مجلس الشيوخ الموريتاني ومسار رفض التعديلات الدستورية

بدأت أزمة السلطة والشيوخ في موريتانيا منذ خطاب النعمة 3 مايو/أيار 2016 الذي أعلن فيه الرئيس نيته إلغاء مجلس الشيوخ، وإقامة مجالس جهوية مكانه، وأعتبر  الشيوخ ذلك الخطاب إهانة لهم وأنشأوا لجنة للمتابعة ظلت تعمل بصمت وهدوء في جمع كلمة الشيوخ مخافة أن تذبحهم أصواتهم، مختارين أن يمضوا بيد عمر لا بأيديهم.

وجدت قوى معارضة في  مسألة التعديلات الدستورية ضالتها، حيث إذ اعتبرت المعارضة توجه الرئيس محمد ولد عبد العزيز لطرح مشروع التعديلات الدستورية على الاستفتاء -التي رفضها مجلس الشيوخ- “انقلابا على الدستور”. مما أربك المشهد السياسي المرتبك أصلا، فقامت بتنظيم تظاهرات استهلكت فيها بما فيه الكفاية هدية السماء المتمثلة في رفض الشيوخ للتعديلات الدستورية وإصرار النظام على تمريرها عبر إستفتاء شعبي.

آراء مختلفة حول التعديلات الدستورية:

حزب التجمع الوطني للإصلاح “تواصل” المحسوب على إخوان موريتانيا  أكد على لسان رئيسه  محمد جميل ولد منصور، «أن تصويت الشيوخ ضد إرادة النظام حدث كبير»، مؤكداً «أن التعديلات مدانة».

وقال «سمعنا عن الترغيب والترهيب والتهديد بإقالة الأقارب، ورغم كل ذلك تفاجأنا كما تفاجأ العالم بتصويت أغلبية الشيوخ ضد التعديلات. لذلك يستحقون الشكر والتهنئة والتحية».
وأكد «أن إسقاط التعديلات ينبغي أن يكون بداية لمرحلة جديدة، تبدأ بوقف المسار الأحادي؛ مسار التعديلات المدانة، ونحن في هذه الأجواء نرى أن من مصلحة البلد أن يتوقف مسار التعديلات، وأن يحدد أهل موريتانيا المنحى المناسب لإصلاح الوضع السياسي وذلك لا يتم إلا بالتوافق وانتخابات جامعة تكون خطوة حقيقية نحو التداول السلمي على السلطة».

وأضاف إن «التعديلات سقطت نهائياً ولا مجال للحديث عن مخارج قانونية لعرضها مجدداً»، معتبراً «أنه إن لم يصل الأمر الى استقالة الرئيس فلا أقل من إغلاق هذا المسار ليكون عام 2019 عام تحول وتناوب سلمي على السلطة».
وبدوره وصف حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض بزعامة أحمد ولد داده في بيان تهنئة أعضاء مجلس الشيوخ الذين عارضوا التعديلات بالأحرار، وهنأهم على موقفهم الذي اعتبره انتصاراً على الاستبداد».
كما اعتبر حزب اتحاد قوى التقدم «أن لحظة إسقاط التعديلات، لحظة فارقة في التاريخ الموريتاني».

وثمن الرئيس الأسبق العقيد أعل ولد محمد فال «موقف الشيوخ وطالب بنقش أسمائهم في قبة البرلمان الموريتاني بأحرف من ذهب تخليداً لذكراهم وتقديراً لعملهم الجبار».

وبدورهم هاجم قياديون في الموالاة الشيوخ الذين عارضوا التعديلات الدستورية حيث اعتبرت فاله بنت ميني رئيسة حزب حوار «أن الشيوخ الذين صوتوا ضد التعديلات خانوا الشعب وخرجوا عن إجماعه», وطالب الشيخ بوي ولد شيخنا الأمين العام لـحزب الوحدة والتنمية «بإجراءات عقابية للشيوخ الذين صوتوا ضد المشروع»، كما طالب يعقوب ولد امين رئيس التحالف الديمقراطي (معارضة الوسط)، «باتخاذ الإجراءات المناسبة لتمرير التعديلات الناتجة عن الحوار السياسي».
وفيما عم الارتياح هنا والارتباك هناك، ركز مراقبون على استكشاف ما ستتجه إليه الأمور بعد هذه الضربة القاسية التي وجهت للنظام.
و من جانبه قال الخبير الدستوري الموريتاني د. محمد الأمين ولد داهي أن الحل الدستوري في هذه الحالة هو استقالة الرئيس وحكومته، مشيراً إلى «أن حالة دستورية في هذا المجال سبق أن وقعت للرئيس الفرنسي السابق الجنرال ديجول الذي قدم استقالته بعد سقوطه لأن المسؤولية السياسية تقتضي ذلك».

كما أكد ولد داهي، وهو أحد محرري الدستور الموريتاني الحالي «أن على الرئيس تحمل المسؤولية كاملة باستقالته هو وحكومته لأنه هو من تقدم بمشروع السماح بتعديل الدستور».
واعتبر (أن مشروع مراجعة الدستور الحالي سقط بشكل نهائي، ولا يمكن الالتفاف على الرفض الصريح وبأغلبية أعضاء مجلس الشيوخ»، معتبرا «أنه لم يعد بالإمكان إعادة مشروع التعديل نفسه بأي طريقة)

من جانبه قال الشيخ حيموده ولد أحمد عضو لجنة المتابعة بمجلس الشيوخ إن المرحلة التي تعيشها موريتانيا حاليا ليست مرحلة مناسبة لإملاء الأوامر على أعضاء المجلس ودفعهم لتمرير مشروع تعديل دستوري لا يخدم مصلحة البلد ولا يجلب منفعة للمواطنين.

واعتبر ولد أحمد خلال حديثه في برنامج ساعة نقاش بقناة الساحل (الخاصة)، إن أعضاء مجلس الشيوخ يعتبرون أن اتخاذ مسار الاستفتاء الشعبي عبر اللجوء للمادة “38” غير قانوني، ولم يكن مطروحا للشيوخ لكون المادة التي تم للجوء لها لا تعالج التعديلات الدستورية المغلقة على المواد (99، 100، 101)، مردفا أنه كان يجب الاعتزاز بقرار الشيوخ والموفق الوطني اتخذوه.

ويرى مراقبون  أن المعارضة الموريتانية  لم تنتش كثيرا بالنصر الذي حققته في مجلس الشيوخ (الغرفة الأولى في البرلمان) الذي أسقط مشروع التعديلات الدستورية، رغم أن أغلبيته من الحزب الحاكم (43 مقعدا من 56)، وكان المشروع قد نال قبل ذلك موافقة الجمعية الوطنية (الغرفة الثانية).

وتتخذ المعركة الجديدة بين النظام والمعارضة بعدا قانونيا محوره المادة 38 من الدستور، التي اعتمدها الرئيس في الدعوة إلى الاستفتاء الشعبي، وتؤكد المعارضة أنها لا تسمح للرئيس بتمرير التعديلات على الاستفتاء، وأن تمريرها مرهون بالبرلمان.

وبعيد التصويت الملفت لمجلس الشيوخ وإسقاط التعديلات الدستورية، دعت أحزاب المعارضة الرئيسية إلى استغلال الفرصة وفتح حوار سياسي جديد يساهم في تجاوز الأزمة السياسية في البلاد، لكن الرئيس ولد عبد العزيز أكد أنه “ليست هناك فرصة لفتح حوار جديد وتضييع الوقت في أمور لا تقدم ولا تؤخر”.

هذا التصريح -وفق المعارضة- يشي في النهاية بتوجه من السلطة نحو إقفال أي مجال للتوصل إلى حلول مشتركة للأزمة السياسية بالبلاد، وإذا ما تم ربطها بـ”لي ذراع الدستور” والدعوة للاستفتاء لتمرير التعديلات فهي تقود إلى خنق الساحة السياسية وتوجيه المشهد نحو تعقيدات خطيرة.
وتعتبر المعارضة، -وخاصة المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة- أن لجوء الرئيس ولد عبد العزيز إلى الاستفتاء يعد انتهاكا للدستور و”تمردا جديدا على الشرعية”، وأكدت أنها ستصعد من أدواتها النضالية ضده، وهو ما يؤشر على صراع أشد سخونة في المشهد السياسي الموريتاني.

وذهبت بعض المصادر إلى القول : «أن موريتانيا دخلت بعد هذه الخطوة في أزمة مؤسسية لم تعهدها من قبل», وتساءلت (هل ستعتبر السلطة ما حصل فشلاً سياسياً كبيراً يستحق التضحية برؤوس كبيرة لتحميلها مسؤولية هذه النكسة؟ أم أنها ستقرأ الأمر على أنه إعلان حرب من طرف غرفة برلمانية لم يعد لديها ما تخسره ولا تمتلك السلطة التنفيذية صلاحية حلها؟)

دعوة للمصالحة:

وفي سياق متصل تنوي الشيخة المعلومة بنت الميداح تنظيم حفل تسعى من خلاله إلى ردء الصدع والدعوة إلى المصالحة وفتح حوار شامل الجمعة القادم بمنتزه لامباسادور بالعاصمة أنواكشوط.

فهل سترقص المعارضة والموالاة على مائدة “ليلة وطن” لتجاوز خلافاتها أم يمر الحفل دون أن يحقق أهدافه المعلنة المتمثلة في المصالحة بين الفرقاء السياسيين.

Go to W3Schools!