زها حديد… شمس العمارة التي غيبها الموت

ZOHA.jpg

غيب الموت، أمس، شمسا أخرى من عالمنا العربي، بعدما جادت المعمارية العراقية الأصل، البريطانية الجنسية، زها حديد، بأنفاسها الأخيرة عن عمر ناهز 65 عاما، إثر إصابتها بنوبة قلبية أدت الى وفاتها بينما كانت تخضع للعلاج من التهاب القصبة الهوائية، في مستشفى ميامي بولاية فلوريدا الأميركية.
وهي أول امرأة تحصل على جائزتين متفردتين في الكرة الأرضية، وهما ذهبية العمارة لعام 2016، التي تعد أعلى تكريم يقدمه المعهد الملكي البريطاني، اعترافا بالإنجاز التاريخي لها في مجال الهندسة المعمارية، وجائزة بريتزكر للعمارة (2004) التي تعادل الحصول على «نوبل»، وفق المتخصصين في هذا المجال.
كما حصدت كثيرا من الأوسمة الدولية لتصاميمها الرائعة، ومن أهم أعمالها: مركز حيدر علييف في باكو، مركز الفنون الحديثة بروما، مركز العلوم في وولسبورغ ب‍ألمانيا، مشروع القبة الألفية بلندن، وجسر أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة.

لم يأت حصول الفقيدة العربية الكبيرة، زها حديد، على هذه المكانة المتميزة في عالم الهندسة المعمارية، من فراغ، بل نتيجة لعبقريتها التي جعلتها تعيد تعريف أساليب ومنهجيات كثيرة في العمارة، حيث تميزت بتصاميمها الخيالية والمثالية، فكان بعض من إبداعاتها عبارة عن سفن فضائية في فضاء مترامي الأطراف، أو تصاميم في حركة سائبة حرة لا تحددها خطوط عمودية أو أفقية. وخير دليل على تفرد تصميماتها، مبنى مركز الفن المعاصر في سينسيناتيل، حيث طبقت نقاطا متعددة للمنظور، مشظية فكرة الهندسة بمعناها التقليدي، لتجسد بذلك الفوضى في الحياة المعاصرة.

تجريد ديناميكي

وأطلق علماء الهندسة المعمارية المعاصرين في العالم على نهج زها حديد اسم «التجريد الديناميكي»، الذي هدم كل أسس الهندسة الإقليديسة (نسبة إلى إقليدس عالم الرياضيات اليوناني) من خلال تفكيك المنشآت إلى أجزاء؛ وتتلخص رؤيتها للتفكيك قي تحدي الجاذبية الأرضية، من خلال الإصرار على الأسقف والكمرات الطائرة، مع التأكيد على ديناميكية التشكيل.
ولدت زها حديد، فى بغداد عام 1950، وهى ابنة وزير المالية الأسبق محمد حديد، وانتقلت من بغداد بعد إتمام دراستها الثانوية، الى العاصمة اللبنانية بيروت، حتى حصلت على شهادة الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأميركية عام 1971، كما درست العمارة في الجمعية المعمارية في لندن، ومنحت شهادة الدبلوم عام 1977.
وبدأت حياتها العملية بالتدريس في الجمعية المعمارية، وعينت أستاذة في منصب كينزوتاجية، في قسم التصميم بجامعة هارفارد، وعملت أستاذة زائرة في مدرسة العمارة بجامعة شيكاغو، وجامعة بيل، وبعض الجامعات، كما ألقت سلسلة من المحاضرات في أماكن كثيرة حول العالم، إضافة إلى توليها منصب عضو شرف في الأكاديمية الأميركية للفنون والأدب، والمعهد الأميركي للعمارة.

فخر الهندسة العربية

وتميزت زها حديد، بأنها فخر للهندسة العربية العريقة، وللمرأة العربية الطموح التي وضعت بصمتها المعمارية في معظم مدن العالم بالتحدي والإصرار، وقابلت كل الانتقادات التي وجهت اليها من بعض قصار النظر، ولم تبال بالغمز واللمز من بعض أصحاب الأفكار المتجمدة الذين اتهموا فكرها المتجدد وعبقريتها المتوهجة بكونها إبداعات تشبه الحلم والخيال، بل وصل الأمر بهم من أجل تحطيم عزيمتها الى أنهم قالوا إن تصميماتها ستبقى مرسومة بالحلم فقط، لكنها جسدتها على الواقع وفي كل بقاع الكرة الأرضية أبراجا وملاعب وأندية وأبنية ومراسي للسفن.
ومن أشهرها وأكثرها غرابة وإثارة للجدل مرسى السفن في «باليرمو» بصقلية 1999، والمركز العلمي لمدينة «وولفسبورغ الألمانية» 1999، والمسجد الكبير في عاصمة أوروبا «ستراسبورغ» (2000)، ومنصة التزحلق الثلجي في «أنزبروك» (2001)، والاستاد الأولمبي في لندن (2012)، وفي المنطقة العربية جسر الشيخ زايد في الإمارات، وتصميم متحف الفنون الإسلامية في الدوحة ودار الأوبرا في دبي.
تتلمذت زها حديد في إنكلترا على يد أبرز الأسماء في عالم العمارة، مثل كولهاس الذي وصفها بأنها «كوكب يدور في مجرة وحده». وكان مشروع تخرجها فندقا في لندن على جسر هانغرفورد، وقد صممته ليوحي بأنه مبنى على وشك الإقلاع والإفلات من جاذبية الأرض، متأثرة فيه بأعمال الفنان الروسي كازيمير ماليفيتش.

استاد «الوكرة»

عاشت زها حديد حتى قبيل وفاتها في لندن، وهي صاحبة شركة كبرى تعمل على العديد من المشروعات عبر مختلف أنحاء العالم. أحدثها ما سيراه العالم بمناسبة دورة الألعاب الأولمبية لعام 2020 في روسيا، حيث كلفت بإنشاء الملعب الرئيس. وكذلك مشروع مع شركة صناعة اليخوت الألمانية الفاخرة بلوهم فوس، كما صممت أخيرا يخت الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش «إيكلبس»، ثاني أضخم اليخوت في العالم. ومن مشاريعها المرتقبة استاد «الوكرة» المعد لاستقبال كأس العالم في قطر 2022.
ومن أحب أعمالها، كما ذكرت في معظم اللقاءات الاعلامية، مركز دي فانو العلمي في وولفسبورغ، لأنه كان أكثر المشاريع التي أنجزتها طموحا، مشروع جمع بين الكلاسيكي والتعقيد الهندسي، وفي الوقت ذاته التصميم الجريء واعتماد المواد الأصلية.
وتعتبر زها أن الفن والهندسة والموضة، كلها أشكال وجدت للاستعمال ومن أجل المستهلك، وبالتالي فإنها كلها تهتم بمنحه السعادة وتحسين كل مناحي حياته. وفكرتها هي البدء بأفكار تقليدية في التصميم، ثم حملها إلى مستوى جديد مطبوع بالعصرية والغرابة.

بالأرقام

كانت زها تمتلك شخصية قوية وإرادة لا يقهرها إلا قوة طموحها، والفضل في هذا يعود إلى طبعها المتفائل.
ولدت في بغداد عام 1950، وهي الابنة الوحيدة للسياسي والاقتصادي العراقي المعروف محمد حديد، الذي تبوأ مناصب وزارية في حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم.
وتخرجت في عام 1977 في جمعية المعماريين في لندن، وأسست عام 1980 شركةZaha Hadid Architects.
وفي عام 1982، فازت بالجائزة الأولى في مسابقة للعمارة في هونغ كونغ عن مشروعها «القمة The Peak».
وفي عام 1994، فازت بالجائزة الأولى في مسابقة بريطانية عن مشروعها لدار أوبرا كارديف في ويلز.
وفي عام 1997، حازت الجائزة الأولى في مسابقة MAXXI للمتحف الوطني لفنون القرن الواحد والعشرين بروما.
وفي عام 1998 نالت العضوية الشرفية في جمعية المهندسين الألمان.
وفي 1999 أتمت مشروع LF One/Landesgartenschau في فايل إم راين بالمانيا، وفي 2000 نالت العضوية الشرفية في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب.
وفي 2001 أنهت مشروع Hoenheim-Nord Terminus في ستراسبورغ الفرنسية.
وفي 2002 أتمت منصة قفز المتزلجين في اينسبروك بالنمسا، وحازت وسام الإمبراطورية البريطانية من الملكة اليزابيث الثانية.
وفي 2003 حازت جائزة ميس فان دير روه عن مشروعها Hoenheim-Nord Terminus، وأتمت مركز روزنثال للفنون العصرية بسينسيناتي الأميركية.
وفي عام 2004 نالت جائزة بريتزكر للمعمار.
وفي عام 2005 أتمت مبنى المقر المركزي لشركة بي إم دبليو للسيارات في لايبتسيش بألمانيا، ومركز فينو للعلوم في فولفسبورغ بألمانيا، والتصميم الداخلي لفندق بويرتا أميركا بمدريد، ومتحف اردروبغارد بكوبنهاجن، ومشروع Viaduct Housing السكني بالعاصمة النمساوية فيينا، كما حازت العضوية الشرفية في الأكاديمية الملكية للفنون، ولقب أفضل معمارية لعام 2005 بميامي.
وفي عام 2006 وصلت الى نهاية مسابقة RIBA بتصميمها مبنى شركة بي إم دبليو، وأتمت مركز «ماجي» في فايف باسكتلندا.
حازت ميدالية RIBA الذهبية لعام 2007، لتصبح أول امرأة تنال هذه الجائزة، وجائزة المعهد الأميركي للمعماريين بلندن، وميدالية توماس جيفرسون الذهبية للهندسة المعمارية والجائزة الاسكتلندية للتصميم عن مركز ماجي.

إبداعاتها بعيداً عن العمارة

لم يقتصر اهتمام زها حديد على الهندسة المعمارية فقط، بل امتدت إلى تصميم قطع الأثاث، فهي ترى أن كليهما ينبع من الشيء نفسه، فمشروع «متحف غوغنهايم» بتايوان الذي أنجزته، تحول إلى نصب اسمه» إيلاستيكا» بميامي، ثم إلى طاولة لـ «فيترا»، حيث أرادتها زها أن تتعدى مجرد طاولة إلى منظر طبيعي.
وأقامت زها حديد العديد من المعارض الدولية لأعمالها الفنية تشمل التصاميم المعمارية والرسومات واللوحات الفنية، لأن الإبداع وصنبور المياه، الذي يبدو كما لو كان من الفضاء الخارجي، هو لشركة نريفلو البريطانية المتخصصة في أعمال السباكة، فبجانب تصميمه الرائع، يتميز بميزتين مهمتين أيضا، هما إمكانية الحصول على مياه منقاة، من خلال فلتر داخلي، وعن طريق زر حساس للمس، وإمكانية الحصول على مياه غير منقاة.

أنا عربية عراقية لا بريطانية

لطالما كانت المعمارية زها حديد منزعجة، لأن الكثيرين لا يعرفون ما إذا كانت عراقية أو بريطانية، ومما قالته عن نفسها في أحد لقاءاتها الإعلامية: «لقد أزعجني ذلك حقاً أن البعض يراني مهندسة معمارية بريطانية، والآخرين يرونني عراقية، لذلك أعتبر أن وصف عراقية المولد آمن، لكن إذا خيرت بين الاثنين فسأقول إنني عربية عراقية ولست بريطانية، لكنني أعيش في لندن فحسب، ولا يمكنني التهرب من واقع عيشي هنا».
وأضافت: «إنني أعيش في لندن منذ 30 عاماً، وأستمتع بالعيش فيها، وأعتبر نفسي من سكانها، لكن لدي ذكرياتي في العراق وأتحدث باللغة العربية، أما عن مهنتي كمعمارية فهي ليست مهنة مربحة ماليا، انها أكثر مهنة سخافة، فمستوى معيشتي لم يتغير كثيرا، ولم أعش حياة مترفة جدا، حيث كانت عائلتي ثرية قبل التأميم، وبعدها عشنا حياة عادية، كما أن أبي لم يربنا كأبناء أثرياء لأنه كان اشتراكيا».
وأكدت أنها لم تكن بحاجة إلى الكثير من المنازل أو امتلاك اليخوت والألماس لكي تشعر بالسعادة، ثم تحدثت عن السعادة بقولها: «السعادة هي جنة المراهقين، فهم يتجولون فيها ويحلمون بها، فأنا قد أشعر في يوم أنني سعيدة، وفي يوم آخر قد أكون تعيسة، لكن بصفة عامة أنا إنسانة يغمرني العمل، ودائما أتواجد في المكتب، وأسافر وألقي المحاضرات، ولذلك تبقى لحظة صغيرة أسأل نفسي فيها، ما إذا كنت سعيدة أو لا».
وتابعت حديد: «أنا لا أفصل بين حياتي الشخصية والعملية، فكلها حياتي إجمالا، ومترابطة فيما بينها، ولا أستطيع تصنيفها إلى أجزاء بين الخاص والعام، كما أن حياتي ليست روتينية تبدأ بساعات العمل، ثم أجد وقتا للأسرة، بل حلقة متواصلة».
وزادت: «لطالما أردت ان أصبح مهندسة معمارية، رغم أنه كان بوسعي مزاولة عمل آخر، لقد أدركت أنني إذا عقدت العزم، وبذلت المجهود فسأصل إلى هدفي، وهذا ما تعلمته من والدي. كان أبي متحررا جدا، ومنحني الشجاعة، وهي مهمة جدا في النجاح والتفوق، فعندما يتحلى المرء بالثقة بالنفس، فإنه يستطيع إنجاز الكثير».

الجريدة