذا؟ ولا إلى أين؟ أو تمنع الأهل ظروفا اقتصادية أو اجتماعية فيتركونه سائحا وعلى الله رزقه.

واقع المجانين وظروف عيشهم على الأرصفة وفي الأزقة، واقع نتحمل جميعا المسؤولية عنه، فالنخبة ابتعدت بأفكارها ونقاشاتها في الثقافة والفكر والسياسة عن سهل ممتنع و”واضح توضيحه يزده إشكالا”، وهي التي يتوقع منها تذكير الدولة بنقاط التقصير في سياساتها، وأن تكون لسان من لا لسان له، وعقلا لمن لا عقل له، أما الدولة فلا تعدو كونها المرآة العاكسة لما عليه نخبتها، وهي التي يحكم عقول القائمين عليها سلطان الفساد، ويعتمدون مبدأ “التفݤـريش”، فيهملون حقوق الأصحاء فما بالك بحقوق المجانين.

إن منح المجنون حقه ليس فعلا يقتصر أثره على المجنون فحسب، بل يتجاوزه إلى المجتمع الذي سيكون في أمان من بطش من يبطش من المجانين، وتتوفر له الحماية الصحية بحرمان فيروسات القمامة من أجسام تنقلها إلى من تحتك بهم، وبإيواء المجانين يتحسن مظهر المدينة……، وبالتالي فتوفير حق الشخص المجنون حاجة الشخص العاقل، وما يحول دون ذلك في اعتقادي هو غياب هذه الحقيقة عن ذهن المسؤول في قطرنا، إلى جانب ضبابية الرؤية حول استراتيجية إنمائية حقيقية، مدفوعة بإرادة سياسية صادقة.

بالعودة إلى البنى التحتية الصحية في قطرنا العزيز، نلاحظ انعدام المؤسسات الصحية لعلاج الأمراض العصبية والنفسية، إلا ما كان من المستشفى المعروف شعبيا ب “طب ݘـاه” وهو مركز صحي يفتقر للتجهيزات الضرورية والكادر الطبي المهني، إلى جانب ضيقه، في الوقت الذي تدشن المستشفيات لأمراض مختلفة ـ على أهميتها ـ دون لفتة كريمة لحاجة هؤلاء المجانين المساكين إلى وجود مصحات عقلية تنفق الدولة عليها، وتوفر العلاج لمن يؤمل في شفائه من جنونه، وللآخر يجد بيتا حيث الرفقة، ولم لا الاستفادة منهم في نشاط مدر للدخل يدربون على مزاولته في المصحات.

على الشخص العاقل أن يحمد الله عز وجل ويشكره على نعمة العقل، ولا يكون شكرها إلا بتحمل ما يترافق مع هذه النعمة من مسؤوليات شرعية وأخلاقية، يتفاوت العاقلون في مستوى إدراكها وتبنيها، وأداء الواجب المترتب عنها، وقد ينسى الإنسان في ظل المشاغل والهموم، أن يقوم بواجب ما، ولكن ما لا يغتفر هو أن يتذكر واجبه فيأبى تأديته، أو يذكّر به فيصيبه الأنا، ويحول بينه وأداء أمانة حمّلها يوم ولد، وساعتها يكون المجنون بحق، وأخشى أن نخبتنا اليوم على الطريق لتكون مجانين في هيئة عاقلين.