دافوس والشعر وأوهام الدولة الوطنية/ د. بدي ابنو*

د/ بدي ولد أبنو

ـ1ـ

دافوس … منتدى كلاوس شواب

منذ 46 سنة وهي تستمعُ إلى بريق المال. هذه السنة قالتْ مدينة دافوس وهي ترائي نهرَ لاند فاسير (ماء البلد) إنّها تخفيفاً عن ضميرِها ستسْتمعُ أيضاً إلى أنين الفنّ. قالتْ إنّ سويسراَ التي عَرفتْ مع ترستان تزارا ظهورَ الدادائية منذ قرْنٍ كَــرَدٍّ على كوارثِ الحربْ الأولى ستعرفُ كيْفَ تَجعلُ الفنّ يُحدّثها من جديدٍ عن كوارث الساعة، وجِراح الساعات، السويسرية والأكثر بطْأً. بلْ قالت بعبارة أكثرَ مباشرةً إنّها تطمحُ إلى أنْ تسمعَ الآذانُ المُذهّبةَ للمترفين قليلاً من أنين المفلسين المشرّدين. ولكنَّ للرأسمالية منطقها القابض. هنالك أنينٌ مأخوذٌ بما يغنيه عن الاستعراض. وهنالك آخر قابلٌ للتسويق، قابلٌ لأنْ يتحوّل إلى رنين في حسابات جنيف.

قبلَ 82 سنة التقى هنا في دافوس الشعراء آندريه برتون ورنيه شار ورنيه اكرفيل. كانتْ حينها السوريالية والكتابة الأتوماتيكية تجمعانهم (برتون واكرفيل جمعتْهما قبلَ ذلك الدادائية). بعْدَ هذا اللقاء بأسابيع انتحرَ اكرفيل. كتبَ في تأبينه شارْ :” إنّه، من بين كلِّ من عرفتُهم، الإنسانُ الذي يعطي، بالشكل الأحسن والأسرع، ذهَبَ طبيعته. لم يكن يتقاسم، كان يعطي.” أما الكاتب كلاوس مان (ابن توماس مان) فقد أضاف عنْه بين أشياء أخرى كثيرة :  “لقد انتحر لأنّه كان يَعتبر العالم مجنوناً”.

ـ2ـ

من ميونيخ إلى فرانكفورت

بشكل أقرب إلى الاعتباطية أخرجتُ كتيباً صغيرا يضمُّ الرسائل الشهيرة التي كتبتْها روزا لكسمبورغ من السجن. (برلين، فرونك، بريسلو) إلى صديقتها سوفيا ليبكناخت (زوجة كارل ليبكناخت الزميل النضالي للكسمبورغ). الصورة والحكايةتحلان طبعاً في هذه الرسائل محلَ المفهوم والتحليل. روزا الإنسانة تطردُ من هذه الرسائل روزا الفيلسوفة الاسبارتاكية. أو لنقلْ إنّ روزا الإنسانة تُخْفي جزئياً روزا الحديدية. تكشفُ الرسائلُ عن ولعٍ عذبٍ بالطبيعة وعن امتلاك حسٍّ جمالي كثيف. لَمْ تحبّ  رواية “المالك” لغالسوورثي “رغم تركيزها على “الموضوعات الاجتماعية” بل ربما لهذا السبب. ثمَّ بمفردات دقيقة وفاتنة تَأْملُ وهي في السجن أنْ تستجمّ في جزيرة كورسيكا وأن تمضي الساعات مشياً في هضابها وبين أشجارها وصخورها.

اشتريتُ هذا الكتيب منذ سنواتٍ من ميونخ ولم أقرأه. ظلّ منسياً بين كتبي حتى صادفه نظري وأنا أبحث عمّا سآخذه معي في هذه الرحلة القصيرة. ربّما حجْمه الصغير بدا لي مناسباً. خصوصاً أني لم أكن أريد كتابا يشغلني عن تأمّل هذه الطبيعة الراقصة والصامتة معا والتي تحتفي ذاتيا بجمالها حتى الإفراط. ربما أيضا لعلاقة هذه الرسائل بالمدينة التي تدّعي حكاياتها الؤسسة أنّها أنقذت بـ”صلاة الخوف” كارل الأكبر من هجوم الساكسون.

أُدينتْ لكسمبورغ بالسجن بسبب خطاب ألقتْه في فرانكفورت ضدّ التصويت للدخول فيما سيصبح الحرب العالمية الأولى. ومعروفٌ أنّ عدداً من زملائها في “الاشتراكية الديمقراطية” (بعضُهم سيتورّطُ، غداة الحرب وبعْد فشل الثورة الألمانية، في حادثة قتْلها البشعة)، بمَنْ فيهم بعضُ رفقائها الماركسيين، صَوَّتوا على قوانين ميزانية الحرب.

ـ3ـ

فرانكفورت، جامعة غوتيه

قال عبد الكريم سرّوج إنّه للألمانيين أنْ يفخروا بمكانتهم في الفلسفة “الغربية” كما أنّه – بتعبيره- ” فخورٌ بأنَّ الفلاسفة المسلمين هم أساساَ إيرانيون”. وبدأ يًعدّد أسماء كابن سيناء والرازي ومسكويه والغزالي والطوسي والإيجي وصدرا الشيرازي إلخ. التفتَ إلي جوزيف فان أسْ مبتسماً : ” الإيرانيون دائماً مفيدون بالنسبة لنا نحن الألمانيين”.

ما قاله، سرْدياً، هيغل عن الفرس، في “دروس في فلسفة التاريخ”، ما زالَ يُقرأ مدرسياً خارج التاريخ.  أكثرَ من ذلك واضحٌ أن بعضَ الإيرانيين كبعض العرب بالغوا في إدمان هنري كوربن وتصنيم فرضياته. أمّا الأخ فريد إسحاق فقد مثّلَ الصوت الثالث. ربما لأنّه خارجٌ من التجربة الجنوب افريقية ومتخرّج من ألمانيا. سخرَ إسحاق من “أوهام الدولة الوطنية” التي يُمكن بمقتضاها الحديث عن كيانات مطلقة ثابتة مثل إيران وألمانيا. وزاد بنبرة حادّة غير متعوَّدة في مثل هذه المدرّجات : ” لا أؤمن بفكرة الدولة الوطنية.  الحديث عن مسلمي ألمانيا لا معنى له لأنه يفترض ألمانيا كيانا لا مفكراً فيه”.

أغلب الظنّ عندي أننا لو كنّا في إحدى الدول القطرية -الوهمية بامتياز – وقال عنها إسحاق وهو في إحدى مؤسساتها ما قاله تجاه ألمانيا في ألمانيا لما استطاع إكمالَ مداخلته.

 

* مدير معهد الدراسات والأبحاث العليا في بروكسيل

Go to W3Schools!