” حوار الثقافات في موريتانيا. رهان المصالحة .. وتعزيز المواطنة ” بقلم :حنان محمد سيدي

لا شيئ أقوى في العالم من روح الثقافة وكنهها البراق في عيون أبنائها ، فلكل منا ثقافته وروحها المتقدة دوما بين جوانحه وفي قلبه المستيقظ باستمرار للحرص عليها والدفاع عن جوهرها وبريقها . الثقافة هي انعكاسات أصولنا وتاريخنا الطويل عبر الزمن ، هي ذلك الخيط الناظم بين جذورنا وقلوبنا ، بين ماضينا وحاضرنا وبلسم جراحنا الدفينة بدواخلنا ، فهل يعقل أن يستقيل أي واحد منا عن ثقافاته ؟ الجواب حتمي ويفرض نفسه بكل اعتزاز ، لا شيئ أكثر التماعا في عيني الإنسان سوى ثقافته أيا كانت ؛ خصوصا في بلد تتعدد هوياته وثقافته ، ألوان ساكنته وألسنة مواطنيه مثل موريتانيا ذات البعد الإسلامي العربي الإفريقي . هذا التنوع العرقي المكون من العروبية والزنجية ، لاشك بأنه يشكل مصدر ثراء للتعايش السلمي وروح السلام والمودة والإخاء والطمأنينة في ظل الإسلام المشترك الذي هو دين الشعب ، كما أن ثقافاته المختلفة قد تشكل هي الأخرى مزيجا وطنيا مخلصا لقيم الجمهورية والسلم الاجتماعي والأهلي بين هذه الثقافات المختلفة أصولا ولغات وعادات وتقاليد ، فلكل ثقافة من ثقافات موريتانيا طابعها الخاص فالاختلاف بينهما لا يخفى على المتصوف حين يصطلي على ناره . فإذا عدنا مثلا إلى تقصي أي ظاهرة اجتماعية في موريتانيا وبحثنا عنها في ثقافاتنا المحلية المتنوعة ستكون نتائج التشخيص مختلفة تماما لأن اختلافنا في السلوك والتفكير والممارسة يختلف باختلاف ثقافاتنا وهنا لابد من الرجوع إلى الخصوصيات لإيجاد ما هو مشترك بين هذه المكونات الاجتماعية المتعددة والتي هي خلاصة مجتمع متكامل للجمهورية كإطار يجمع الكل بتنوعه واختلاف ألوانه ولهجاته تحت يافطة الدولة . وانطلاقا من تمسك الإنسان بثقافته وتشبثه بها وضرورة التعايش مع الآخر تحضر أهمية الحوار بين المتخالفين ثقافيا والمتصالحين وطنيا إن صح ذلك مجازا بل يصبح حوار الثقافات ذا أهمية في تجسيد مصالحة وطنية تستمد قوتها من التنوع ومتانتها من الحوار المشترك المبني على المصالحة والمصارحة بدل الاصطدام والمراوغة على حساب اللحمة الاجتماعية وحقوق الإنسان والتعايش السلمي ، وهي ثنائية قد تربط بشكل وثيق بالوحدة الوطنية التي تشكل صمام أمان للوطن الذي هو حاضن لكل الثقافات المحلية سواء السنوكية والولفية والبولارية والبيظانية العربية . إن التنوع الثقافي الذي تعيشه موريتانيا يكاد يكون خصوصية نادرة ومثالا يتيما في العالم بحيث لاتكاد تجد ثقافات مختلفة ومتنوعة في أي من بلدان العالم يجمعها دين واحد سوى موريتانيا مما يجعل مسألة التعايش والتفاهم مسألة محسومة سلفا بحمكم الدين المشترك وإن كان الحوار بين هذه الثقافات و هذه المكونات رهانا للمصالحة الأبدية بينهما ، وعدم توظيف هذ التنوع وغياب حوار بينهما يهدد البلد بإخفاقات مخيفة للوحدة الوطنية الضامنة الوحيدة لوتيرة النمو والازدهار والسلم الأهلي ، وسط غياب برامج تعليمية هادفة تقوي من اللحمة الاجتماعية لمجتمع يكاد يكون عدم التواصل بين مكوناته السمة الأبرز لغالبية شعبه المتفق دستوريا على اللغة العربية والمستخدم واقعيا للهجات مختلفة تجعل التفاهم بين مكوناته الثقافية حاجزا حقيقيا في وجه شراكة قوية على ميثاق وطني جامع لكل أطيافه المتعددة . إن الإيمان المشترك بوجود تنوع ثقافي يشكل ثراء كبيرا في موريتانيا يوازيه أيضا إيمان آخر يعنى أساسا بضرورة وضع مخططات وبرامج عليا تستهدف بالأساس النخب والفاعلين والمهتمين بحتمية وجود حوار حضاري بين الثقافات المحلية وتعميق النقاشات لحلحلة المشاكل التي قد تتهدد السلم الاجتماعي أو الوحدة الوطنية ، كما أنه بات من الضرورة بمكان أن تدمج هذه الثقافات كلية في البرامج التعليمية والأخذ بالمحافظة على هذ التنوع النادر ضمن اهتمامات الدولة في إطار سياساتها العامة

Go to W3Schools!