الفشل في كسب معركة، لا يعني الهزيمة

محمد نعمه عمر

بغض النظر عن الخلاف حول قانونية اللجوء إلى المادة 38 من الدستور، فإن ردود رئيس الجمهورية أثناء مؤتمره الصحفي مساء أمس، بدت جادة وتعكس ثقة الرجل في نفسه، وقناعته التامة بأنه قادر على مواجهة العالم بمفرده، لأنه لم يولد ليتراجع عن أفكاره أو يهزم، مثلما قال.

رد سريعا وللوهلة الأولى على السؤال “الدهشة” الذي كان ينتظره الموريتانيون، وقالها بصراحة لقد صوت 121 نائبا من البرلمان الموريتاني على   نائب وبأغلبية ساحقة لصالح التعديلات الدستورية، التي تقدمت بها الحكومة، لذا لن نقبل أن تختطف مجموعة مكونة من 33 شخصا تطلعات وآمال شعب بأكمله، لقد تصرف أعضاء مجلس الشيوخ انطلاقا من قناعاتهم، وحق لهم ذلك، حسب ما تكفله النظم والقوانين، لكن القانون يمنحني أنا أيضا حق اللجوء إلى الشعب كلما رأيت ذلك مناسبا.

لم يكن الرئيس محمد ولد عبد العزيز بهذا القرار يصدر فرمانا يصادر رأي غالبية الموريتانيين، أو يفرض رأي أقلية منه على الطيف الواسع من خلال قرارات ملزمة، لقد قرر اللجوء إلى الشعب ليكون الحكم في خلاف حُمِل أكثر مما يحتمل، لأنه لا يغير من طبيعة نظام الحكم، ولا يكرس سلطة الفرد، بقدر ما يحدث إصلاحات تضيف شحنة ولونا وطنيين لرموز السيادة، وتعيد الاعتبار لمن ضحوا دفاعا عن هذا الأرض، الأمر الذي لا يريد المستعمر وأتباعه مجرد التفكير فيه.

لقد بدا الرئيس ولد عبد العزيز وطنيا عندما قال لا تهمنا الاسقاطات التي يفرضها الآخر وإجادته لفن التلوين، فل يرفعوا مستوى تلويناتهم من الأصفر إلى الأحمر، أو يخفضوا مؤشر الخطر إلى اللون الأخضر، تلك مسلمات في عقولهم هم، أما نحن فندرك جيدا طبيعة بلدنا وواقعه، ومستوى أمنه وأمانه، ولن أقبل أبدا أن يخاطبني أي كان في شأن يتعلق ببلدي من منطلق إملائي.

هذه الثقة الزائدة والإيمان بقدرة الموريتانيين على حكم بلدهم وتسييره، هي نقطة القوة التي تجعل الرئيس يعود إلى الشعب ليستمد منه شرعيته الديمقراطية والثورية.

ومهما كانت ملابسات اسقاط التعديلات الدستورية في مجلس الشيوخ، ومن طرف الأغلبية، فإن نتائج الاستفتاء الشعبي التي تعتبر استفتاء أيضا على شعبية الرئيس ستؤكد من جديد أن في هذا البلد من يفكر بعيدا عن الواقع محاولا فرض اسقاطاته وردود فعله على المشهد دون أن يقدم للمواطن بدائل مقنعة، الأمر الذي مكن الرئيس ولد عبد العزيز من أن يكون المبادر وصانع الحدث.

وكما قال لي ذات يوم دبلوماسي عربي: هناك عناية إلهية تتدخل لصالح رئيسكم كلما اشتد عليه الخناق؛ إن إسقاط التعديلات في غرفة الشيوخ، كان في صالحه تماما، لأنه لو تم تمريرها لقيل إن الرئيس وأغلبيته يعبثون  بالبلد وبرموزه السيادية، أما عندما يقول الشعب كلمته بقبول أو رفض التعديلات، فإن الفعل سيستمد شرعيته من تعبير شعبي مباشر، دون أن يكون عرضة للتشكيك، وحينها جاز لنا أن نردد مع الشاعر الفلسطيني الغائب الحاضر، محمود درويش:

 ” نيرون مات ولم تمت روما، بعينيّها تقاتل!… وحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل…!”

م نعمه عمر

 

Go to W3Schools!