موريتانيا: حين يترجل فرسان الجيش والسياسة

من اليمين، الفقيدان: اعل ولد محمد فال، و عثمان ولد اعبيد لحمر ولد ارميظين

رجالات وفرسان الجمهورية الإسلامية الموريتانية تترجل في صمت مهيب، فبعد توديعنا للواء عثمان ولد اعبيد لحمر ولد ارميظين، اليوم نودع العقيد والرئيس السابق أعل ولد محمد فال.

لقد عرف رجالات موريتانيا وأبناؤها البرره من أبناء المؤسسة العسكرية بالوفاء للوطن وخدمته بصمت وبعيدا عن الأضواء، حيث يرابطون يد على الزناد ويد تمتد بالخير خدمة للشعب.

أبناء موريتانيا وجنودها المجهولين يختلفون سياسيا لكنهم لا يساومون في مسألة الوطن ووحدته وأمنه، من بين هؤلاء كان الرئيس أعل ولد محمد فال رحمه الله تعالى، حيث تقول بعض المصادر أنه  ولد ـ رحمة الله عليه ـ سنة 1952، ودرس التعليم الابتدائي في الفترة ما بين (1960/1966)، قبل أن ينال شهادة البكالوريا الثانوية، ثم الإجازة في القانون من المملكة المغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي.
التحق العقيد أعلي ولد محمد فال بالجيش مبكرا في نهاية الستينيات، وسافر إلى فرنسا لمواصلة التعليم العسكري، حيث ظل يدرس بالأكاديمية العسكرية حتى سنة 1973.
أرسل ولد محمد فال نهاية العام 1973 إلى المملكة المغربية ليدخل الأكاديمية العسكرية بمدينة مكناس لمدة ثلاث سنوات، حيث استدعي سنة 1979 للحرب بين موريتانيا وجبهة البوليساريو.
في الأيام الأولى لاندلاع الحرب بين موريتانيا وجبهة البوليساريو أوكلت للرئيس السابق أعلي ولد محمد المتخرج حديثا مهمة تولي قيادة وحدات عسكرية مستقلة للقتال على جبهات التماس الأمامية للحرب، وكان أداء وحداته التي يترأسها أداء جيدا نال رضاء القادة العسكريين الذين يتولون قيادة الحرب حينها مما ساهم في منحه تقدمات عسكرية باستحقاق.
وفي العام 1984 ظهر اسم الرئيس الراحل أعلي ولد محمد فال بين أسماء الضباط العسكريين الذي شاركوا في الانقلاب العسكري ضد الرئيس محمد خونه ولد هيداله.
وتولى العقيد ولد محمد فال إدارة جهاز الأمن لمدة 20 سنة، حتى سنة 2005، وكان من أهم المساعدين والمقربين من الرئيس السابق معاوية ولد الطايع.
تولى ولد محمد فال رئاسة موريتانيا في الثالث من أغسطس سنة 2005، بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بنظام العقيد معاوية ولد الطايع من طرف (المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية).
وقاد ولد محمد فال المرحلة الانتقالية حيث سلم السلطة بعد سنتين من الحكم للرئيس المدني المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.
شارك الرئيس الراحل أعلي ولد محمد فال في الانتخابات الرئاسية سنة 2009، والتحق بركب المعارضين لنظام الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، وكان ضمن أهم القادة السياسيين المناهضين للنظام بتنسيق مع المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة.

نقل عن الرئيس الراحل أعل ولد محمد فال أنه كان يرى أن الأمن في موريتانيا لا يتحقق بالوسائل العسكرية وأن نجاح بلاده في التصدي للموجة العنصرية خلال حرب 1989 لم يتم بسبب قوتها العسكرية وإنما عبر إلتفاف قوى أساسية حولها في الداخل والخارج.
لم يكن ولد فال حينذاك يتوقع سقوط جدار برلين وتغير العالم من حال إلى حال لكني أظن انه قد يصل إلى الاستنتاج نفسه في معالجة الشؤون الداخلية في بلاده أي بالائتلاف والإصلاح وليس بالآلة العسكرية.
وصفه أحد الصحفيين العرب: يأنه رجل شبيه بجميل السيد أو جوني عبده اللبنانيين في طريقة تفكيره وفي قدرته على صنع الزعماء مع فارق وحيد انه بخلاف الرجلين عاش عشرين عاما في الظل ويكره مظاهر السلطة ويفضل قضاء أوقات الفراغ مع أسرته وأقاربه مستخدما إلى حد الإفراط إتقانه لروح الدعابة وفي هذا فارق مهم مع عبده والسيد وربما مع كل صانعي الرؤساء في العالم الثالث.

أكدت موريتانيا اليوم من خلالها تناديها بكل ألوانها وجهاتها للدعاء والترحم على روح الراحل أعل ولد محمد فال أن خلافاتها السياسية لا تطمس عطاء رجالاتها وأبنائها البررة ودماء الموريتانيين مختلطة بكل ألونها وجهاتها تقف سد منيعا أمام المزايدين والعابثين بوحدتها وتماسكها.

ولعل وفاة الراحل تشكل رسالة للداخل والخارج على أن موريتانيا متماسكة موحدة مؤمنة صابرة محتسبة اليوم فرجالاتها وفرسانها في الميادين السياسية والعسكرية يتفقون ويختلفون في السياسة ولكنهم لا يختلفون في الولاء لموريتانيا والوطنية تجري في دمائهم وعلى المزايدين والمتربصين أن يفهموا الرسالة.