ثلاث سنوات من العطاء .. و درب لا أبغي عنه بدلا!!

غلاف العدد الجديد من مجلة الدرب العربي
غلاف العدد الجديد من مجلة الدرب العربي

منذ ثلاث سنوات وحماة الهوية يكتبون للوحدة والحرية والاشتراكية، في قطر تكثر فيه المنابر السياسية والإعلامية، ويفتقر لكتابة تحلل بعمق وتقدم طرحا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يؤسس لغد واعد، فكانت جريدة الدرب العربي ذلك المنبر الوفي للمواطن، فهي لسان حاله وناقل همومه، في زمن انشغل فيه الساسة بالسجال والإعلاميون بالبحث عن الإشهار، ليجد الباحث عن الطرح النضالي الصادق ضالته في جريدة الدرب، حيث تكتب نخبة بعثية عن آمال وآلام المواطن في القطر الموريتاني وحتى في الوطن العربي الكبير، وذلك بأساليب أدبية تعتمد الجزالة واللغة السليمة في الشكل، والصدق في الطرح، والموضوعية في التحليل، كما كانت الدرب مرجعية لمن يريد أن ينهل من معين إرث فكري، أنتجته تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي، فصارت ذلك الضوء في آخر النفق الذي يقصده الخيرون من أبناء أمتنا، والحافظة الأمينة لأفكار وتاريخ حزب عريق يأبى السقوط رغم ما يتعرض له كفكر وأسماء من تحالف الثالوث الشيطاني (الصفوية ـ أمريكا ـ الكيان الصهيوني) وأنظمة العمالة في الوطن العربي سبيلا لاجتثاثه، ومع ذلك لازال الحزب صامدا يقاوم بشراسة تحت قيادة أمينه العام المناضل عزة إبراهيم الدوري في العراق، كما لا زال البعثيون في كل الأقطار العربية ذلك الفاعل المؤثر في القضايا الكبرى، وقد أثبتت الأيام تلو الأخرى صدق تنبؤات البعث، وما كان يمثله النظام البعثي في العراق من حماية للوطن العربي، وهو ما يفسر الإقبال الكبير من الشباب العربي خاصة في القطر الموريتاني على البحث والدراسة حول هذه المدرسة النضالية التي أنجبت العظماء كالشهيد صدام حسين و طه يس رمضان والعميد طارق عزيز وغيرهم كثر.

إن الدرب العربي ليست مجرد نشرية يكتب فيها الهواة، بل هي ذلك المركز الذي يقدم الأبحاث والدراسات حول الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية سعيا لبعث أمجاد الأمة العربية وتطلعا لمستقبل أمثل، وفي هذا السياق قدمت الدرب العربي مواضيع على شكل سلسلة ك “رسالة إلى أخ من فلان” و “لحراطين.. الفئة المغبونة” و “قومية السوننكى”، وقد ترجمت إلى اللغة الفرنسية، كما كتب فيها عن المواقف من الحالة السياسية، وعالجت كذلك الوضع الاجتماعي كالتعليم والصحة والانفلات الأمني والبطالة… كما واكبت الجريدة الأحداث في القطر الموريتاني وفي الوطن العربي الكبير وحتى التطورات الدولية.

فهنيئا للدرب العربي وهي تدخل عامها الرابع بنفس نضالي طويل يستمد ثقته من تجربة غنية، وهنيئا للشعب الموريتاني بهذا المنبر الثري شكلا ومضمونا، وما هذه إلا البداية إذ لا زال الدرب طويلا، ومهما طال وكثرت مطبّاته وكان شائكا فلا أبغي عنه بدلا!!!

تهنئة بأعياد نيسان المهيب

نتشرف في طاقم الدرب العربي و باسم رفاقنا في موريتانيا بأطيب التهاني الممزوجة بعطر نيسان إلى الرفيق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي الرفيق عزة إبراهيم الدوري حفظه الله ، وإلى رفاقه أعضاء القيادة القومية ، و كافة رفاقنا في كل ساحة من ساحاتنا الحزبية في كل قطر من أقطار أمتنا المجيدة ، وخاصة رفاقنا الذين يخوضون معارك الشرف و العزة في العراق و فلسطين و سوريا و اليمن و الأحواز العربية،  و في السودان و اريتريا … بمناسبة إطلالة أعياد شهر البطولات و الأمجاد ، شهر نيسان الحبيب .وتحية في هذا الشهر الميمون إلى كل الوطنيين في موريتانيا ، وإلى التقدميين و الأحرار في أرجاء العالم ، وهم يواجهون غطرسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى لابتلاع العالم و نهب ثروات الشعوب و تخريب الحضارة الإنسانية بحروبها الإجرامية

 

إلى أين تتجه موريتانيا ؟

كان الناس إلى وقت قريب يتطلعون إلى تنظيم حوار و طني شامل لجميع مكونات الساحة الوطنية ، من القوى الحزبية و السياسية و منظمات المجتمع المدني لإخراج البلاد من المأزق أو وضعية الانسداد و التجاذب التي تتخبط فيها منذ سنوات .غير أن البطء الشديد في تقدم النضج السياسي و هبوط روح المسؤولية لدى أكثر من طرف من الأطراف المتحكمة في المشهد الوطني ألقيا بسلبيات كثيرة على أجواء هذا المشهد ؛ الأمر الذي أدى ،ومازال يؤدي ، إلى مزيد من الجفاء و التدابر بين مختلف الفرقاء .فلم يستطع النظام ، بكل ما لديه من أوراق ، أن يرتقي إلى مستوى من النضج و المسؤولية يمكنه من تجاوز تفاصيل صغيرة ، عادة ما تثيرها قوى المعارضة بهدف تنويع و تكثير أوراقها في إطار سعيها لكثيف الضغط على النظام .ولم يتسن ، من جهة أخرى ، لزعماء هذه المعارضة ، أن تتجاوز تلك التفاصيل لتعرف كيف تتعامل مع نظام يسير بعقلية عسكرية خالصة ، يصاحبها نقص حاد في معرفة إدارة الشأن المدني و قيادة الدول التي تختلف كليا عن كيفية قيادة وحدة أو كتيبة عسكرية .و بين هذه العقلية العسكرية المتحجرة ، وبين تكتيكات معارضة غير موفقة دائما ، تتجه البلاد ،يوما بعد يوم ، نحو المجهول ؛و كأن القدر يسوقها نحو أخذ حصتها من الفوضى ، لا قدر الله ،التي تذوقها الشعب العربي في مشرقه و في ليبيا بمغربه .غير أن إصرار النظام على إحداث تغييرات في رمزية العلم و كلمات النشيد الوطني للبلاد – التي لم تكن مطلبا شعبيا ولا مطلبا نخبويا ضاغطا منذ استقلال البلاد – يبعث على الاستغراب ، خصوصا و أنه في ظل ظروف هي الأسوأ في البلاد على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي .كما أن رفض مجلس الشيوخ بأكثرية كبيرة لهذه التغييرات ،برغم أنها من القوى الموالية للنظام ، جاء ، هو الآخر، ليزيد أرضية البلاد ضعفا على ضعف ، وليكشف ، بدرجة مقلقة ، أن هذا النظام لا يملك ما يكفي من الوعي بخطورة الظرف الذي يمر به نظامه بوجه خاص ، وتمر به موريتانيا بوجه عام .وهكذا ، بدأ كل فريق ، في غياب روح المسؤولية و برودة العقلانية ، يتميز من الغيظ على خصمه لتتجه البلاد نحو مستقبل ينذر بعدم الاستقرار السياسي و دخول البلاد ، ربما إلى غير رجعة ، من بوابة البلابل السياسية و القلاقل الاجتماعية ، إلى المجهول حقا ؛ إذا لم تتدارك القوى الحاكمة هذه الوضعية و تتصرف بشيء من الحكمة و الدراية اتجاه الخطر الذي تقود البلاد إليه . إننا- في حزب البعث العربي الاشتراكي في موريتانيا ، الذي يقف في مسافة واحدة إزاء جميع القوى الحزبية و لا تمثله أي قوة سياسية أو تنوب عنه – ندعوا جميع الشركاء إلى الاعتبار من الجحيم الذي دخله العرب في المشرق ، والذي تعمل جهات دولية على إدخال لهبه من أكثر من فجوة في منطقة المغرب العربي و خصوصا من القطر الموريتاني.

 

 

النظام .. وسياسة تفريغ الأمعاء !!

بعد عملية إطاحة النظام المدني للرئيس ولد الشيخ عبد الله ، التي قادها  قائد كتيبة الحرس الرئاسي، رئيس الدولة الحالي، استغل هذا الأخير تدهور الوضعية المعيشية خلال فترة حكم سلفه  ليركز خطابه على عزمه القوي على تحسين شروط الحياة للمواطنين  ؛ وعلى أن الدولة الموريتانية تملك الإمكانيات الاقتصادية والموارد المختلفة التي تسمح للمواطن الموريتاني بأن يعيش في رغد وبحبوحة ؛ موجها خطابه للفقراء  ومركزا موصلته على الطبقات الأكثر هشاشة وحرمانا خلال العهود السابقة. تلك الطبقات المطحونة بفعل تسارع وتيرة الأسعار في المواد الغذائية والطبية في نهاية السنة الأولى من عهد ولد الشيخ عبد الله الذي لم يعمر. الأمر الذي ألهب حماس الجماهير الجائعة والمغلوبة على أمرها فاندفعت نحو تعهدات النظام الجديد التي فتحت لها مداءات واسعة من الأمل ؛ فلتفت الجماهير خلفه مثل إلتفاف قطيع المعز العطاش حول الحوض !. وقد تبنى رأس النظام الحالي شعار ” رئيس الفقراء ”   الذي لن ” يدخل رأسه الظل” حتى يتمكن كل فقير وفقيرة من الحياة الكريمة الباذخة في وطنه الغني بالثروات الكثيرة والمتنوعة. وهكذا، فيما قيل، بدأت مؤسسات التشغيل تتلقى التعليمات بضرورة استيعاب بعض العاطلين ، سبيلا لاحترام تعهدات الرئيس الجديد  وإيفاء بالتزاماته التي قطعها للمواطنين.  غير أن ربان السفينة لم يكن يدري الشيء الكثير عن صعوبة الطريق ولم يكن له بوصلة يهتدي بها إلى بر الأمان. إذ ما لبثت الآفاق الواسعة المفتوحة على مصراعها تنغلق و الآمال العراض  تتلاشى شيئا فشيئا حيث ستشهد البلاد في بداية فترة هذا النظام تسريح المؤسسات العمومية  لعمالها تسريحا جماعيا ، يستوي في ذلك العمال الدائمون أو غير الدائمين؛ وهو ما لم يحدث في العهود السابقة عليه، والتي تميزت بالفساد  بشتى أشكاله. فبخلاف ما تحث عليه منظمة الشغل الدولية ، التي تجعل التشغيل هدفا أسمى في عالم اليوم ، فإن هذا النظام  لا يندى له جبين وهو يرمي بآلاف الأسر إلى الجوع والتفكك بعدما قطع مصادر رزقها دون أن يرف له جفن من الرحمة.  وهو لا يكترث بما تدعو إليه أغلب البرامج الاقتصادية التي تركز على الوضعية الاجتماعية أكثر من تركيزها على أي جانب آخر. وإنما الذي يهمه هو الحديث عن حصول فائض في الميزانية ، فيما هذه الميزانية وفائضها ليس لهما أي مردود على وضعية البطالة التي تجاوزت الثلاثين في المائة، وليس لهما فائدة على الوضعية الغذائية والصحية والتعليمية للمواطنين. وعلى كل حال، وبرغم الخطابات التي تقطر ” عسلا ” من وزير المالية والاقتصاد  عن الوضعية الاقتصادية للبلد، فإن مؤشرات مجاعة ترتسم  بوتيرة متسارعة في مدن البلاد الداخلية، كما بدأت ملامحها تتجمع على وجوه المواطنين في العاصمة، وخاصة في الأحياء الشعبية التي تشكل أحزمة بؤس حولها.  ومن هنا، بات من الضروري أن تدرك السلطات خطورة الوضع ، بما يقتضي منها ، على وجه تحمل المسؤولية  عن حكم البلاد ، أن تتخذ إجراءات وتدابير عاجلة  لمواجهة الأسوأ مع الأحداث المتلاحقة ، وخصوصا إزاء تركز الاحتكار في أيدي أقل من حفنة من المقربين من النظام ، فيما تنخفض القدرة الشرائية  للمواطنين عموديا وأفقيا على نطاق واسع  و بوتيرة متسارعة . فقريبا، يموت الناس من الجوع هنا ، في نواكشوط !.

 

نيسان .. يا زمان الوصل

تحل ذكرى عيد السابع من نيسان الغالية هذه الأيام و جرح الأمة العربية نازف يروي كل ساحات القتال من أرض الرافدين و الأحواز العربية السليبة والشام واليمن إلي الصومال  في شرق أفريقيا و ليبيا في أقصي شمالها . أما فلسطين فتركت لوحدها تقاوم أشرس الأعداء  .

أين الحكام العرب الذين بالطبع لا نعول عليهم في المنازلة ؟ و أين التيارات و الحركات السياسية التي كانت تملأ الآفاق و  تتبجح و ترفع شعارات مناهضة الأعداء؟  أين المفكرون العرب الذين  أختار بعضهم  التمالؤ مع العدو علي حساب المبادئ و خيارات التحرر إ ؟

إذا كان الوضع القومي يعيش حالة من التأزم و الضياع و الأرض العربية مستباحة لكل أعدائها ، فإن الصمود والتصدي للأعداء بكافة الوسائل المتاحة يجب أن يكون عنوان المرحلة  و هدفها ، وهذا ما تأسس  عليه حزب البعث العربي الاشتراكي منذ نشأته في 07 نيسان 1947 و أصر عليه منذ إرهاصات  تأسيس مشروع ” سايكس بيكو” الجديد (مشروع الشرق الأوسط الكبير) الاستعماري الذي أراد بالضبط إعادة الهيمنة والسيطرة علي الأمة العربية و إخضاعها لإعادة تقسيمها و نهب خيراتها و إبقائها تحت السيطرة .فكان لا بد من تحييد حزب البعث حسب ما قال القيادي في الجيش الأمريكي جمس روبن  في التسعينيات من القرن الماضي (العراق هدف تكتيكي و السعودية هدف استراتيجي و مصر الجائزة الكبرى). و فعلا،  تم غزو العراق و احتلاله لأن فيه حزبا مقاوما يحمل في منظومته الفكرية مشروعا عربيا شموليا متكاملا أثبتت التجارب قدرته على بناء الدول وتحولها من دول فاشلة إلى دول متطورة بميزة الدول المتقدمة معتمدة علي نفسها و مكرسة قدراتها العلمية و الاقتصادية لبناء ذاتها و تنمية مجتمعاتها ؛ و هو ما لا يروق للأعداء.  فكان القرار المشئوم اجتثاث حزب البعث العربي الاشتراكي الذي اتخذه  اليهودي أبريمر الذي نصبته القوى الاستعمارية الدولية الامبريالية والصهيونية إرضاء للصهيونية العالمية و أعوانها من صفويين و غيرهم  ، لأن حزب البعث هو خنجر في وجه كل الأعداء  على نصاله تتحطم كل آمال الغزاة ، و بقدراته الفكرية يفك شفر كل مؤامراتهم الدنيئة و يقف أمام مخططاتهم التخريبية . فكان البعث فعلا عدوا لهم ، مما أستوجب اجتثاثه و محاولة طمسه .لكن هيهات .فقد قال تعالى ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين) فقد انبرى لهم حزب البعث و القوى الوطنية في العراق مسطرين أروع ملحمة في التاريخ، التحم فيها الجهد العسكري بالمدني وأرتقى الشعب إلى مستوى الحاضنة الأمينة لكل المجاهدين مما مكن المقاومة بقيادة الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي عزة إبراهيم الدوري حفظه الله وأطال بقاءه  أن تهزم أمريكا وأعوانها 2011 و أن تتصدى  لجحافل و خفافيش الاحتلال الإيراني ، الذين استقدموا لتكميل ما عجزت عنه آلة الحرب الأمريكية وحلفاؤها من تخريب و تدمير لمدن بكاملها علي رؤوس ساكنيها و تشريد للسكان لاستمرار معاناتهم وإضعاف إرادة الصمود و التحمل عندهم .

إن عظمة حزب البعث تظهر في هذا التاريخ المرصع بالبطولات و التضحيات الجسام في كل المعارك و الملاحم التي شهدتها الأمة العربية على مر التاريخ عبر قوافل الشهداء من عظماء القادة و الحزبيين .فقد كان فعلا حامي الوطن العربي من أقصاه إلي أقصاه. و في هذا الصدد ، يقول الشهيد صدام حسين في حديث له 1980: (و عن السيادة العربية ’ وفي كل المناسبات  التي وقع فيها عدوان صهيوني على العرب ’ تصرفنا علي أساس أن العدوان الذي يقع على أي قطر عربي إنما هو عدوان على العراق نفسه ’ ولذلك جيشنا في سوريا حيثما تطلب الأمر ذلك وحيثما طلبت الحكومة السورية هذا. )  وكان البعث أيضا في موريتانيا  عند ما حاولت فرنسا إقحامنا في حرب مع جارتنا الجنوبية حين تخلى عنا الإخوة والخلان و كان التشفي و الخذلان . لكن وحده  صدام استجاب عند الوهلة الأولي . كما كان البعث في اليمن حيث أشرف على توحيد هذا القطر 1994 .

ويقول أيضا الشهيد صدام حسين : ( المنكفئون  في التاريخ يتصورون دائما أن الحياة تمر عبر طريق واحد لذلك ينهارون ’ و الذين يصنعون التاريخ يجدون أنفسهم دائما أقوى و يجدون أمامهم دائما زمنا إضافيا يمكن استخدامه  لتحقيق أهدافهم و يجدون المستقبل مفتوحا وليس مغلقا ’ بل إنهم يجدون الحياة مفتوحة أمامهم حتى عند ما يستشهدون دفاعا عن الحق ) .

إن تغييب حزب البعث كفاعل في المحافل الدولية  ومسيطر على الأوضاع في البوابة الشرقية للوطن العربي أدي إلى تغير أدراماتيكي في منظومة  التوازن العالمي سواء فيما يتعلق بإشاعة ما سمي بالإرهاب و إطلاق أيدي وكلاء الاستخبارات الدولية لإفساد العالم و تخريب دول بكاملها . وقد كان نصيب الوطن العربي كبيرا حيث يمكن القول إن كل الدول العربية سقطت في فخ المؤامرة إما باستهداف مباشر عن طريق الغزو أو غير مباشر عن طريق ما سمي بالربيع العربي  .

و لا نامت أعين الجبناء  ….

 

قفوا مع طلابنا في الجزائر ..!

لا تمر سنة من السنين ، إلا والطلاب الموريتانيون يكابدون معاناتهم داخل البلاد وخارجها.. ففي داخل الوطن يعاني الطلاب من شح المنحة  ومحدودية المستفيدين منها، ومن تأخرها وقطعها لأتفه الأسباب. كما يعانون من شح وسائل النقل واضطراب انتظام ما هو متوفر منها. وفي خارج البلاد، فالأمر أقسى وأنكى؛ حيث يقاسي  طلابنا الأمرين : فهم في الغربة بعيدا عن وطنهم وذويهم ، وعن الصديق والرفيق ، الذين يستطيعون أن يمدوا لهم يد المساعدة  في انتظار ” استكمال” الإجراءات الإدارية التي تكتنفها بيروقراطية مقرفة  وتستبطنها أيدي الفساد والمفسدين  وانعدام المسؤولية. وفي هذا الإطار ، دخل طلابنا في القطر الجزائري الشقيق ، وحالهم حال أشقائهم في تونس والمغرب ، وفي كل مكان فيما يبدو ، إضرابا مفتوحا بعدما أخرجتهم ” سفارة ” بلدهم ، بقوة الشرطة الجزائرية ، إلى العراء  في ظل طقس شديد البرودة  ينزل على بطون جائعة  وأجسام مكشوفة  ومتهالكة ؛ وحيث لا قريب ولا صديق يقدم أي شكل من أشكال الدعم لهؤلاء الطلاب ؛ الذين لا ذنب لهم إلا أن تغربوا بعيدا عن الأب والأم  وغيرهم من ذوي القربى والأرحام لاقتناء المعرفة والخبرة العلمية التي يسعون لجلبها لوطنهم ، لإثراء حقل المعارف والتجارب والخبرات  في بلدهم وخدمة شعبهم. وإنه من المؤلم حقا أن تكون هذه المعاناة  ليس لها ما يبررها ، سوى أن مفسدين يتحكمون في مصير وزارة مثل وزارة التعليم، التي جهة صناعة الأطر  والكفاءات  الوطنية . فيعمدون إلى تسييرها على أمزجتهم الفاسدة وأنانيتهم المريضة ، وبهدف  إرواء نهمهم الذي لا يرتوي وإشباع بطونهم التي لا تمتلئ. إنها حفنة من المفسدين تتحكم في هذا القطاع الحيوي  تقتات على منح الطلاب ، فتقطعها  تارة  وتتلاعب بها تارة أخرى  بكل قسوة ولا إنسانية ، وحتى وإن كانوا طلابا في وحشة الغربة وضيق اليد  وبعد خطوط النجدة والإمداد . إننا في حزب البعث العربي الاشتراكي ، في موريتانيا، نؤازر أبناءنا الطلاب ، خيرة شعبنا ومستقبل وطننا  ومحط آمالنا ، الذين يتضورون جوعا تحت طقس البحر الأبيض المتوسط .. إننا نقف معهم وهم يتعرضون لأبشع صور الإهانة والظلم. كما ندعوا السلطات   إلى الرجوع إلى الضمير الوطني لإيقاف سياسة تجويع طلابنا التي تمارسها أطقم في وزرة التعليم ، ممثلة في وزير متغطرس  عديم الوطنية، كما شهد هو على نفسه أنه ” منتوج أجنبي ” فرنسي ” ، في لحظة من أخس اللحظات ، وفي شهادة  هي الأسوأ في التاريخ  لمسؤول في دولة  تزعم احترام سيادتها وهويتها. إنه وزير يتصرف إزاء طلابنا ، في الغربة ، بعقلية  ” المنتوج غير الوطني ”  الذي لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة ولا إنسانية. إنما ينظر إليهم  كخطر عليه وعلى أضرابه من ” المنتوجات البشرية الأجنبية ” ، حين يعودون إلى وطنهم مشبعين بشتى صنوف العلوم  التقنية  من الجزائر، وحين يعودون ، من بلاد المليون شهيد من أجل الكرامة والعزة،  مفعمين بقيم الوطنية والحرية والوعي بجرائم فرنسا في الجزائر، كما هي جرائمها في موريتانيا والمغرب وتونس.  كما ندعوا إخوتنا في قطر الجزائر الشقيق ،  وهم أهل النخوة والكرم العربيين ، أن يقفوا مع  طلابنا، وأشقائهم ، في محنتهم ، حتى يفرج الله كربهم. ونختم بالقول إن بلدا يضع خيرة أبنائه وزبدة مجتمعه في ظروف مهينة ، لا يمكن أن يكون مؤتمنا على قيم رفيعة مثل قيم الوطنية  والهوية الثقافية أو الاحتماء للعزة التاريخية. وإذن، ليس جديا في شعارات يطلقها باللسان ، ويعمل بخلافها في الميدان ..!!

 

الأوراق المدنية .. كابوس نوم ᴉ

لاشك أن بلدا لا يتوفر على حالة مدنية مضبوطة يستحيل عليه أن يضع خطة للتنمية ، كما يستحيل عليه أن يضبط حدوده للضرورة الأمنية التي أصبحت ضرورة وجودية للدول. هذا صحيح .. و صحيح أيضا إن شعبا مثل شعبنا – الذي تعود على الفوضى في كل حياته ، و يعتمد في هويته الوطنية  على الانتماء الأسري ؛ و يعتمد في ذلك على انتمائه الجغرافي – سيعاني في البداية أشد المعاناة النفسية من الإجراءات الفنية الموضوعية  التي تتطلبها إستراتيجية ضبط حالة مدنية بالمعايير الدولية . ومن هنا ، إن حزب البعث في موريتانيا يثمن هذه السياسة و يعتبرها انجازا استراتيجيا ، برغم وعيه بما تسببت فيه ، في البداية ، من مصاعب اقتصادية و نفسية لا عهد لابن الصحراء المفتوحة بها .ولكننا نعتبر أن هذا التثمين يبقى مشروطا هو الآخر باستعداد السلطات لتوخي أعلى درجات الفنية و الإنسانية لتسهيل تلك الإجراءات و التخفيف من متاعبها النفسية و المالية لتحفيز المواطنين على استصدار وثائقهم الثبوتية و ترغيبهم في ذلك . أما حين تصبح مصالح “الحالة المدنية ” جهازا لتعقيد الإجراءات الفنية و المماطلة المقصودة لحمل المواطنين البائسين على رشوة العمال و الموظفين ، فضلا عما يعانونه من صعوبات نفسية ، فإن الأمر يصبح كابوسا مرهقا . إن المواطنين اليوم يتحدثون عن أن هذا “الجهاز ” بات وكرا من أقذر أوكار الرشوة و المحسوبية و الزبونية ، و التعاطي بالقبلية و الجهوية و الشرائحية . فالمواطن الذي لا يملك ما يرشي به العمال أو ليس لديه أحد من قبيلته أو جهته أو شريحته في هذا الجهاز يمضي الليالي مع الليالي أمام مقرات الحالة المدنية دون التوصل لإصدار وثائقه التي يترتب عليها حقوقه في مشاركة أبنائه في المسابقات الوطنية أو رفع أحد ذويه خارج البلاد للعلاج … وقد اتخذت هذه الوضعية المخلة بأمانة الوظيفة يافطة “نفاد” شكليات المستخرجات سواء بالازدياد أو لعقود الزواج أو لجوازات السفر أو لبطاقات الهوية .كما أن هناك تعقيدا آخر ينتهزه المرتشون و هو يتعلق بأبناء العرب السمر ، الذي اضطرت بعضهم و ضعيات القهر و العبودية التاريخيين إلى عدم معرفة أجدادهم . إن هذه الشريحة ، هي وحدها ، التي تحمل صفة الانتماء الحصري لهذا الوطن .فإذا كانت الشريحة العربية البيضاء تجد لها امتدادا باتجاه المغرب و الجزائر ، بحيث تتداخل الأسر و القبائل ، و إذا كان أبناء  الجنوب يحظون بامتداد لهم في مالي و السنغال بحيث تتداخل هناك المجموعات العرقية ، و الأسرية ، فإن العرب السمر (لحراطين) موجودون حصريا في هذه الأرض – موريتانيا – . ومن هنا ، فإنه من الملح وطنيا و إنسانيا أخذ هذه الوضعية في الاعتبار ؛ و يجب وضع تسهيل إيجابي لأبناء هذه الشريحة التي لا يستطيع كائن من كان أن يشكك في انتماء فرد من أفرادها إلى المجال الجغرافي و التاريخي لموريتانيا .

 

 

الوضع الزراعي ….والمشاكل المتفاقمة :

 

عرفت السياسة الاقتصادية في موريتانيا مشاكل كثيرة منذ بداية النشأة ،حيث تم اعتماد سياسات قطاعية خاطئة لم تراع أولويات التنمية في تلك المرحلة ’ حيث كان الاعتماد الأساسي على قطاع المعادن الذي تتحكم فيه عوامل لا يمكن التحكم  فيها ، منها طبيعة النضوب و وضعية الأسعار العالمية وضعف الاستفادة والمرودية من تلك المعادن  بسبب عدم الاستفادة من القيمة المضافة و انعدام اليد العاملة الماهرة ’ مما قلص استفادة بلادنا من عائدات ذلك القطاع  .

و بالرغم أن بلادنا شهدت في بداية السبعينيات و الثمانينيات موجة جفاف و تصحر كبيرة قضت على الغطاء النباتي ، وانحسرت فيها الأمطار مما أثر على الزراعة و خاصة منها التقليدية التي كانت اعتماد غالبية المجتمع الموريتاني . ومع توفر بلادنا على مصادر مائية سطحية دائمة معتبرة تتمثل في مياه نهر السنغال  و بحيرة كنكوصة و تامورت النعاج مع مناطق خصبة بما فيها سهل شمامة الذي تبين المؤشرات أن استغلاله يمكن أن يكفي لسد غلة منطقة شمال أفريقيا ، فإنها لم تتجه نحو استغلالها إلا في وقت متأخر ، في الوقت الذي متطلبات إنقاذ الاقتصاد الوطني آنذاك تشير إلي أولوية الاعتماد على الزراعة .

أما في فترة التسعينيات، فقد تم التوجه نحو الزراعة ولكن بشكل خجول وغير مدروس ،حيث وزعت بعض القطع الزراعية على من كانت غالبيتهم تجار وليسوا مزارعين كما سهلت لهم القروض الزراعية مما أدى إلى إفشال تلك الخطط التنموية عن طريق إفلاس بنك القرض الزراعي  الذي وجهت أمواله  إلى التجارة وشراء الحيوانات .

تبين الأرقام أن المساحات الزراعية تقدر بنصف مليون هكتار أي مليون و نضف مليون فدان ،منها 137 ألف هكتار تروى بمياه نهر السنغال ونحو 240 ألف هكتار تروى عن طريق مياه الأمطار أما الباقي فيروى عن طريق مياه السدود بالإضافة إلى الزراعة تحت النخيل .

و ما زالت الجهود متواصلة من طرف السلطات للتحسين من أداء هذا القطاع على الرغم من تخصيص أموال طائلة للنهوض به . إلا انه يواجه بعض المشاكل و العراقيل التي لا زالت تحول دون تحقيق الأهداف المرجوة ، منها:

غياب إستراتجية زراعية طويلة المدى لا تتغير بتغير مسؤول معين و التحسين من جودة الإنتاج مما يمكن من منافسة الإنتاج الأجنبي وضعف مردودية الزراعة التقليدية بسبب عوامل من أبرزها بدائية الوسائل المستخدمة والاعتماد على طاقة الإنسان في غالبيتها ومشاكل الملكية العقارية بالإضافة إلى انتشار الآفات الزراعية والنقص الحاد في وسائل الحماية، كما أن سوء التخطيط والفساد أديا إلى إخفاق الخطط التنموية الزراعية .

وتعاني المساحات المزروعة من عدم المساواة في الولوج إلى مياه الري. فالبعض ضمن مخطط القنوات الانسيابية و البعض الآخر قديم يعتمد على ماكينات المازوت مما يزيد من تكاليفه ويقلص هامش ربحه  الذي يهدد بانسحاب المزارعين من النشاط الزراعي . فالمطلوب إعادة إصلاح المنطقة القديمة أو تحمل تكاليف آلات الضخ  و تعميق المجاري حتى آخر نقطة في المزرعة  ،مع مواجهة خطر الآفات الزراعية من طيور و حيوانات و أعشاب ضارة و ضرورة اتخاذ وسائل الوقاية و الحماية أو التدخل في الوقت المناسب دون ترك المزارع الضعيف يواجه أخطارا تفوق قدراته الذاتية  .

و لا زالت  استفادة موريتانيا من الموارد المائية لنهر السنغال دون المستوى المطلوب ’ على الرغم من التوسع الجديد في المزارع و شق قناة “كرمسين” الزراعية  التي تعتبر في غاية الأهمية إذا استغلت قدراتها الإنتاجية أحسن استغلال. فحذاري من تجربة مشروع  “فم لكليت” و ما آلت إليه من إهمال وضياع  اندثرت معه آمال الفقراء و ضاعت أموال و جهود شعب فقير هو في أمس الحاجة لها .

ولاستيفاء بعض حقوقنا من مياه النهر السنغالي التي فرطنا فيها كثيرا ، فان السلطات مطالبة باتخاذ سياسة مائية تمكننا من الاستفادة من كامل حقوقنا للنهر السنغال طبقا للقوانين المعمول بها في الدول المشاطئة للنهر والتي ستتحول عن طريقها تلك الأراضي الجرداء بسبب الجفاف و التصحر إلى مساحات خضراء وحدائق غناء كما كانت ’ مما يخفف من وطأة التصحر و يحيي تلك المناطق ويوفر فرص إنتاجية جديدة تمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الغذائي ’ بل و تصدير فائض الإنتاج الزراعي ’  إذا توفرت الإرادة الصادقة و الموارد الاستثمارية الكافية و الجهود الوطنية المخلصة  .

لا شك   أن التنوع في المجال الزراعي   مطلب أساسي للتنمية الاقتصادية الشاملة مما يتطلب وجود الأساس الذي يقوم عليه النشاط الإنتاجي . فالتركيز على إنتاج الأرز والقمح ، و في الآونة الأخيرة الخضروات، مسألة في غاية الأهمية لاعتمادهم كأساس الغذاء عند المواطن الموريتاني ،إلا أن مستوى جودة الأرز لازالت متدنية في غالبيتها سواء على مستوى النوعية أو مستوى التقشير حسب ما هو معروض في السوق مما يتطلب التركيز على البحث الزراعي لتطوير نوعيات جيدة وملائمة لطبيعة المناخ الموريتاني . و لا بد من معالجة عقلية المواطن الموريتاني المتخلفة  التي تنفر من أي إنتاج وطني، وذلك عن طريق توفير عامل الجودة مع الحملات الدعائية في مختلف وسائل الإعلام و إعداد برامج توعية  جادة  . أما  القمح فلا زال في طور التجربة  نظرا لحداثة إدخاله في الزراعة الموريتانية ’ وبالنسبة للخضروات فان إنتاجها يعرف فوضى و اضطراب غير مضبوطتين . ففي موسم الحصاد تتوفر الخضروات في الأسواق بشكل زائد مما يؤدي إلى أن ينزل سعرها إلى مستوى متدن جدا بالشكل الذي يعبر عنه البعض بأن خسارته عند ذلك المستوى من السعر كبيرة . و لأنها لا تدخر، فإن المزارع مضطر لبيعها في ذلك الموسم و بأي تسعرة. وعليه، فان السلطات مطالبة بتوفير ثلاجات كبيرة و مصانع تعليب للخضروات في مختلف المناطق الزراعية في البلد حتى يمكن ضمان تموين السوق بشكل منتظم ’ وحمايته من الإنتاج الأجنبي الذي يسيطر علي العرض في السوق الوطنية .

أما زراعة الذرة و الفاصوليا و الفول السوداني و غيرهم من المنتجات فغالبا ما تكون وراء السدود وفي السهول و الوديان و تحت النخيل معتمدة علي مياه الأمطار و الآبار’  تستخدم فيها الوسائل البدائية علي الرغم من أنها سلع أساسية عليها طلب كبير في السوق  .

إن هذا البلد الغني بموارده الطبيعية و يملك موارد مائية هائلة و أراضي شاسعة صالحة للزراعة  و قلما تجد موقعا في الخارطة الموريتانية إلا و تصلح فيه الزراعة ، ومع هذا ، فانه يعد ضمن  البلدان  المتخلفة و الفقيرة.فالمواطن فيه غير مؤمن غذائيا؛ بل  يعاني المجاعة في بعض جوانبه  و هذا ما أشار له برنامج الغذاء العالمي حيث يقول “إن واحدا من كل ستة موريتانيين معرض لانعدام الأمن الغذائي! ” .

 

 

الأنظمة الفاسدة و السلاح الفعالᴉ

من المعلوم أنه في كل الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة و العفنة تكون السلطة الحاكمة في صراع دائم و أزلي مع معارضاتها ، محاولة بكل جهدها تفتيتها و إبعادها عن الشأن العام مخافة الإطلاع على كل التصرفات التي تقوم بها هذه الأنظمة في سعيها لنهب ثروات البلد و تفقير شعبه و تلجأ هذه الأنظمة في الغالب إلى مجموعة من الأسلحة المتاحة و زهيدة التكاليف و الفعالة في نفس الوقت ، و أهمها سياسة الترغيب و الترهيب ؛ حيث تحاول هذه الأنظمة التقرب من بعض رموز معارضيها سبيلا لكسب ودهم من خلال إشراكهم في بعض فتات الكعكة المراد تقسيمها ؛ فيصبح أغلب هؤلاء و أقلهم ارتباطا بالمبدأ و أكثرهم جريا وراء المصالح الشخصية و بكل وقاحة جزءا من نظام كان إلى الأمس القريب يمثل الشيطان الأكبر بالنسبة له ، ثم يبدأ في الاستماتة  في الدفاع عنه ، ويتجاسر على زملائه و رفاقه السابقين ، متهما إياهم بكل أوصاف السوء و قلة الوطنية .و إذا لم تجد وسيلة الترغيب هذه ، فإن هذه الأنظمة تلجأ إلى السلاح الأكثر فتكا  وفعالية بالنسبة للعناصر الفاعلة في هذه المعارضات ، في المقدمة أصحاب رؤوس الأموال الذين يمثلون حجر الزاوية في العملية الديمقراطية في الوقت الراهن بفعل سيطرة النظام الرأس مالي المتوحش ، الذي يعتمد على المال و المال فقط للوصول لأي هدف؛ فتقوم هذه الأنظمة بإنهاك هؤلاء بالضرائب ، باعتبارهم أهم ممول للأنشطة السياسية بشكل عام ، سعيا لإفلاسهم أو على الأقل منعهم من القدرة على مساعدة هذه المعارضات . وفي هذه الوسيلة أو هذا السلاح تتفاوت ابتكارات الأنظمة و الحكومات الفاسدة . و آخر هذه الابتكارات ما قام به النظام الموريتاني مؤخرا من إجبار المؤسسات الخاصة على زيادة نسبة ضرائب الأجور من دون مبررات اقتصادية موضوعية ( لا زيادة في عدد العمال ولا زيادة في الرواتب ) وإنما في أحسن الأحوال ، و في حالة إصرار أي مؤسسة على إعطاء مبررات ، “يجيبونها” بأنها حققت خلال العام الماضي رقم أعمال مقداره “كذا ” في حين أن الرقم يمكن أن تصل إليه المؤسسة بصفقة واحدة ،ربحها لا يصل إلى نسبة الضريبة التي من المقرر أن تدفعها عن الشهر الواحد، فتعمد هذه المؤسسات إلى الأساليب الملتوية و الزبونية و الرشوة و المحسوبية .

 

المدرس في موريتانيا ..الأمانة المهنية  في مواجهة المستحق

الأمانة المهنية هي ما يعبر عنه في الدراسات التربوية  ب (الرقيب الداخلي) أو الضمير؛ وهو يعني ذلك الشعور الذي ينتاب الكرماء عندما يهدد حيزهم تيار الانحراف  فينتفضون في وجهه ممانعين له من الاجتياز حتى لا يتضرر منه من لا يعرف خطورته.

ويقصد بالمستحق ذلك المرتب الذي يعوض للعامل عن خدمته سواء كان هذا العامل إداريا أم مدرسا أم طبيبا … وتتميز مهمة المدرس والطبيب بالمثالية لأنها هي مرتكز الحياة الاجتماعية والتنموية لأي مجتمع.

وفي كل بلد تعمل مؤسسات التعليم إلى وضع معايير تربوية تقوم على روح النقد ومراعاة أحوال الناس النفسية والاجتماعية كي تؤتي هذه العملية أكلها بما يخدم البناء الحضاري الجيد؛ غير أنه  في حالة موريتانيا يأتي العكس دائما كلما هاج تيار الفوضوية ليجرف كل مقوم حضاري محتمل .

يقول المدرسون لتلامذتهم دائما إن عائق التنمية المستدامة تقف وراءه السلطة لأنها تشجع الزبونية والمحسوبية على حساب المهنية والعلمية والكفاءة، ويضربون على ضوء ذلك الكثير من الأمثلة، كما يقدمون التجارب التي مروا بها أثناء تأدية مهامهم والمعاناة التي يتعرضون لها. ولكن اللحظة الفاصلة تقف عند مزاولة هؤلاء المدرسين لمهنهم بأمانة كلما لاح برق يهدد المستحق( الراتب) ذلك المقدس الذي يحتل مكانة عظيمة تفوق هم الشعب وهم الدولة و مستقبل الأجيال!.

ففي تقديمه لمادته يتصور المدرس أن ما بينه من نقد للواقع هو كاف لإبداء حسن نيته وحرصه على تقديم المطلوب بنصح وأمانة؛ ويفوت على أغلب هؤلاء المدرسين أن الدرس النقدي الذي قدموه لتلامذتهم ـ وهم يعتبرونه نقدا للسلطة ـ هو بعينه نقد مجرح للمدرس لأن مهمة المدرس لا تقف عند تفانيه في الخدمة المعوضة وإنما يجب عليه أن يقدم التضحيات بنفسه إن تعارض له تسديد مستحقه مع مصلحة البلد بما يعطي الأولوية للصالح العام على حساب النفع الخاص.

أساتذتنا ومعلمينا وجدوا سانحتهم في الفساد الإداري والسياسي ولعبوا على وترها فصاروا ينتهزون فرصة الحصص ليشبعوا أفكار النشء والمراهقين بأنه إذا تعارضت لك مصلحة البلد العامة ومنفعة الخاصة فقدم منفعة الخاصة!.

يقول الواحد منهم وهو  في حالة نشوة واستطراد : لقد قمت بالمبادرة الهادفة كذا في يوم كذا بتاريخ كذا ولما اكتشفت الدولة (السلطة) مدى أهمية هذه المبادرة حاصرتني وقالت لي إن لم تتراجع عن هذا الطموح سنجردك من المهام ونقطع مرتبك فلم يبق لي إلا أن أستسلم!!.

ومع أن السلط في بلادنا  تتعمد هذه الممارسات دائما إلا أنه لا مبرر فيها لاستسلام أهل الطموح ومربي الأجيال. وفي حالتهم تعرضوا لها وانهزموا فليس من الجميل ذكر هزائمهم  للتلاميذ كي تشبع أفكارهم بالجبن والبخل والاستجابة لغلبة الطمع وقهر الرجال! إذ قل ـ إن لم نقل لا يوجد ـ من بينهم من يقول بأنه تم عزله لأنه استمات دفاعا عن مهمة وطنية يمليها عليه شرف مهنته.

ولاشك أن هذا المؤشر يفسر لنا حالة الفساد الذي ينمو داخل جسم الدولة مع الوقت منخرا قواها ومعترضا سبيل بنائها مما فسح المجال واسعا لتحميل كل طرف مسؤولية التخلف بما ناسب روح الآية الكريمة﴿ كلما جاءت أمة لعنت أختها حتى إذا ادًاركوا فيها جميعا… ﴾ لم يعد هناك في الحقيقة من هو مسؤول بمعنى الكلمة.

إن مجتمعا لم يتغلب على حالة تعليمه، ولم يجعل مكانة المدرس توازي مكانة القاضي في الهيبة والوقار لهو مجتمع محكوم عليه بالفشل؛ وإن أي مدرس لا يتصرف انطلاقا من دفع شحنته المعنوية عندما تستهدف كرامة بلاده لهو مدرس لا يؤمل منه سوى تربية الأجيال على الذل والخنوع الاستسلام.

 

 

لنسمي الأشياء بمسمياتها

 

المدينة درجة من التفاعل الاجتماعي بضوابط تمليها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والعرف المجتمعي، ولا يمكن حصر المفهوم في حالة الاستقرار البشري أو تعدد النشاط الاقتصادي وكذا المخطط العمراني ـ كما هو رائج ـ، فبوجود هذه المقومات نقول تجمعا حضريا تجاوز درجة القرية، ويستحق صفة المدينة حين يبنى على السلوك المدني، والذي هو مجموع التصرفات التي يمليها العقل الجمعي، تصرفات هي بدورها نتاج نمط الحياة السابق على المدينة، والحالة الاقتصادية والاجتماعية الراهنة للمجتمع، إضافة إلى مستوى حضور الشخصية السلطوية وتأثيرها على البناء الاجتماعي، ولا نزال بعقل بدوي ومظهر مدني ما دام ذوي الحظوة في التعليم يغردون بأفكارهم وسلوكهم بعيدا عن سرب المجموعة السكانية للتجمع الحضري، كما يساهم في استفحال السلوك المنافي للمدنية كون السلطة بمختلف تشكيلاتها وصفاتها وأسمائها قابعة في برجها العاجي تاركة المواطن يعتمد فلسفة الغابة حيث يكون البقاء لأصحاب النفوذ السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، فيضربون بعرض الحائط كلما من شأنه الحفاظ على انسيابية النظام داخل ما نقول عنها مدينة!!!

إننا في نواكشوط حيث المدينة ـ كما يقال ـ نعيش انفصاما بيّنا في الشخصية الحضارية، إذ لا زال سلوك “لمراح” هو الطابع المميّز، ولا زال معيار “لخيام لكبار” شائعا في الرواق الإداري، كما تشيع الأنانية الفردية والجماعية في الشارع والمدرسة والمستشفى ……. كل ذلك مرده عجز الهيكلة القطاعية للدولة بشكل عام فالمؤسسة التربوية عجزت عن ترسيخ مفاهيم الحياة المشتركة عند المواطن، كما عجزت المؤسسة الأمنية والترسانة القانونية عن إخضاعه لضوابط المدينة، وحين تلام الدولة على هذا الواقع ـ الذي يجعل من نواكشوط تجمعا حضريا لا يرقى لصفة المدينة حسب رأينا ـ فإنما هي ملامة للمجتمع الذي أنجب الشخوص التي تسير الشأن العام.

يمكن لزائر نواكشوط يوما واحدا ودون كبير عناء تسجيل عشرات الحالات من الممارسات المنافية لروح المدينة، فيسمع ويرى ويستنشق ويلامس المظاهر السلبية، وربما أصابته العدوى فينطق حينها بما يجعله نواكشوطي السلوك، فنحن وبلا فخر!! مجتمع تساهم كل جارحة عند أفراده في صنع هذا الواقع، مما جعل من الصعوبة التخلص منه، وهنا سأحاول استعراض أمثلة على ممارسات مشينة تتحمل الدولة المسؤولية عن بعضها فيما يقع اللوم في بعضها على الفرد، ونحن إذ نستعرضها ليس جلدا للذات فحسب بقدر ما هو دعوة ناصوح بالعمل على تغييرها.

ـ تعمل مصالح الدولة ومؤسسات الأشغال العمومية على تقديم الخدمات للمواطنين، من خلال ورشات متعددة كصيانة الطرق والإنارة العمومية وحملات التنظيف في الشوارع… وهو نشاط نهاري التنفيذ، مما يؤدي لعرقلة الحركة داخل المدينة، بخلق أزمة الازدحام المروري وتأخير المواطنين عن قضاء مصالحهم.

ـ رغم اعتماد قطاع شبه عسكري لأمن الطرق، انتظر منه المواطن ضمان احترام السائقين لضوابط المرور، إلا أن تجاوز إشارة المرور وعدم التقيّد بالقانون وخلو السيارات خاصة الموجهة للنقل العمومي منها والخاص من شروط السلامة، لا زالت سمات بارزة ومفخرة بين السائقين، حيث يتبارون في قدرتهم على تجنب الوقوع في يد السلطات، وحتى في نفوذهم إذا ما حدث وأن ضبطت مركباتهم.

ـ يعتبر المجتمع الموريتاني مجتمعا استهلاكيا بامتياز، ما يجعل منه مجتمعا منتجا للنفايات، وليس أقل شأنا في ذلك من مجتمعات كثيرة ومتحضرة رغم ذلك، والسر في تحضرها وتخلفنا يكمن في الطرق والآليات المعتمدة سبيلا للتخلص من النفايات وحتى معالجتها للاستفادة منها، فيما نتحرى بنفاياتنا المنازل المهجورة والساحات العمومية والشوارع، في أنانية مفرطة، وتقاعس للجهات المعنية.

ـ الكلمة الطيبة صدقة، وأساس متين لبناء رابطة صداقة أو زمالة، وحتى أبعد من ذلك، ومع إدراك الفرد الموريتاني لهذه الحقيقة، إلا أنه كثيرا ما يستخدم العبارات النابية والسوقية في الشارع والإدارة، في تجاوز للخلفية الثقافية للمجتمع، وهو ما يدفع شيئا فشيئا نحو خلق المجتمع الانزوائي الذي لا يهتم فيه الإنسان بأخيه الإنسان.

ذلكم غيض من فيض ممارسات نتعايش معها يوميا، دفعنا التفكير فيها إلى استنتاج أن المسؤولية فيها تقع على عاتق المتعلم (تثقيف الناس) والسلطة (فرض النظام)، كما خلصنا منها بأن نواكشوط ـ أحرى مدن الداخل ـ لا تعدو كونها تجمعا حضريا لا يرقى أن نقول عنه مدينة!!!!

 

الدولة الموريتانية بين المعنى التاريخي الأكيد واحتمال البقاء الغامض

هناك الكثيرون من الشباب و الولدان الذين يقولون : لنا دولة ويستميتون في الدفاع عن المقدرات المعنوية لديهم ، آكلين بذلك تراثا كاد لا يقنع من يسمع ذكره لولا أنه موثق بسبب تناقضه مع واقع المتشبثين به!

والأمر الذي لم نقرأه في التاريخ هوأن شيئا انتهى قبل أن يبلغ حده؟؛ مفاد هذه الحسرة أن دولتنا (موريتانيا)، وريثة ذاك المعنى الذي تغنيىنا به ولا نزال ـ وأبهر غيرنا وثار إعجابه ـ : (بلاد شنقيط)،(بلاد الملثمين) …، منذ تأسيسها باسم الدولة الوطنية وهي تسير في طريق يمشي عكس النمو.

في مراحلها الأولى كان الطامحون إلى إحراز دولتهم موقعا يليق بتاريخها في مصاف الركب الحضاري، يعللون سبب التخلف بمخلفات الاستعمار وبعد المجتمع عن فهم المرحلة؛ وظل نضال ذلك الجيل مسخرا للتخلص من تلك المعوقات وتلمسوا بصيصا لاح في حدث إزاحة أول رئيس حكم الدولة عن هرم السلطة، معتبرين أن ذلك يعني التخلص من الحلقة الأبرز في دعامة التخلف وهي حلقة التبعية؛ غير أنهم ما لبثوا أن حلوا في حالة الظمآن الذي يتراءى له السراب فيحسبه ماء ﴿حتى إذا جاءه لم يجده شيئا﴾.تخيلوا دولة ديمقراطية فحلوا في موقع ثكنة عسكرية لا صوت يعلو فيها على صوت المدفعيات ولا مجال للتفكير فيها يتجاوز محتوى [نفذ ولا تناقش].

كان من بين المنكسرين بخيبة الأمل تلك من ساهموا في إزاحة النظام ولكنهم غدوا كما يقال عن حال أهل العراق يوم رحل الحجاج  فتوقعوا التحرر إلا أن خلفه كان أدهى وأمر عليهم  فصرحوا قائلين(رحم الله الحجاج ما أعدله) ونحن على لسان جيل التغيير الأول نقول “رحم الله المختار ولد داداه ما أرقى تفكيره”.

منذ تولى العسكريون مقاليد الحكم أجمعوا على أن يبقوا الدولة في حالة محيرة لا يمكن أن تستوعب في أفق التفكير الطبيعي؛ إذ كلما جاء أحدهم لعن أخاه، وكلما طال به الأمر تدارك خطاه وتشبث بها، بل يزيد. كأن الهدف هو أن توضع في ذاكرة كل جيل أن الفشل جبلتنا وعلينا أن تؤمن به ملة!.  فلا يعقل أن تكون دولة تمتلك تاريخا كتاريخ موريتانيا  وتتوفر على مقدرات ـ في مجالات عديدة: اقتصادية، استيراتيجية ،حضارية …ـ بحجم مقدراتها تتوقف عند نقطة الانطلاق وإن برحتها فإلى الوراء!

إذا ألزم أن نقدم  تفسيرا لهذه الوضعية، ونحن بذلك لا نعدو كوننا مكررين لخطاب قديم قدم هذا العائق، نقول إن ثمة ثلاثة عوامل هي سبب ما يؤخر دولتنا وهي:

1 التخلف الفكري الذي يهيمن على الكثير من نخبتنا وخاصة المرهونين منهم لذوق السيدات والأبناء وحاجات المنزل. وهذا لا يعني خلو أذهان نخبتنا من الثقافة النظرية للحضارة، بل يعني خلوها من استيعاب المعاني العميقة للحضارة وعدم إدراك أهمية البساطة في وقت العظمة أحرى في وقت لا مقوم حقيقي يثبت وجودنا؛ يستشف ذلك من خطاب الرئيس الأخير حول الإيديولوجيات والمؤسسات الموقرة لدى كل دول العالم.

2 عدم الاستقلال المالي والثقافي وهما حالتان إحداهما رهينة للأخرى بفعل المديونيات، فأرغم التعليم مثلا على استنساخ خصوصية فرنسا ووضعها فوق جسم موريتانيا لغويا، وبالتالي جهل الكل وفي المقابل فقرت الدولة بتفاقم المديونيات. وهنا نعتبر أنه من الأفضل العودة إلى القطاع الأول لكي نوفر بعض الاكتفاء الذي يخفف من استيراد اللقمة العادية وهي في الحال مستخرجة من بقعتنا!.

3هشاشة  اللحمة بين الفرقاء السياسيين في القضايا المركزية مما أعطى للأنظمة المتخلفة فرصة لضرب بعض هؤلاء الفرقاء ببعض كلما احتاجت إلى ذلك. وهو ما حدث في الأنشطة المتلاحقة منذ 2008 والتي تم الاصطلاح عليها مجازا بالحوارات (الوطنية) تارة وتارة ب (الشاملة) في الوقت الذي هي لا تعدو كونها بنود من أجندة الدولة العميقة تطبقها كما تشاء.

تحصيل الحاصل في هذا : إذا استمر المسيرون لشؤون الدولة الموريتانية ومن يشاكلهم على هذا النحو وبقي السياسيون في حالة الجفاء هذه فإن دولتنا ستنتهي دون أن تبلغ حدها، اللهم إلا إذا كان حدها هو ذاك الذي بلغته قبل إبان الدولة الوطنية والذي لم نعد نحن الحاضرون ولا الذين سيأتون من بعدنا أصحاب الفضل فيه؛ ووقتها سيتذكر خيال الإنسان فينا أننا عجزنا عن لعب دورنا واستعضنا عنه بأكل التراث وحب المال بلا مجهود وبلا عمل.

 

مسلسل الموت الجماعي .. !

يتعرض شعبنا لإبادة صامتة ، ومسلسل ، لا ينتهي ، من حالات الموت الجماعي  جراء أكثر من عامل. غير أن انتشار الأدوية المزورة والأغذية الفاسدة يتصدر ابرز أسباب هذه الإبادة الجماعية. فالدولة مكنت جماعات من السماسرة ” التيفايه ” – الذي لا يفقهون علما في الدنيا وليس لهم ضمير أو وعي بالإنسانية  – بالترخيص لهم في توريد الأدوية على نحو فوضوي ، يصحبه الجهل والجشع !. فأغرقوا السوق الوطنية بالأدوية المزورة كليا، أو بالأدوية منتهية الصلاحية كليا أو جزئيا، أو مغشوشة في درجة الفاعلية العلاجية  كليا أو جزئيا. أو توريد أدوية في ظروف تعبئة سيئة ، حيث تمكث مكدسة تحت أشحة الشمس الحارقة أو الرطوبة الشديدة ، لأيام عديدة .  فهذه الأدوية تأتي في علب وأكياس مهترئة  في السيارات من مسافات بعيدة  عبر التهريب  داخل أدغال إفريقيا، بالتواطئ  مع جهات دولية مافيوزية في إطار الفوضى العالمية التي طالت كل شيء.  وبموازاة الأدوية المزورة الهلاكة، هناك وحوش بشرية  موريتانيون آخرون  متخصصون ن يعملون على مرأى ومسمع من السلطات ، في توريد الأغذية الفاسدة ، منتهية الصلاحية  هي الأخرى، أو سبق أن تعرضت لعوامل أثرت على قيمتها الغذائية وحولتها إلى أغذية مضرة  بالصحة ، بدلا من  أن تكون مفيدة. وهكذا ، تعج السوق الوطنية  الموريتانية  اليوم بمختلف أنواع هذه السموم  القاتلة ، من أدوية وأغذية  مزورة ومغشوشة ، وعديمة الفاعلية ومنتهية الصلاحية. فكانت النتيجة مروعة : فلا تخلو أسرة موريتانية  إلا وقد فقدت فردا أو أفرادا منها بسبب نوع من أنواع السرطان المنتشرة بين الشعب. ولا تخلو أسرة  من الشعب الموريتاني إلا وتعالج مصابا ، ميئوسا منه،  بأحد أنواع السرطان، على هذا النحو الرهيب.  لقد كتبنا كثيرا في اعداد الدرب العربي منذ سنوات عن هذه الظاهرة،  وناشدنا السلطات الصحية بعقد ندوات توعوية على عوامل هذه الظاهرة، و حثثناها  على تنظيم ندوة علمية بحثية للاطلاع على الأسباب الفعلية لانتشار السرطان في بلدنا حتى أصبح وباء  يهدد المجتمع، كما هو حال الأوبئة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.  ولكننا ننادي أصحاب القبور ! .. فحتى الآن، لم تكترث السلطات بهذه الظاهرة ، ولم تتحدث عنها  رسميا. وبروح المسؤولية إزاء شعبنا ، سنواصل توعية أبناء وطننا على خطورة بعض المواد الغذائية ، كما نوهنا عنها في أعداد سابقة، مثل المعلبات والعصائر  و” البساكيت ” والمشروبات الغازية  والنعناع والخضروات  غير المعقمين ، والكسكس و ( العيش – العصيدة ) المعلبة في أكياس الاسمنت المشبعة بالغبار الدقيق من هذه المادة.  ومما يسعدنا أننا لاحظنا أن بعض المواطنين أصبح ينتظم في أطر مجتمعية للتوعية الشعبية على ظاهرة  الأدوية المزورة والأغذية الفاسدة . ويسعدنا أن حزبنا كان السباق إلى  هذه الحملة التوعوية الشعبية، عبر الدرب العربي ،بين أوساط شعبنا ونخبه الشبابية  الوطنية .. الكريمة.

 

 

 

القمامة هي واجهة بلادناᴉ

لم نقصر يوما عن الحديث عن مجمل مشاكل المواطن في بلادنا، منذ أكثر من ثلاث سنوات خصوصا القمامة و أكداس الأقذار المنتشرة . و لقد سبق أن أجرينا مقابلة مع “القمامة “؛ في إطار نقدنا اللاذع للواقع و للسلطات المعنية . واليوم نعاود الحديث عن القمامة التي باتت هي واجهتنا للضيوف من شتى جهات العالم . فأنت حين تدخل مدينة نواكشوط من أي جهة أول ما يواجهك هو جبال القمامة بشتى أشكالها : حيث جثث الكلاب و القطط و المعز و الحمير وتلال من أكياس لبلاستيك و العلب الفارغة و جذوع الأشجار و أوراقها الميتة و البيض الفاسد و حفاظات الأطفال المشبعة بالبول و المملوءة بالبراز و أنواع الخردة و أسلاك الشباك و السياجات الحديدية المتهالكة و روث الحمير و بعر المعز و الإبل و حواصل و مصارين و مخالب الدجاج .و بقايا دقيق الفحم الخشبي فضلا عن بقايا و فضلات الأحياء الميسورة من الأطعمة و المشروبات التي يرمونها في الشارع كيفما اتفق ، و الثياب البالية …..

وقد توصلت المجموعة الحضرية و هي الجهة المسؤولة عن نظافة العاصمة إلى تقنية جديدة، فيما يبدو ،وهي ترك المواطنين يحرقون أكوام القمامة الشاهقة بين الأحياء السكنية في كل ساعات النهار و ساعات الليل ؛ الأمر الذي فاقم خطورة القمامة .ففضلا عما سببته القمامة واسعة الانتشار من إمراض مكروبية وفيروسية ….و بعوض ، جاءت أدخنة هذه المواد المسمومة لتسبب أمراض الحساسية الجلدية و الربو و ضيق التنفس ؛ وخصوصا للذين يعانون أصلا من مشاكل في التنفس و القلب ؛ و للذين تقدمت بهم السن. إن تفاقم القمامة عائد إلى تفشي العفوية و العشوائية التي تطبع سلوك الموريتانيين بشكل عام ؛ حيث يرمي الموريتانيون أوساخهم و فضلاتهم في كل مكان؛ ويستوي في ذلك  المتعلم وغير المتعلم. كما أن الدولة ممثلة في جهاتها المختصة ، غائبة على المستويين: الردعي للذين لا يعبئون بنظافة المجال الحضري، وكذلك  غياب  العامل التحسيسي و التربوي للمجتمع حول أهمية دور المواطن في نظافة مجاله ؛و أهمية هذه النظافة لصحته و صحة أطفاله و ذويه . و هكذا تتكدس القمامة بوتيرة مذهلة في كل أحياء العاصمة ولا يبدو انه في الأفق دور للسلطة في وضع استرتيجية لمواجهة هذه البلوى الملازمة للحياة المدنية ، و حياة الاستقرار بصورة عامة .

و بكل تأكيد، سيأتي اليوم الذي تتوقف فيه حركة المشاة و المركبات على الشوارع العامة و أمام مكاتب المصالح العمومية بسبب زحف ركام القمامة بعدما غصت الأزقة و الشوارع الفرعية بها…وقد يتباهى العالم أننا البلد الذي يتقدم في مجال القمامة …بعدما تأخرنا عن شعوب العالم في كل شيء ايجابي ᴉ

 

التعليم .. من أداة اندماج إلى أداة تفرقةᴉ

يسجل تاريخ الشعوب  أن وحدتها و اندماجها الاجتماعي و تطورها العقلي و الثقافي و المادي كان ، ضمن تضافر عوامل عديدة ، عائدا لعامل التعليم بالدرجة الأولى .فحين ينتشر التعليم بين أبناء شعب من الشعوب عموديا و أفقيا ، تبدأ الظواهر الشاذة تختفي فيه لتحل محلها ظواهر الاندماج و التوحد ، مشكلتا، اتجاها عاما نحو التطور و اجتياز عوائق التنمية و التقدم . و لكن يبدو أن السياسة التي رسمتها الأنظمة الحاكمة في موريتانيا تتجه بالعكس و الضد من هذه الأهداف . لقد أصبح التعليم ، بدلا من توحيد أبناء المجتمع ، يشكل منصات منفصلة ، كل منها عن الأخرى .فالطبقة المخملية من المجتمع ترسل أبناءها إلى مدارس أجنبية لا تتقيد بالبرامج الوطنية ، ولا تسعى لاندماج مواطنين موريتانيين ؛ و إنما يخلقون منتوجات بشرية في مصلحة دول تلك المدارس الأجنبية ؛ بحيث تخرج كل مدرسة طابورها الخاص بها الذي يحمل أهدافها و مشاريعها و أفكارها من داخل لغتها ، وصولا لخدمتها و استلاب المجتمع في هويتها و ثقافتها .و بالتوازي مع الطبقة الميسورة هذه ، توجد طبقة شبه وسطية ترسل أبناءها إلى المدارس الخصوصية التي يملكها موريتانيون ، ولكن هذه المدارس باتت مؤسسات ربحية ، تشتغل على اجتذاب أكبر عدد من التلاميذ دون أن تكون مستعدة لتقديم تعليم كفوء  ونوعي ، بسبب عدم امتلاك أكثريتها ، إن لم تكن جميعا ، لمقرات مناسبة ؛ و دون أن تكون لها أطقم تدريسية ثابتة منهجية و كفوءة . و الأخطر من ذلك كله أن التلاميذ في هذه المدارس يتلقون دروسهم باللغة الفرنسية و العلوم من أساتذة أجانب يجهلون البرامج الوطنية ، وليست لهم دراية بنوعية المنتوج الذي نتوخاه من المادة التربوية الوطنية .و تبقى هذه المدارس ، دون تعميم ، مشدودة لحجم المداخيل المالية خلال السنة الدراسية .و في مقابل هاتين الفئتين الاجتماعيتين ، توجد فئة الفقراء المدقعين الذين يضطرون لإرسال أبنائهم للمدارس العمومية ، حيث الضياع بأكمل معنى للكلمة . لقد باتت المدارس العمومية تجمعا لتفريخ المنحرفين و الشذاذ و الفاشلين الذين تخرجوا على أيدي أقل البشر مسؤولية و أكسل المعلمين و أردئهم أداء ممن حملتهم المحسوبية و الزبونية و القبلية إلى الوظيفة العمومية عبر بوابة التعليم ، الذي يسعى الجميع إلى تدميره.

 

تنويه

ستصدر ترجمة باللغة الفرنسية للحلقة الأولى من المواضيع التي نشرتها جريدة الدرب العربي تحت عنوان : ( لماذا البعث وماذا خسرالعالم بغيابه  )

Go to W3Schools!