” التبراع حين تبوح حواء ” بقلم : حنان محمد سيدي

حينما ترتقي المشاعر في صحراء مترامية الأطراف لا شيئ يحول بين الناظر وبين مدى الأفق البعيد يسهل أن يطلق الإنسان العنان لمشاعره وعواطفه لتجوب زفراته وأناته تلك الفضاءات الواسعة جيئة وذهابا.. في مثل هذه الصحاري كان مجتمعنا يطرب لسماع الشعر والغناء ولم تمنعه قساوة الطبيعة أحيانا ولا شظف العيس تارة أن يخلد مشاعره ويرسم مشاعرة في لوحات شعرية أخاذة تسلب الألباب تغنى الشعراء بالحب وأبدعوا في وصف المحبوبة على مستوى الفصيح والشعبي و طفقوا يتألمون مواضع الجمال والحسن ويبوحون بما يلاقونه من لوعة الحب وتمني الوصال وألم الهجر وخلدوا ذلك شعرا عذبا ينساب كجريان المياه الرقراقة في الأودية الجميلة لكن طبيعة المجتمع لم تكن تعطي نفس الحرية في التعبير للمرأة فكان عليها أن تكتم لواعج الحب وتباريح العشق أو تبحث عن خيار مناسب يسمح المجتمع ببروزه وقبوله فكان ” التبراع” الوسيلة التي لجأت إليها المرأة لتعبر عن مشاعرها في حدود ما يسمح به مجتمع ذكوري لا يقبل أن يسمع صوت المرأة عاليا سيما في ميادين العشق والهيام والمتأمل في التبراع يلحظ مجموعة من الأمور التي ميزته عن غيره من أساليب الإبداع الأخرى .. فهو يتسم بالتكثيف في التعبير بمعنى اعتماده على التعابير القصيرة فلا تجد ” تبريعة” طويلة وهو ما ساعد على سهوله حفظه وانتشاره . زيادة على اختياره لغة بسيطة يفهمها الجميع كما أنه ظل محتفظا بطابع سرية القائلة فلا تكاد تجد تبريعة منسوبة لامرأة محددة اللهم إلا في الفترات الأخيرة، كما أنه في معظمه يتحاشى التصريح بالأسماء والاكتفاء بالتعبير عن المشاعر والعواطف والاشتياق للقاء المحبوب والتغني بمحاسنه بطريقة خاصة وظل عفيفا لم يهبط للمجون أو الإسفاف في التعبير. ومع كونه لم يرتبط بالمستوى التعليمي ولا يعتمد الصور المعقدة أو البلاغة بمستواها العالم إلا أنه يختزل من الصور ومن الإيحاءات ما تنوء به القصيدة ويعجز عنه “لغن” فبتعبير بسيط مكثف تحيلك التبريعة إلى فضاء فسيح من المشاعر والصور الحالمة ذات البعد الجمالي الأخاذ ورغم أنه لايخضع لإيقاع موسيقي خارجي محدد كما هو الحال في الشعر ولغن إلا أنه يمتلك إيقاعه الخاص به غير المرسوم سلفا والمعتمد أساسا على الذوق الرفيع والموهبة الخاصة.. مما يجعل السامع يظن أنه يخضع لوزن خاص وإيقاع مرسوم لقد ظال التبراع الوسيلة الوحيدة االتي تلجأ إليها المرأة العاشقة لتبث أشواقها في مجتمع لايسمح لها أن تركن للأقانيم العادية كالشعر بشقيه الفصيح والشعبي.. لذلك لم يخلد الأدب في هذه الرقعة أي قصيدة حب أو ” طلعة” لمرأة تبوح فيها بحبها أو تصرح فيها بما يملأ وجدانها من عشق وغرام فكان التبراع حقا إبداعا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. ولعله الأكثر انسجاما مع أنوثة المرأة وطبيعتها الخاصة

 

Go to W3Schools!