ملكيون أكثر من الملك

محمد نعمه عمر.jpg

لست من الذين استوقفهم ومن الوهلة الأولى تهريج وزير المالية والاقتصاد الذي سن نازلة مطالبة الرئيس بمأمورية ثالثة، وحاول يائسا تفسير ما ذهب إليه بالقول إن المأمورية تعني منهجا وسلوكا، ورفض سحب عبارته غير الموفقة.

وعلى خطاه سار وزير العدل وكان أكثر صراحة رغم أن سنه ومكانته القانونية يفرضان عليه التؤدة والاتزان، وأن لا ينطق بلغو القول الذي من شأنه أن يحسب على رجل قانون مثله، حتى وإن كان يقف أمام البرلمانيين بصفته السياسية لا القانونية.

لقد كان جليا، أن الأمر مجرد استحضار لقاموس المحاباة والطاعة العمياء لتسجيل موقف قد يستهوي الكثيرين من الشيعة كما تبين، ويسيء إلى العقلاء وهم قلة في معسكر النظام، الذي لم يخف رأسه امتعاضه من الغلو في استخدام اللغة الخشبية، لغة شجعت من قبل بعض القادة لتغيير قوالبهم الذهنية فتحولوا من الديمقراطية إلى نظام حكم “الكستابو”.

صدمتي من طريقة التعاطي مع وهم التمديد لم تكن في حجم منكر الفعل الذي ذهب إليه وزير الثقافة الناطق الرسمي باسم الحكومة، في تبريره لحادثة انقطاع التيار الكهربائي أثناء معرض الرسوم الكاريكاتيرية في المتحف الوطني.

 الوزير الذي قال إن بعض اللوحات لا تتماشى مع روح المكان لأنه مؤسسة رسمية، ويتنافى أيضا مع المهنية، لا يدرك أن الكاريكاتير فن من فنون التنوير ولا يمكن حجبه بالظلام.

أنا على يقين أن معالي الوزير وهو يلهث للحاق بوزيري التمديد اللذان سجلا أكثر المواقف صفاقة، هو بالفعل من أمر بقطع التيار الكهربائي في اجترار منه لثقافة المؤامرات والدهاء والخبث السياسي المستخدم بشكل سوقي في السياسة المحلية داخل موريتانيا الأعماق.

الوزير أراد أن لا تعرض لوحة تسيء إلى النظام في مرفق عمومي، إذن يجب أن لا تعرض مسرحية في دار الشباب إلا بعد الاطلاع على نصها وشخوصها فقد يكون من ضمن ممثليها عنصر معارض مغضوب عليه.

أما عن اللوحة المهنية ففي اعتقادي أن الوزير نجح بالفعل في سن نازلة في القاموس الوظيفي تعادل نازلة التمديد وتعديل الدستور في القاموسين السياسي والقانوني، فمن يتطوع لشرح هذا المصطلح ومتى كان الكاريكاتير يتحلى بضوابط أو مهنية، إن الكاريكاتير معالي وزير “ثقافة الجمهورية الإسلامية الموريتانية” هو فن ساخر من فنون الرسم، وصورة تبالغ في إظهار تحريف الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، بهدف السخرية أو النقد الاجتماعي أو السياسي أو الفني أو غيره، وفن الكاريكاتير له القدرة على النقد بما يفوق المقالات والتقارير الصحفية أحياناً.

فكيف لك إذن أن تخضعه لمهنة أو ضوابط، لأنك حين تفعل ذلك تجعله مجرد رسم لا طعم ولا رائحة له، إنه يا معالي الوزير، يشبه إلى حد كبير عبثية أنامل طفل صغير لا يجيد بفرشاته فن تناسق الألوان لكنه يعبر بصدق عن مكنون بداخله، لا يملك العقل الباطن سلطة منعه.

إنني أكاد أجزم أن هناك من الوزراء من يتصرف بنية الإساءة ليس للرئيس فحسب بل ولرئيس الحكومة، وإلا فلماذا لم تبدر هذه المواقف الشوفينية في التفكير من قيادات الحزب الحاكم، خاصة وأن رئيس الحزب، بدا أقرب إلى مخاطبة العقول في خرجته الأخيرة مع الشباب، من جوقة المهرجين.. فلماذا، إذن السادة الوزراء، أنتم ملكيون أكثر من الملك.

محمد نعمه ولد عمر