مجلس الشيوخ بين حل ممتنِع و سقف مرتفِع

كيف نقرأ اليوم مسألة “الشيوخ” حتى لا نسقط في الطرفية المبالغة و نقول أزمة؟ و هل في سياق التعاطي السياسي الذي لم يلبس يوما ملامح مفهوم الدولة أو تقيد لحظة بقواعد اللعبة السياسية؟ و على أي من أنساق الديمقراطية التي تختلف في من بلد لآخر و من مجوعة لغوية لمجموعة أخرى أو حتى من قارة لقارة و هي النماذج على اختلافها التي نجحت في بلدان و أخفقت في أخرى؟

و أما أهم أسابب النجاح عند البلدان التي تنعم اليوم بالاستقرار و يعيش مواطنوها أجواء من الطمأنينة و العدالة و التوجه الحثيث إلى الرفاه فـ:

· أولها إلغاؤها النهائي و تخلي المطلق عن المفاهيم و الاعتبارات التقسيمية التراتبية القبلية و الطبقية و الشرائحية و الإثنية،
· و ثانيها إرساء قواعد الحكامة الرشيدة بأبسط مفاهيمها و أدقعا متمثلا في اختيار الأشخاص المناسبين للمراكز المناسبة و مخطط تسييري فني علمي معقلن لكل إمكانيات البلد و كطاقاته البشرية و مصادره المادية،
· و ثالثها ردم الهوة السحيقة بين القلة الغنية و الغالبية الفقيرة من خلال خلق “طبقة متوسطة” نشيطة تتسع رقعتها و تتمدد باضطراد.

صحيح أن مجلس الشيوخ ـ قبلنا ذلك أم رفضناه ـ هو عبئ مالي و ترف سياسيي ما كان له أن يكون أول مرة في بلد لا يتجاوز سكانه الثلاثة ملايين نسمة، و صحيح أنه أثقل كاهل عملية سياسية بطيئة و بعيدة عن النضج و مسبباته فزادت به ساعات نوم الشيوخ و هم في فترات التداول و قل به عطاؤهم (و منهم الأمي) الذي يحسبون أن جله يأتي جاهزا معلبا على شكل هبة من غرفة البرلمان الأولى و نوابه الأكثر شبابا.

و لكن صحيح بالمقابل أنه استطاع في لحظات هامة من تاريخ الصراع السياسي ـ في ظل التجربة الديمقراطية و مسارها المذبذب ـ و إن ظلت نادرة أن يحسم خلافات كادت تعصف بكل الحياة السياسة و يرد الحاسب إلى الصفر و يخلق أزمات عابرة غرضية لتوقيف مهازل سياسية أقرب إلى النداء بتشريع أحادية الحكم حتى بات يحسب له أنه جعل الديمقراطية تترسخ كحقيقة جديدة في أذهان الكثيرين و أنها ليست وهما بل ظاهرة صحية بدأت تتجلى في عمل و خطاب عديد السياسيين و إن لا يزالون محاصرين بعرم الغثاء يريد ليجرفهم لولا ثباتهم.

أما و قد قالت كتلة صلبة من مجلس الشيوخ اليوم كلمتها برفض مضامين منعرج سياسي يراد له أن ينطلق و يحدد معالم مغايرة و في غيابه بعد حله نهائيا و إلى وضع جديد للتعاطي السياسي بناء على تحويرات دستورية مررتها الغرفة الأولى بفضل الأغلبية الرئاسية التي وضعت كل جهدها و مهاراتها و وزنها لحصول الوفاق بالأغلبية الكبيرة على قبول التعديلات.

و إن الأيام القادمة ستكون حبلى بالأحداث تستوجب خلالها على رئيس الجمهورية أن يختار مخرجا للأزمة التي لا محالة ستستنقص إن لم يتدارك من حجم ظهيره الإنتخابي و تضعف من مصداقية الأغلبية. لكن كما خلص بعض المحللين السياسية فإن هذه الأزمة على استثنائيتها لن تزعزع أركان الحكم و سيظل البلد يسير بنفس النهج المتبع و نفس الأعراف و الأساليب القائمة المتبعة.

Go to W3Schools!