مثقفو ولايات الشرق وعقدة الغبن ومركب النقص وعصر النفاق السياسي؟!…

 د / محمد المختار دية الشنقيطي.
من بداية الأزل والشمس علينا من الشرق تشرق، وسباق النفاق السياسي من الشرق يبدأ، فحين الاستقلال والتأسيس للدولة الموريتانية الحديثة كان أغلب سكان الولايات الشرقية الثلاثة يرتبطون سياسة وإدارة بالإدارة الاستعمارية في الجارة مالي، وكما ترتبط مواردهم الاقتصادية وتنمية وكسب التجارة بالجارة مالي؟!
وحين التحقوا إدارة وسياسة بالوطن بعد مرحلة التأسي الأولى، وهم يحملون الإحساس بالغربة ومركب النقص، كانت مواقعهم في الدولة على الهامش دائما وفي المنابر القصية عن الفعل وتأثير في صناعة القرار ورسم سياسة وملامح المستقبل للبلد، وكان نصيبهم في الغالب من الوظائف في الدولة هي تلك المنابر الدعائية لسياسة النظام، وتلك الاستخباراتية المخصص للبطش بخصومه ودعاة تغيره وأبدعوا في ذلك ابداعا، ولقد كانوا في النهاية هم الأدوات الساذجة والفاعلة لإسقاط النظام المدني ، والدولة والمجتمع والقيم والثقافة، وفتح الطريق لسيطرت النظام العسكري وأدواته الشيوعيين وأتباعهم القوميين ودون أن يكون لهم نصيب في الحكم في الحقيقة وإنما عادت حليمة إلى عادتها فكتفوا من غنيمة الحكم بعد الانقلاب بوظائف الدعاية والترويج للنظام العسكري بالأصوات في مسرحية ديمقراطية الجيش المزعومة والتصفيق لأوهام انجازاته والنفاق لنيل مكاسب شخصية، وليست تنمية أو مشاريع اقتصادية في ولاياتهم البائسة المنكوبة والمحرومة من كل مظاهر التنمية والبن التحتية وجميع أنواع خدمات الدولة ؟
 نعم فأعطوا المخابرات الباطشة بالخصوم وأعطوا أبواق الدعاية وأعطوا رمزية الوزارة الأولى دائما، ولم يعطوا تنمية في منا طقهم التي أعطت الأصوات الانتخابية، والسبق في ادعاء انجاز مشاريع الأوهام العسكرية  من السلام والتنمية، إلى تهذيب الجماهير إلى محو الأمية إلى ديمقراطية العسر إلى محاربة الفساد والفقر إلى التعديلات لا دستورية، وهذا هو ديدنهم وذلك هو نصيبهم في الدولة من الاستقلال وإلى يوم التعديلات ألا دستورية التي يتبارون اليوم تضليلا وافتراء في عظم صدقيتها ومصداقيتها وعملهم على إنجاحها، واعتبارها ساحل المشاكل كلها كما فعلوا مع أو هام العسر كلها.!
 ما من شك  في أننا نعيش في هذه اللحظات ازدهار حصاد  نفاق ذلك التحالف الثلاثي المقيت العسكر وثعالب الأيدلوجيات والعرقيات وأساطين الأمية من الزعامات القبلية، إنها الأيام السياسية العجاف، والأوقات الوطنية التعسة الساقطة التي  يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصدوق، و يؤتمن فيها الخائن و يخون فيها الآمين، وهي الأوقات التي نتلذذ فيها بتردد قول القائل: نعيب زماننا و العيب فينا… و ما لزماننا عيب سوانا !.
فما كان النفاق في يوم من الأيام من أخلاق أهل البادية، رعاة البهائم قبل فشو وانتشار ثقافة وسياسة مضاجعة حكم العسر لشيوعيين والقبليين في هذا البلد المنكوب بهم، وهي المضاجعة السفاح التي أنتجت تلك الصنوف النادرة والغريبة جدا من الفساد والنفاق في السياسة والأخلاق وأنماط البداوة ومظاهر التدين الفني والاجتماعي الغالب والمسيطر على حياتنا العامة والخاصة ؟.
لقد كان المنافقون في كل عصر يحرصون على تحقيق أقصى ما يستطيعون من مصالح ذاتية وغنى ورفاهية فردية حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة والقيم الإنسانية والكرامة الشخصية، القيم التي لا يعرف أهل النفاق السياسي معنى لها، وأشهر الوسائل التي يستخدمونها هي مجاملة الحكام الجاهلة الفاسدين الظالمين وتملق لهم والتهوين من شان ظلمهم وفسادهم، وخداع الأمين المغلوبين جهلا وبداوة، وذلك هو ما يعرف في أدبيات العلوم السياسية بالنفاق السياسي الذي صار سلاح ووسائل وأدوات أطفال السياسة والثقافة من أنصاف المتعلمين من أبناء مناطق الشرق الخزان الانتخابي والأبواق الدعائية لأنظمة الجهل والفساد المتعاقبة على حكم البلد منذ 1978م.
لقد تحول النفاق السياسي على يد تلك الفئة القليلة من أنصاف المتعلمين وحاملي شهادات هوامش العلم والثقافة إلى  خصوصية للحياة السياسية وحتى الاجتماعية بل وإلى سمة من سمات عصر دولة العسكر وموضة من موضات الواقع هذا النفاق السياسي هو احد بل وأبرز لأسباب التي جعلت أوضاعنا في منا طق الشرق، بل وفي البلد كله تسير من مأساة وأسى إلى كوارث لا حدود لها لان المنافقين يغيرون وجه الحقيقة ويصورون الأمور بصورة كاذبة ومغلوطة ويوهمون المحكوم قبل الحاكم بأن الأمور تسير على ما يرام، وهم بذلك يعطلون أي عمل لصالح التنمية، لصالح فروجهم وجيوبهم الشخصية ؟. 
إنه النفاق السياسي قرين ورفيق درب الجهل والأمية ولاستبداد السياسي فأين ما وجد الجهل والأمية والاستبداد سياسي وجد النفاق السياسي لان المستبد عادة ما يستخدم سياسة العصا والجزرة فيختار المنهزمين من متوسطي التكوين العلمي والتراث السياسي والتكوين المدني ضعاف النفوس، المتزلف للنظام دائما والمتقربين من الحاكم خوفا من بطشه أو طمعا في نعيمه، سنة وحال سياسي وأنصاف متعلمي أبناء المناطق الشرقية الذين أصبحوا بسلوكهم ذاك ألنفاقي يفرضون على باقي أبناء الوطن أن يسلكوا السبل ذاتها ويمتهنوا المهن عينها في معركة البقاء والحضور التي بدأت تخرجهم منها سياسة التزلف والنفاق؟! .
 وللنفاق السياسي في ظل نظام الجهل والعجز والفشل والاستبداد مظاهر عديدة تبرز صارخة في المجالس البلدية والنيابية، فتتحول على يد ذلك النمط الرديء من السياسيين من مجالس عزاء ونفاق كان المفروض أن تعبر عن نبض الشعب والمواطن وإحساس الشارع إلى مجالس تسير وفق هواء الحكم وإرادته في البقاء والظلم والاستبداد، والغرفة السفلى في البرلمان الموريتاني بكتيبتها المدنية المعسكرة خير شاهد ومثال على الخداع والغش والتلبيس في دورها ووظائفها؟.
 ومرتزقة الكتاب والإعلام الهاماني في ظل سيطرت النفاق السياسي تحول من التعبير عن هموم الأمة وأشواقها وكشف الزيف والفساد الممارس في حقها والحفاظ على هويتها إلى بوق زائف مزيف يتغنى  بأوهام منجزات الحاكم، بل والأكثر من ذلك أنه تحول بأنصاف المتعلمين المثقفين والمبدعين إلى حملة مباخر هدفهم تلميع صورة النظام رغم ما تعيشه البلاد من الفاسد والفوضى الخلاقة التي تنتجها الطبقة السياسة للحكم  وهؤلاء المنافقين مازالوا يمارسون دورهم في النفاق وقلب الحقائق كالذي يريد أن يغطى عين الشمس بغربال؟ . 
كان أعراب البادية الموريتانية كغيرهم من عرب الجاهلية لا يعرفون النفاق ولا يمتهنونه بمفهومه الاصطلاحي الذي هو إظهار المرء خلاف ما يبطن من معتقد، وكذلك لم يكن المسلمون الأول يعرفون النفاق في العهد المكي لأنه لم يكن هناك ما يدعوا إليه .
 فالمسلمون الذي اسلموا في بداية الدعوة اسلموا طواعية ليس لهم مطمع دنيوي ولم يكن هناك ظروف تجبرهم على اظهرا لإسلام وتستر بالكفر.، وكان هذا هو حال أغلب أعراب البادية الموريتانية ما قبل سيطرة نظام العسكر وطبقته السياسية المشروخة، المتردة على القيم والأخلاق، الماردة على الهزيمة والنفاق، فبدأ النفاق السياسي في الهيمنة على الحياة السياسية ويشق طريقه في الظهور في كافة مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدنية، والنفاق كما قلنا معناه أن يظهر المرء الإسلام وهو يبطن غيره وقد فصلت الآيات والأحاديث النبوية مفهوم النفاق وملامح المنافقين . 
ومن أشهر الأحاديث النبوية الشريفة المبينة للمعنى العام للنفاق وخاصة منه السياسي قوله- صلى عليه وسلم-:”أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة نفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر” البخاري.
ولخطورة النفاق في الحياة العامة حكم الله على المنافقين بالكفر، بل بين تبارك وتعالى أن النفاق اشد خطورة من الكفر لان المنافق مخادع مراوغ ساع في قلب الحقائق، والكافر واضح في غيه وكفره ومن ثم تسهل مواجهته والمنافق محتم متحصن بما يظهره، والإحكام في الإسلام تدور على الظاهر والله وحده المختص والمتولي علم السرائر.  
لقد كان لظهور وانتشار القبلية والجهوية والنفاق السياسي في الحياة السياسية المعاصرة وفي مؤسسات الدولة والمجتمع الموريتاني وفي المقام الأول من إنتاج النازحين من الشرق إلى الغرب، أي من النازحين والوافدين الجدد من أبناء ولايات الشرفية إلى العاصمتين السياسية والاقتصادية، العاصمتان اللتان كانت ساكنتهما تعرف مستوى من مستويات الوعي بإحلال الانتماء والولاء للدولة بدل القبيلة الصارخة، وكان الانتماء في مجالاتهم الجغرافية يشهد نوعا من التحول والانتماء إلى الإقليم بدل القبيلة: أهل الساحل، أهل آدرار أهل تكانت، الترارزه، بدل الانتماء القبلي الصارخ، الذي يحمله القادم من الشرق ثقافة وممارسة وسياسة منسجمة مع ثقافة وسياسة المؤسسة العسكرية الجديدة على الحكم؟