ما بعد العقيد أعل ولد محمد فال

شكل الرجل رغم التحفظ الذي تميز به في العديد من المواقف الحساسة التي مرت بها سفينة البلد معادلة صعبة و إحراجا منقطع النظير لزملائه في السلاح الذين شاركوا معه في الإطاحة بنظام معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع تلك الإطاحة التي يعزوها البعض لنفسه و يعتبرها تحركا نحو إنقاذ البلاد وخطوة لتقليل من قيمة الرجل و مستواه و مهنيته و ثقافته العالية و التزامه العسكري و الانضباط الذي تميز به خلال إدارته العديد من الملفات الأمنية فالرجل يتوفر علي قاعدة بيانات دقيقة حول الحالة السياسية للبلد وملفات الإرث الإنساني و الممارسات الإسترقاقية و السجن التعسفي و محاضر التحقيق و طائرة ولد بوسيف و تصفية الأمير أحمد سالم ولد سيدي و طائرة والي انواذيبو ورحيل العقيد محمد الأمين ولد أنجيان وحتى ملفات أمنية معقدة فالرجل قاد سفينة الأمن بجدارة و استحقاق في فترة كانت فيها الآليات المستخدمة بداية مما مكن الرجل من تجنيد رجال و نساء يعملون لصالحه لازال بعضهم وفيا حتي اللحظة و يتقاضي امتيازاته من داخل المنزل و يسهم إلي الأمس الغريب في تزويد الرجل بمعلومات دقيقة حتي من داخل النظام فحجم العلاقة التي تربط الرجل بالصحفيين و المدونين و السياسيين و حتي الباعة المتجولون و المتسولون تدرك من خلالها أن الرجل ذاكرة شعب و رجل أمن بامتياز وهذا ما جعل السلطات الحاكمة في موريتانيا تقف عاجزة عن توقيفه أو مسائلته أو حتي الاستماع إليه و هي أمور كان قد طالب هو بها في ظل اتهامات الفساد التي كان قد تعرض لها و أكد أنه مستعدا لذلك و أنه في حالة ما أقدمت الدولة علي هذا الفعل فإنه سيكون مرغما علي إخراج ما لديه هذا ما جعل الدولة تعيش خجلا من الخوض في فلك الممنوع ،إن لغة الاستفزاز الذي يتعرض له الرجل و المضايقات التي أصبحت تلاحقه و الاتهامات المتواصلة التي تحيط به وبعلاقاته مع بعض القوي الأجنبية و المعارضين في الخارج خصوصا الهجوم ألاذع الذي يتعرض له من طرف حاكم موريتانيا الحالي بخصوص ضرورة نقش أسماء الشيوخ المعارضين للتعديلات الدستورية بالذهب علي جدار مجلس الشيوخ، قد تكون من بين عوامل أخري أعطت قوة خارقة للرجل لأنه خلال مسيرته الطويلة في معارضة النظام لم يوجه كلمة واحدة بصفة شخصية لرئيس موريتانيا الحالي و بقي خطاب الرئيس الراحل منحصرا حول موريتانيا مختطفة من طرف زمرة عسكرية تقود البلاد و العباد نحو الهلاك، و إن كانت الأسابيع الماضية قبل رحيل الرجل قد شهدت حراكا كبيرا من أجل طي صفحة الخلاف بين الجنرال و العقيد لكنها مبادرات باءت بالفشل بسبب وصف الجنرال عزيز لشروط العقيد الراحل أعل ولد محمد فال بالصعبة و إن لم تكن هذه الشروط قد صدرت بصفة رسمية من طرف الرجل إلا أن بعض المغربين من الرجلين حددوها بأنها ليست شخصية بل وطنية تتعلق بالسلطة و النظام و الديمقراطية و التناوب و العدالة الاجتماعية و الحكم الرشيد و أمور أخري لكنها في جلها لا توجد فيها أية مطالب شخصية لرجل فالرجل لا يريد مالا ولا جاها و لا تعيينا ولا أي امتياز شخصي، ومهما يكن فإن العقيد أعل ولد محمد فال رحل عن دنيانا في بوادي تيرس الزمور و علي بعد 90 كلم من مدينة أزويرات بعد أن أسهم في تشكيل جزءا معتبرا من تاريخ هذا البلد، رحل بعد حياة مهنية طويلة تميزت بالدفاع عن الوطن و حماية حوزته الترابية و إدارة أمنه رغم الإيجابيات و السلبيات، رحل رجلا عظيما تولي قيادة البلاد سنتين فألتزم بتسليم السلطة للمدنين فوعد الحر دين عليه، غادر القصر و دخل حياته الطبيعية و بدأ في ترتيب أمور داخلية لكنه أدرك في منتصف المطاف أن من تكفل بهم و ساعدهم و أدخلهم المؤسسة العسكرية و تبناهم حتي وصلوا لما هم فيه الآن انقلبوا عليه في وضح النهار وبدءوا يخططون لأمر ما وهو إجهاض الحلم الذي أسسه بنفسه لموريتانيا الجديدة موريتانيا الديمقراطية موريتانيا التناوب، عاد من جديد مؤمنا بموريتانيا فنزل للشارع و شارك في المسيرات و المظاهرات و تعطر بأصوات وروائح مسيلات الدموع عانق دموع الطامحين لموريتانيا العدالة، خذله المجتمع و أصطف من كانوا يمسحون حذائه بالأمس ضده ووصفوه بأنواع الوصف التي لا تليق بأنه حسود و أنه متآمر و أنه عميل و أنه يجب سجنه و رميه و مصادرته و حتي تقديمه للعدالة لكنهم لا يدركون أنه في حلبات المصارعة و الملاكمة هناك أوزان قد يصعب التعامل معها حتي ولو كانت ميتة، إن الهبة الجماهيرية الكبيرة التي شهدها أنواكشوط خلال الساعات الأولي لوفاة الرجل ورحيله عن هذه الدنيا قد لا تكون مشرفة أخلاقية و تدرك من خلالها أننا شعب منافق حتي النخاع و متملق و مجرم فقبل هذه الهبة كان الرئيس الراحل مصادرا و من يحاولون زيارته أو اللقاء معه أو دعم توجهه أو طلب مساعدته يتخذون طرق مختلفة من أجل ذلك لأن أعين أخري تراقبهم و أجهزة أخري مكلفة برصد تحركاتهم الرجل فقد ثقته في مجتمعه لكن بقي متعلقا بوطنه عاش كريما سخيا مرحا يساعد المستضعفين و يتكفل بالعديد من الأنشطة ذات الطابع الاجتماعي لم يؤسس هيئة خيرية و لم يسمح لأفراد أسرته و لا زوجته بالارتماء في أحضان الشأن العام و بقي في مواجهة الواقع بنفسه حتي ودع هذه الدنيا في يوم الجمعة 05 مايو 2017 في أزويرات.
رحم الله الفقيد ………………. و للحديث بقية.
Go to W3Schools!