بين النائب والنقيب مساحة من الأمل … الداه ولد اسماعيل

الداه

في خضم التوتر الحاد الناتج عن المحاولات الجادة لتغيير الدستور، في ظل تغييب تام للقوى السياسية، انفلق صبح الآراء الجادة عن قراءة تثمينية واضحة وواعية كتبها النائب البرلماني السابق (عن مقاطعة كيفه)، السيد محمد محمود ولد قلمه حول مقال للأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني وصفه بأنه “تنويري نادر”.

تأتي أهمية دعوة النائب من عدة أوجه: فهو مُشـَـرّع، وبالتالي يفترض فيه، أكثر من غيره، أن يفهم الدلالات البعيدة لرأي القانوني ولد بوحبيني، وهو –إضافة إلى البعد التشريعي- سياسي نظيف لا غرابة في أن يفهم سياسيا نظيفا مثله من طراز ولد بوحبيني. أما الوجه الأبرز في تزكية النائب ولد قلمه للنقيب ولد بوحبيني فيتضح من كون الأول لا تجمعه بالثاني أية أواصر جهوية أو قبلية أو مصلحية، مما يقصي فرضية المحاباة، ويبرز الهم الوطني المشترك في أجواء تكاد تكون عواقبها وخيمة.

يقول النائب انه قرأ “باهتمام كبير، وبتمعن فاحص، المقال الرائع الذي نشره عميد المحامين الموريتانيين والوجه الوطني البارز الأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني”، واصفا إياه بأنه “جاء في وقته”. صحيح -كما قال النائب- أننا نعيش مرحلة حاسمة تستدعي منا أن نجد من يقول، في الوقت المناسب، ان “مستقبل البلد شأن الجميع”، وأنه “لا توجد حالة استعجال للتعديلات الدستورية”، وأنه “لا يوجد فراغ دستوري يتعين سده”، وأنه “لا يوجد توافق سياسي وإجماع وطني يخول القيام بهذه التعديلات”.

بالفعل كان النائب ولد قلمه على مستوى التطلعات، لذلك كان سباقا إلى دعم مثل هذه الأفكار عندما وجدت صدى في نفسه، وعندما أيقظت فيه حبه النبيل لوطنه الباكي منذ الأزل. لقد استوعب النائب ما قاله النقيب من أن “الدستور نظام تأسيسي ثابت لا يمس في ظل الخلافات والأزمات السياسية، بل يشترط لتعديله انعقاد الإجماع عليه، بعد التأكد من ضرورة التعديل والحاجة الماسة إليه”. إذن لا مجال للتلاعب بوثيقة أريد لها أصلا أن تكون صمام أماننا من شتى المنزلقات، كما أريد لها أن تكون فوق التجاذبات والحساسيات لأنها المشرّع والقاضي والمنفـّذ، ولأنها المآل والملجأ.

لم يكن النائب مُجانبا للصواب لما أكد، في ورقته التي لاقت الكثير من الاستحسان، أن مقالة النقيب “عبرت، بشكل قوي، عن آراء وانطباعات فئات عريضة من المواطنين”. فالمواطنون، حتى الصامتون منهم، لا يريدون لمستقبل بلادهم أن يدخل دوامة الصراعات المفضية إلى تفكك عرى الوحدة والانسجام. إنهم يرون مع ولد بوحبيني أننا بالفعل “جربنا مرارا الانتخابات التي لم تكن محل إجماع، والحوار المختلف عليه، وكان الضرر في كل مرة أكثر من النفع”، كما يرون مع النقيب ومع النائب، أن “التعديلات الدستورية في ظل الخلاف تشكل خطرا”، وأنها “سترسخ منطق الغالب والمغلوب”. إن كون فئات عريضة من الشعب ترى مع النائب أن الأولى –كما قال ولد بوحبيني- أن “نعكف على وضع قواعد اللعبة الديمقراطية، وضمانات الشفافية، بما يضمن تحقيق انتقال سلس للسلطة، مجمع على قواعده وظروفه، لا يستأثر به طرف دون طرف”، فتلك هي عين الحقيقة.

لم تكن دعوة السيد النائب غير صرخة مدوية في وجه من يريدون للبلاد أن تهوي في منزلق خطير خدمة لأجندات ومصالح ضيقة. لذلك أهاب “بجميع القوى الحية، وبكافة المهتمين بالشأن الوطني، في النظام والمعارضة، ومن بينهما، بالتنادي إلى أخذ مضمون المقال وإبداء الاهتمام اللازم به، وجعله خريطة طريق للتوصل إلى تفاهم وطني يضع حدا لمشكلات البلاد ويجنبها الانزلاقات التي تعصف اليوم بالكثير من دول المنطقة”. إنها ذات الانزلاقات التي يصفها ولد بوحبيني بـ”المنعطف التاريخي”. إنه منعطف يحوي على جنباته منزلقات ومطبات وعراقيل لابد من تفاديها قبل أن تدوسها عجلات القاطرة فتقضي – لا قدّر الله- على كل الركاب.

وبحق، فلقد “آن الأوان أن نستفيد من رجالنا الخيّرين من أصحاب التجربة والخبرة من أجل توجيه أحسن لسفينة البلاد” كما قال النائب المحترم ولد أقلمه.  إلا أن ذلك يتطلب منا أن ندرك مع ولد بوحبيني أننا “أمام مأمورية رئاسية غير قابلة للتجديد”، وأنه علينا أن “نكون فاعلين في شؤون بلدنا، وأن لا نبقى في قمقم المفعول بهم، حتى نحقق القطيعة مع الممارسات التي جعلت المواطن إما غائبا عن الاهتمام بالسياسة بفعل إحباطه ويأسه من الوضع، وإما مغيبا بفعل سياسة تقوم على الصراعات والتنافس. إنه لم يعد من المقبول ولا الممكن طرح تجديد المأمورية، لأن القانون يمنعه، والدستور يحول دونه”. علينا أن ندرك مع ولد بوحبينيأن “نظرية الاستخلاف على السلطة أو التوكيل عليها، أخطر على الديمقراطية من الدكتاتورية نفسها، لأنها ستشكل دكتاتورية مقنعة، كما ستشكل تمييعا للمبادئ الديمقراطية وإفراغا لها من محتواها، فضلا عن أنها نظرية تحمل في طياتها الكثير من الاستخفاف بالشعب، بل واحتقاره”.

لقد التقى النائب والنقيب في أنه “مهما كانت انتقاداتنا على النظام، ومآخذنا عليه، لا نرضى بحل يأتي من خارج الشعب، فأي حل –مهما كان- يجب أن يكون من صنع المواطنين وتصميمهم، فقد آن الأوان ليكون المواطن حاضرا مساهما في تدبير شأنه، وقد نضج بما يكفي ليتحمل مسؤولياته بنفسه دون وصاية، ومن باب أولى نرفض أي حل يقوم على الانقلابات العسكرية، لأنها تنافي الديمقراطية وتعيدنا للمربع الأول”.

وإذا كان علينا، كشعب مُغيّب، أن نكون على نفس الإدراك لما سبق مع الفاعليْن الوطنييْن السيد النائب والسيد النقيب، فإن على النظام، من جانبه، أن “يدرك أن هذه الفترة لا تخصه وحده، فبقدر ما يقدم رجْلا إلى الخارج من أجل مغادرة السلطة، يقدم غيرُه رجْلا للدخول إلى القصر الرمادي، مما يحتم إدراك مساحة المشترك، والعمل على مساهمة الجميع في تحضير الفترة القادمة، بحكم كونها شأن الموريتانيين جميعا”. ومن ثم “يتعين أن توضع قواعد اللعبة من الآن، وبشكل توافقي مشترك حتى نضع الخارطة بصيغة موضوعية لا تشكل عائقا أمام أحد ولا وسيلة لأحد مع ضمان تحييد معوقات التناوب السلمي بشكل حاسم حازم”.

لقد رسم النائب والنقيب، بدعوتهما المشتركة، وبقراءتهما المتأنية الواعية للوضع، وبدعم الأول لرؤى الثاني، مساحة من الأمل كنا في أمس الحاجة إليها، كما عبرا عن رأي غاية في الشجاعة والإخلاص للوطن ونبل الأهداف. فمن – يا ترى- يحذو حذوهما؟.