المعارضة.. والمعارضة المشبوهة!!

غلاف مجلة الدرب فبراير2017لقد عرف عصرنا الحديث أشكالا مختلفة من الأنشطة السياسية   ذات البرامج المشتركة في الهدف: التغيير شكلا، والاستيلاء على السلطة هدفا. فالأنظمة  الحاكمة في وطننا العربي  معروفة بكل سلبياتها  وكل ما جرت على شعبنا من ويلات ودمار ونهب للموارد ومصادرة لإرادة الشعب.  والحديث عنها ليس ذو شجون. ولكن الأحزاب المعروفة بالمعارضة في وطننا لا تخلو من سلوكيات وممارسات هدامة لا تقل عن مساوئ الأنظمة الحاكمة. فهذه الأحزاب  يصدر عنها ممارسات وسياسات  ومواقف ومناهج لا تخدم مصلحة السواد الأعظم من الجماهير. فتبدو في كثير من سلوكها ومواقفها المتخبططة كمن يفتقد الكفاءة وبالتالي من يفتقد مشروعية  الحكم  لافتقادها البصيرة  والقدرة على تسيير شؤون البلاد مما يستدعي ضرورة الحقيقي من خارج هذا النوع من الأحزاب التي لا تضع خدمة الشعب في بوصلة مواقفها، وإنما تغلب مصالحها الحزبية. فدخولها الانتخابات ليس بهدف تغيير أوضاع الناس بل لتوظيف وتحسين شروط ظروف قياداتها وحاشياتهم.  بينما كان من المفترض أن تكون صناديق الإقتراع  آلية لتكريس أساليب الفعل السياسي الديمقراطي السلمي من جهة، وتحسين شروط حياة المواطنين في المقام الأول. إن كثيرا من الأحزاب المسماة بالمعارضة يجب أن تنتهج السلمية في فعلها السياسي بدءا بإيجاد برامج ومناهج سياسية  تتطور قدرتها التنفيذية وأساليب عملها واستقلالية مواقفها . ففي هذه الحالة ، ستكسب هذه الأحزاب شرعية وجودها السياسي لاكتسابها مناعة ضد الانحراف نحو الدعاية الانعزالية والثقافة الانكفائية  والمواقف الشخصانية والفردانية والذاتية المميتة، فضلا عن  سلبيات التحشيد التعبوي القائم على الشرائحية والمناطقية والقبلية والطائفية…

إن كل حزب معارض من واجبه أن يطهر صفوفه وخطابه من هذه الأمراض داخل تركيبته التنظيمية  عبر الارتقاء ببرامجه ومناهجه  الوطنية ، وعبر العمل على انتشار كوادره  ومناضليه على مستوى جميع مناطق الوطن  ومن كل الخصوصيات الاجتماعية. فذلك ما يكسبه مناعة ضد الانحراف ويعطيه دفعا في تسويق نشاطه في الساحة الوطنية  بما يخدم مصلحة الوطن والشعب. أما أن يكون الحزب ” المعارض” هيكلا مستنسخا عن أحزاب السلطة في رداءة أدائها السياسي وتغول مكونات بعينها على سلطة التسيير والقرار ودخول المال والنفاق  السياسي كعاملين أساسيين  في الوصول إلى الهدف، فذلك يعكس الصورة الأسوأ على الهدف الذي يستحقه هذا الحزب.  كما أن كثيرا من أحزاب ” المعارضة”  بالاسم  مخترقة حتى النخاع من أجهزة السلطة؛ فهي ( هذه الأحزاب) تمارس أجندة مملاة من طرف أجهزة السلطة ، وهي تتلاعب بعواطف الجماهير ومصيرها. وهذا يعتبر أخس عمل سياسي . إن من أحط درجات الخسة أن تبيع أحزاب  مبادئها إن كانت لها أصلا مبادئ.  فهي تبيع طموحات الجماهير بأبخس الأثمان مقابل الحصول على بعض فتاة تجود  به السلطة على بعض العناصر في هذه الأحزاب.  وعلى الجماهير أن تحذر  وتتثبت من هذا المصطلح الفضفاض ( الأحزاب المعارضة!).  فليست كل الأحزاب المنضوية تحت هذا العنوان جادة أو ذات مصداقية!.  فقد تكون مثل هذه الأحزاب المخادعة سببا مباشرا في إدامة معاناتها؛ بل في استمرار تعنت السلطة  وتهميشها لمصالح الشعب واستمرار مسلسل الرداءة والمعاناة.  إن كثيرا من أحزاب المعارضة ، التي تتغنى بالديمقراطية وحكم الشعب، وتسخر كل ما بوسعها من أجل  استقطاب الرأي العام ، واستعمالها لوسائل الإعلام، فإن الكثير منها تلجأ للاستقواء بالأجنبي ؛ هذا الأجنبي الذي يسعى بكل جهده لتوجيه هذا الصنف من المعارضة ، ويرسم له منهجا يخدم المصلحة السيتراتجية لهذا الأجنبي  . وهذا ما حصل في بعض الأقطار العربية ، مثل العراق وليبيا وسوريا . ومن تجارب التاريخ القريب والبعيد أنه كلما دخلت القوى الأجنبية  من أجل تقديم المساعدة لقوى ” معارضة” كلما تحولت هذه المعارضة من وسيلة للتغيير إلى وسيلة للتدمير.. فالمعارضة الوطنية الحقيقية هي تلك التي تسعى بكل معاناتها إلى بناء نفسها منطلقة من المصلحة الكبرى للشعب وللوطن؛ وتتجذر في كامل التراب الوطني؛ وتتكون وتتوسع من كل مكوناته؛ وتستبعد أي لون يطغى على هياكلها المركزية ، من مكتب سياسي ومجلس وطني . فيجب أن تنفتح أمام عناصر الوطن وتجد ذاتها فيها.  والديمقراطية الداخلية في الحزب تعكس الوعي وروح المسئولية  والكفاءة  التنظيمية والقدرات السياسية  للعناصر الحزبية.  فالأحزاب في وطننا العربي قل منها من يهتم بهذه السمات الضرورية للارتقاء بالعمل السياسي. فمفردات مثل الانضباط الحزبي والالتزام بقرارات الأحزاب غابت من تشكيلات العمل السياسي في غمرة الفوضى السائدة، والمطلوب أن تسود في مجتمعنا سياسيا واجتماعيا.  مما شكل منافذ سلبية  تسللت منها الرداءة  وانعدام التأثير على المجتمع، فتحولت الأحزاب عموما والأحزاب خارج السلطة عن المسار الصحيح  الذي تتطور فيه الأحزاب المناضلة  من أجل التغيير الوطني  السلمي والسليم.

العمل الجبهوي.. ضرورته وسماته!!

إن الظروف التي تمر بها أمتنا في كثير من أقطارها ، في الوقت الراهن وما يهدد باقي أقطارها في المستقبل القريب، على الصعيدين الأمني والسياسي ، هي بحق ظروف من أصعب المراحل التي مرت بها ؛ حيث أصابها خلل في منظومتها السياسية والفكرية ؛ مما تسبب في تدهور مروع لأنظمتها السياسية والمجتمعية  المدنية على حد سواء. فالكل ساهم ، سواء برداءته وبمنهجيته ومفاسده، أو ساهم بتواطئه وسكوته وانسحابه من المسؤولية. ليست التحديات الخارجية هي المسؤولة عما يحدث من انهيار قيمي وتطاحن دموي؛ بل الأسباب المباشرة هي عدم ارتقاء النخب السياسية والاجتماعية إلى مستوى تحمل المسئولية.، وترك هذه النخب شؤون بلدانها ومصير شعبها يتحلل من بين أيديها. مما جعل  العدو الخارجي يستثمر في الرداءة لينتج الفوضى والدمار والمسخ!.

وللضرورة التاريخية وما تتطلبه المرحلة ، فإن انتفاضة طلائع الأمة على مستوى الأقطار للتصدي لهذا الانهيار تبقى هي ما ينعقد عليه أمل أمتنا. وذلك في عمل جبهوي تشارك فيه كل المكونات الوطنية الصادقة ، أحزابا ، وجمعيات  وشخصيات وطنية . إن هذا العمل الوطني والقومي والإنساني بات من أكثر المهام جدية لمتطلبات المرحلة. فالقوى الحية عليها أن تبادر وتتعاون في سياق إجماع وطني ليتفق على إعداد أرضية لمشروع إنقاذ الوطن والأمة ؛ لأن ما يحدث من دمار في كل قطر من الأقطار له تداعياته وسلبياته وآثاره المباشرة وغير المباشرة على أي قطر آخر، لم يطاله الانهيار، بعد..

إن على كل الأحزاب والمكونات الوطنية أن تتخلى عن خصوصيتها لصالح العمل المشترك الذي يتطلب التخلي عن الذاتية والمطلبية الحزبية لصالح الضرورة الوطنية  التي يجب أن تخضع الجميع إلى برنامج  يشترك الجميع في إعداده والالتزام بتنفيذه، وعدم الخروج عن بنوده.  فالجميع في سفينة وسط أمواج متلاطمة عاتية . إن كافة القوى الوطنية في كل قطر ينبغي عليها ، بغية تلافي ضياع وطنها من بين أيديها، معارضة وموالاة ومجتمعا مدنيا وحقوقيا وجماهير، أن تعي  خطورة التحديات والمخاطر التي تهدد مستقبل البلاد والعباد. إن على هذه القوى جميعا، قبل فوات الأوان، أن تعمل على إنقاذ وطنها ، بالارتقاء بالعمل السياسي وإصلاح ما يجب إصلاحه وبوتيرة سريعة ودقيقة ، مع مد يد المودة بصدق إلى الكل من الخيرين لتعميق الحوار الوطني ، مع القبول والانصياع إلى المصلحة الوطنية  ومصالح الشعب. وفي هذه الحالة،  أيها الإخوة، نقول إن العمل الجبهوي  الوطني هو القادر ، بعد فضل الله، على وضع أسس وآليات عملية من شأنها فعلا أن تنقذ بلادنا وشعبنا مما يتهدده من مخاطر جدية  تستهدف وجوده على صعيد الوحدة الوطنية والأمن الوطني والحوزة الترابية. إما إذا طغت الفوقية و تحكمت روح المصلحية واستبدت بالقيادات النرجسية بما يرافق ذلك من سلوكيات هدامة تزيد في تأجيج نار الفتنة ؛ ففي هذه الحالة ، لا سمح الله، فقولوا لسفينة موريتانيا السلام!!

 

إحكام طوق النار على العرب!!

شهدت الساحة الوطنية في الأسابيع الماضية  جدالا حاميا حول الأزمة الغامبية بعد امتناع الرئيس السابق يحيا جامى عن التنحي عن السلطة؛ وما استتبع ذلك من وساطات من جانب الرئيس الموريتاني والغيني للحيلولة دون تصعيد وتعقيد الأوضاع في هذا البلد الصغير الذي تحاصره الدولة السنغالية من ثلاث جهات، فيما ينفتح في الجهة الأخرى على المحيط الأطلسي. وقد أثمرت الوساطة الموريتانية عن قبول جامي التنحي عن السلطة مقابل شروط من أهمها عدم ملاحقت هوه وكبار معاونيه قضائيا واعتباره مواطنا غامبيا عاديا ورئيس حزب سياسي من حقه العودة إلى بلده في أي وقت شاء، فضلا عن أمور امتيازية أخرى. وفيما حاول أنصار الرئيس الموريتاني استثمارا سياسيا لهذه الوساطة ، عملت معارضته على التقليل من هذه الوساطة وإعطاء الدور الأهم في حمل يحيا جامى على التنازل إلى الضغط العسكري الذي مارسته قوات الأكواس التي تقودها السنغال، والتي حددت ساعة صفر لاقتحامها العاصمة الغامبية  فيما إذا لم يقبل الرئيس المنتهية ولايته بالتنحي على الفور. هذا هو مشهد الحدث. أما قراءتنا له، فتتمثل في أن الأحداث الغامبية ، بغض النظر عن أسبابها البادية، فقد أعادت من جديد محاولة إشعال الحدود الغربية للوطن العربي من جهة أضعف خاصرة فيه؛ وهي موريتانيا. وكانت فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية قد حاولوا إشعالها في نهاية القرن الماضي، فيما يعرف بأحداث ابريل 1989، التي كلفت البلدين موريتانيا والسنغال خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات وتسببت في جراح عميقة بين الشعبين، لم تندمل حتى الآن . وما زالت بعض النخب المرتبطة بالأنظمة تفتحها من حين للآخر . غير أن تلك المحاولة في إشعال الحدود الموريتانية السنغالية فشلت بفضل وجود نظام عربي وطني قوي في العراق، الذي أبلغ حكام السنغال، المدفوعين يومئذ بقوة من الدوائر الغربية للحرب، أنه سيتدخل للدفاع عن الشعب الموريتاني إذا أقدمت السنغال على هذه الحرب. وقد اعترف الرئيس السنغالي عبدو جوف في مذكراته بهذه الحقيقة. وقد غيرت القوى الغربية إستراتجيتها باستهداف العراق ونظامه الوطني لتحييده، بهدف تسهيل إحراق منطقة الوطن العربي كلها وتحطيم دوله. وبعدما تمكنت القوى الامبريالية الغربية من تنفيذ مخططها بمؤازرة حكام الخليج العربي وأموالهم  وبالشراكة الفعلية لإيران في إطاحة نظام الشهيد صدام حسين الذي بدا حصنا متينا أمام مخطط الحريق ، بدأت مرحلة الحريق عبر إنشاء بؤر نارية في كل قطر. فاشتعل الحريق في العراق ليمتد بلسانين  إلى الأردن، فسوريا التي يطال منها لبنان، ويمتد نحو السعودية فباقي منطقة الخليج العربي واليمن. كما اشتعل في تونس ليرسل لهبه في اتجاهين، أحدهما نحو ليبيا فمصر، والثاني باتجاه الجزائر فالمغرب الأقصى فموريتانيا. غير أن صمود الجزائر حتى الآن في وجه حريق ليبيا هو الذي أخر اشتعال منطقة المغرب العربي كما هو الحال في المشرق العربي. ومن هنا، نعتبر أن الدوائر الغربية تسعى لإعادة الخطة الأولى بإشعال حدود الوطن العربي من الغرب، على الحدود  الموريتانية لإحكام طوق النار على العرب، بحيث تنتقل النار في الغرب الإفريقي بسرعة على جناح التداخل العرقي إلى موريتانيا، فتتصل بؤر النار الملتهبة في كل  قطر؛ كل بؤرة مع التي تليها، إلى أن تتجمع في نقطة مركزية واحدة، هي منطقة الخليج ، والسعودية تحديدا، التي تكتسي وضعا رمزيا خاصا عند المسلمين من جهة، وعند الدوائر المشعلة للحريق العظيم على العرب!!. فالأمر أكبر وأخطر من الدائرة التي يدور فيها الجدال بين الموريتانيين….!

إنما الأمم التعليم.!!

كان السلف يعطي الأولوية في بقاء الأمم واستمرارها للأخلاق.. ولكن يبدو أن الأخلاق، على أهميتها المركزية، مجرد  تابع من توابع  نشاط هو الأصل وهي فرع عنه. إنه التعليم. فلا أخلاق ولا اقتصاد ولا تنمية ولا سلما أهليا، و لا وئاما اجتماعيا، ولا أمنا داخليا ولا إقليميا، و لا ذكرا طيبا بين الأمم ولا سمعة دولية لدولة أو شعب ينحدر فيه التعليم أسفل سافلين. فعجبا للذين يتحدثون في موريتانيا، باستغراب، عن غياب الأمن والفقر والصراعات الشرائحية  ، وعن المجاعة والطلاق وانحراف الأطفال وتفشي الاغتصاب  والقتل اليومي والتلصص والسرقة ، والتطاول على الذات الإلهية ورسل الله ، والاستخفاف بالصالحين والأولياء… فكل هذه الظواهر المميتة ، وغيرها كثير جدا، مرده  تردي التعليم في موريتانيا.   فمنذ 1978، مع مجيء العسكر إلى السلطة، انحرفت البلاد عن المسار القيمي الأصلي لها. فلقد كانت القيم المجتمعية تمجد العلم والتعلم، وتعلي من شأن أصحاب الكفاءات والمهارات ، سواء تعلق الأمر بالعلوم الشرعية أو الأدبية ،و حتى التخصصات التي لم يكن لمجتمعنا في تاريخه إلمام بها، مثل الشهادات الاقتصادية والحقوقية ، وفي مجال الرياضيات والعلوم الطبيعية. فكل ما له صلة بالعلم وأهله كان موضع  تقدير وتبجيل واحترام. فلما جاءت ” سكرة الموت القيمي” إلى مجتمعنا مع طلائع العاشر يوليو، تغير كل شيء. فبدأ أهل العلم والكفاءة يقصون من الدولة ومن المشهد ؛ والأدهى من ذلك بدأت عملية تدمير منظمة للقيم الاجتماعية التي رست لقرون طويلة على نبذ المادة والملذات العابرة. فأصبح الحكام الجدد  يستعملون منخلا دقيقا ينخلون به المواطنين. فكل من له فخر بقيمه أو بكفاءته ، أو يشعر بكرامته الآدمية ويقاوم دونها، تم عزلهم وإهانتهم، ومن بدا ” متعاونا” في سحق قيم المجتمع وإبرازها بلا جدوى، جرى تصعيده ودهنه وتلميعه. وتتاليا، تحطمت القيم الأصيلة وحلت محلها قيم المادة والتمظهر والرداءة  والنذالة. فأصبح حامل الدكتوراه في الرياضيات والآداب والعلوم الطبيعة والاقتصاد والهندسة والفلسفة و الحقوق…  يمشي ( مقطوع النعل) في بلد يدقق  مجلس الوزراء فيه للكشف عن فاشل في دراسته في الابتدائية أو متسرب من الثانوية، أو مزور لشهادة  ليعينه في منصب رفيع في الدولة!. وظل مسلسل الانحدار متواصلا، حتى تفشت الوساطة في المسابقات في مجالات التعليم والصحة، إمعانا في تدمير  وتجفيف كل ما له معنى وفائدة عمومية في هذه البلاد. فبات طلبة مدرسة تكوين المعلمين ومدرسة تكوين الأساتذة ، في أغلبيتهم، أبناء وبنات وأقارب حكام العسكر ومحيطهم الاجتماعي والسياسي. وبالنتيجة، يتخرج هؤلاء الجهلة الذين وصلوا ، على حساب أبناء الفقراء والمهمشين، إلى قاعات الدرس ليعلموا أبناء البلد ما لم يتعلمه معلموهم أصلا، ولم يسعوا من أجله بجهد منذ أن كان لهم حامل بزة عسكرية في مركز من مراكز السلطة. وفي إجراء مكمل لاستيراتيجية  التدمير المنهجي للإنسان في هذه البلاد، بات التصعيد في وزارة التعليم  والترقية يأتي من خارج أطرها الذين حظوا بتعليم جيد قبل وصول أصحاب الجزمات العسكرية، الذين يعرفون كيف يقتلون  ولا يعرفون كيف ينقذون!!، وعندها اضطر كثير من هؤلاء للتفرغ لتأمين حياتهم على هامش الحياة! وكثير منهم يتربص ريب المنون ( التقاعد)!. إن كل الذي نراه ونعيشه من  معاناة وبؤس في كل مجال خطر على بالكم، هو بسبب انهيار التعليم في بلادنا. وما لم يأت ( ملائكة) مطمئنون  إلى هذه البلاد لتخليص العباد من ورطتها في حكمها السياسي، فلن يستقيم شيء، وسيظل كل شيء فيها يطلب الرداءة، وبالتالي الفوضى، طلبا حثيثا!!

 

الإستراتجية الاستعمارية.. وبناء المغرب العربي!!

إن تنافر أنظمة الحكم ومناهج حكمها في منطقة المغرب العربي جعلت التقارب بين هذه الأقطار على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي ضربا من المستحيل. فيبدو أنها توحدت قيما يتعلق بتعميق خلافها  وتناقضها في الرأي وتباعدها عن التعاون والتضامن، وذلك نزولا عند رغبة القوى الاستعمارية ، وفي مقدمتها فرنسا وأمريكا.  إن العلاقات القطرية بين بلدان المغرب العربي التي تشوبها حساسيات منذ عقود من الزمن جعلت التقارب  بينها صعبا. فلقد تأسس هذا الاتحاد المغاربي لتسهيل التعايش والتقارب بين شعب هذا الإقليم العربي ، غير أن الصراعات الهامشية بين أنظمته لم تتأخر كعامل أساسي في تكريس اللاتفاهم واللاتقارب ، رغم أن جماهير المغرب العربي تصبو بكل طموحاتها لبناء هذا المغرب العربي الموحد. إذ تتطلع هذه الجماهير إلى  أن  في وحدة  المغرب العربي ستزدهر الحياة ويتحسن أداء الأمن  وتتكسر كل المشاريع المعادية والضغوطات والاملاءات والتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية لبلدان المغرب العربي؛ وفي وحدة المغرب العربي تتحرر منطقتنا من التبعية السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية؛ وتتصلب حصانة السيادة الوطنية أمام مشاريع الاختراقات الأجنبية بغرض زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي للمنطقة. إن ما يهدد في هذه المرحلة العصيبة ، التي تمر بها الأمة العربية  وخصوصا في أقطار مشرقها من عوامل التفتيت والشرذمة، ينسحب على منطقة المغرب العربي،  عبر الصراعات الداخلية داخل دواليب الحكم ، وتفجر النعرات المناطقية والقبلية والعرقية داخل كل قطر من هذه الأقطار ، مما انعكس سلبا على التنمية والأمن والاستقرار الاجتماعي والثقافي. لقد ضمرت روح المواطنة وأصبحت الوطنية  هي المصلحة الذاتية ؛ وذلك جراء رداءة النظم السياسية وأحزابها. إن على الأنظمة السياسية والمجتمع المدني في هذه الأقطار أن تعي الدروس المتلاحقة من خلال ما آلت إليه الأوضاع في منطقة المشرق العربي؛ وعليها أن ترجع إلى رشدها وتعيد رسم مسار النجاة من خلال معالجة أوضاعها المريضة ، بدءا بالتغيير في أساليب حكمها الموبوء بالمصلحية والوصولية ، وكل أساليب تقزيم الشعب وتهميشه، وانتهاج أساليب المسكنات لتخدير الأوضاع. إن الشجاعة في اتخاذ قرارات تاريخية لعلاج ما هو سيء ، وإعادة بناء المواطنة وتكريس الديمقراطية نصا وممارسة  جديدة تقود إلى التئام الجراح  حتى يستعد الجميع ، أنظمة ومعارضة وجماهير لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية الخطيرة على بقاء الأوطان. إن التقارب المغاربي بين أقطاره يعتبر صمام الأمان   للاستقرار والتطور في هذا الفضاء الغني  بثروته البشرية والمادية . وعلى الحكام أن يعوا أن إدامة الصراعات ، وخاصة بين المغرب والجزائر، هو إمعان في نهش وثلم منظومة الاستقرار داخل البلدين، وينعكس سلبا على الاستقرار في المنطقة. ولهذا، نجد أن القوى الاستعمارية تسعى بكل وسائلها أن تبقي على العلاقات بين أقطار المغرب العربي  متباعدة  ومتنافرة لتديم تبعيتها لها من خلال ضعف هذه الأقطار، كل على حدة. لقد آن الأوان، بل تجاوز منذ أمد بعيد، أن تتعقل هذه الأنظمة  وتعالج المشاكل الهامشية العالقة وتتحرر من الأجندات المحبوكة للمنطقة. إن عليها أن تفتح مرحلة جديدة لعلاقات التآخي والتعاون على جميع المستويات تمهيدا لبناء وحدة المغرب العربي. هذا المغرب العربي الذي يعتبر الحل الأمثل والضروري لصناعة الازدهار والاستقرار والأمن في هذا الفضاء العربي المهم. وإذا تباطأت الأنظمة عن التقدم خطوة على طريق بناء المغرب العربي، ولم تستشعر المسئولية في تحمل هذه المهمة التاريخية، فإن النخبة التي تستبطن هذه الأنظمة  وتلمعها وتدافع عنها تبقى من يتحمل المسئولية لأنها تتحكم في دواليب السلطة  في هذه الأقطار . إنها من سيتحمل المسئولية التاريخية إزاء الانهيار الذي يصيب المنطقة بأكملها . فالبوادر السلبية أصبحت بادية للعيان كالعوز الاقتصادي وركود التنمية وبروز النعرات الانعزالية والمسخ الحضاري والثقافي ؛ والتبعية العمياء لمشاريع الاستعمار وظهور بيئة اجتماعية تتعاطى العنف الفكري والمادي، وتستقوي بالأجنبي ؛ كل هذا دليل على خطورة الوضع!!!

 

العراق…الدرس القوي

منذ ثلاثة عشر عاما جندت الولايات المتحدة الأمريكية العالم في حملة هي الأولي من نوعها لغزو العراق ’معتمدة سلاح الدعاية الإعلامية لإقناع العالم بمدي خطورة العراق وامتلاكه أسلحة الدمار الشامل مما مكنها من غزوه وإسقاط نظامه الوطني. إلا أن ثمن الحرب كان باهظا ،لأن الشهيد صدام حسين و رفاقه شيدوا طيلة حكمهم لذلك البلد جيشا وطنيا ذو قدرات تسليحية عالية وخبرات فنية نوعية مما أحبط مخططات الأعداء .

فبدلا من الحسم عن طريق الجولات الخاطفة كما روجت له أمريكا و حلفاؤها وجدوا أنفسهم في وحل لا يمكنهم الخروج منه ،حين أطبقت عليهم المقاومة من كل جانب محولة ساحة القتال إلي جحيم علي العدو فأربكت مخططاتهم وتهاوت قواهم ؛ فانهارت معنوياتهم وتساقطوا قتلي ؛فكانت النعوش الطائرة تملؤ سماء العراق إلي كل العالم بالإضافة  إلي شحنات الجنود المجانين و المرضي بذلك المرض الغامض الذي أطلق عليه مرض حرب الخليج. لتعترف أمريكا أن لا قدرة لها على مواجهة المقاومة العراقية بقيادة عزت إبراهيم الدوري الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي’ ولتستنجد بحليفتها إيران العدو اللدود للعرب التي تمتلك بنية تنظيمية صفوية داخل الدول العربية تستخدمها دائما لتفكيكها وتفتيتها  ، فوجدت إيران فرصتها للثأر من العراق الذي وقف سدا منيعا أمامها وأمام الأعداء في تنفيذ مخططاتهم الخبيثة في المنطقة  فحركت كافة عناصرها وجندت كل طوائفها لإشعال نار الفتنة عبر استغلال عملائها و مليشياتها الحاقدة ،لغلق طوق الغدر و المؤامرة بتأجيج حرب طائفية دموية و ما نتج عنها من قتل وتدمير وتهجير و تشريد للسكان الآمنين. هذا في الوقت الذي تتكفل أمريكا وحلفاؤها بالحرب الجوية إمعانا في القتل والتدمير حتى لا تنقطع العلاقة الودية و الحميمة القديمة الحديثة بين أمريكا و إيران و يتأكد تبادل الأدوار في الغدر و الحقد . فإذا كانت أمريكا  و إسرائيل حاولتا إنقاذ إيران من هزيمتها في حرب القادسية الثانية عن طريق فضيحة إيران كيت وأخواتها’ فان إيران ترد الجميل لأمريكا بإنقاذها من ورطة هزيمتها بعد انهيار جيشها في عام .2011

إن هذه الحرب الصليبية الأمريكية الصفوية ( الإيرانية) نظرا لتعقيداتها لا زالت مشتعلة ؛فعجزت أمريكا و حلفاؤها عن إخمادها لأنهم لا  يتحكموا في  سيرها رغم المحاولات اليائسة التي لجأوا إليها من سياسة الأرض المحروقة  و التقتيل و إدخال كافة السكان في سجن واحد و تدمير المدن فوق رؤوس ساكنيها لإرهابهم و ثنيهم عن دعم المقاومة ومواجهة الأعداء ؛ الأمر الذي عجزوا عنه ،حيث تبين أن الشعب حاضنا للمقاومة مدافعا عنها  رافضا كل أشكال التضليل الإعلامي وتشويه الحقائق علي الأرض .

إن هذه الحرب الملعونة وما فتكت به من بشر وكلفت من أموال طائلة أرقت الجميع حيث لا يمكن التكهن بنهايتها في وقت طالت شرارتها أمريكا في  عقر دارها. ففي بداية كانون الثاني (يناير) تناقلت وسائل الإعلام أن أحد الأشخاص أطلق النار في مطار فلوريدا مما أدي إلي مقتل عدة عناصر و جرح آخرين محددة انه مصاب بمرض جنون حرب العراق ، ولا يفوت علينا أن تتصادف تلك العملية  مع تخليد الذكرى العاشرة لاستشهاد القائد البطل صدام حسين ؛مما يشير إلي أنه رغم غزو العراق و اغتيال رئيسه الشهيد البطل القائد صدام حسين فإنه لا زال يثخن في أعدائه.

لا يستبعد على أي أمة في العالم أن تأتي قوة تفوقها و تنزل بها ضربة تقهرها مؤقتا و لكن المستحيل أنه إذا قامت هذه الأمة  بواجبها ، فانه يستحيل أن يقضي عليها نهائيا. قد تقهر أو تبقي سنوات في حالة ضعف و خسارة و لكن بذور القوة قد تتضاعف لأنها قامت بواجبها ’و ينتظرها مستقبل أروع  بكثير.

إن الرجال العظام البواسل الذين قاتلوا دفاعا عن العراق العزيز يعرفون كيف يقاتلون دفاعا عن أرضهم   و عن مستقبل أمتهم و قد اثبتوا ذلك بعون الله   عند ما تصدوا للعدوان والمعتدين بشكل بطولي   سيذكره التاريخ كمثل رائع علي البطولة والشجاعة و الصمود.

هكذا أري :أننا مطالبون بالدرجة الأولي ــ و فوق كل شئ وكل تقدير و كل اعتبارــ بأن  ننقذ المستقبل ؛ و إنقاذ المستقبل يكون بان نوفي الحاضر حقه و أن نقوم بواجبنا في الحاضر .

لا اهتم بالنتيجة العاجلة لحسم المعركة بقدر ما  أري أن من واجبنا جميعا أن نعمل كل شيء في سبيل النصر في معركة أمتنا العربية التي تمتلك إمكانات هائلة  تمكنها من تجاوز كل الصعاب و التحديات و لكن ليس هذا هو المهم ،المهم أن تبقي الأمة  سائرة في الطريق الصاعد ’متفائلة مؤمنة برسالتها.

 

البطالة .. الحقيقة المتجاوزة

 

حقيقة تتأكد يوما بعد يوم، ويثبتها الازدحام والطوابير الطويلة أمام مراكز التشغيل، وعند شبابيك مسابقات اكتتاب الوظيفة العمومية، هي حقيقة البطالة المنتشرة في صفوف الشباب الموريتاني، والتي مهما حاولت الأرقام الرسمية تجاهلها، ومهما تم تجاوزها في الخطط الاقتصادية للدولة، تبقى ثابتة ثبوت حاجة العاطل لسياسة تشغيل عقلانية، تأخذ بعين الاعتبار مخرجات المدرسة، وتلبي حاجة السوق المحلي، فتجعل من الشاب قوة حية باستطاعته المساهمة في بناء وطن، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت آخر إلى ثقة الشباب فيه، ثقة تتزعزع  كل مرة وعند كل مسابقة لما يصاحبها من شيوع ممارسات خارج الأخلاق والقيّم، وتتنافى مع روح العدل والمساواة بين الجميع، ومع ذلك يتداعى آلاف الشباب كل عام آملين في أن يكون الحظ حليفهم في مسابقة ما يتنافس فيها الجميع ” إلا من رحم ربك” على المقاعد القليلة التي تبقت بعد أن تقاسمت الوساطة والرشوة والمحسوبية جل المقاعد المطلوبة.

ممارسات تدفع الكثير من الشباب الموريتاني إلى رفع أقلامه عن المسابقات الوطنية، وقليل من أولئك يحظى بفرصته في القطاع الخاص ـ على علاّته ـ، بينما يكون مآل أغلبهم الوقوع ضحية الارتماء في كنف الجماعات الخارجة على القانون، سواء كانت جماعات دينية متطرفة أو عصابات الجريمة المنظمة، كما يصل الحال ببعضهم ويأخذه كفره بالدولة إلى حد الهجرة عنها، معرضا نفسه لمخاطر الهجرة الجمة في السفر، وفي الإقامة في بلدان تتنامى فيها النزعة العنصرية والنظرة الدونية للمهاجر، كما أنه بهجرته هذه يفرغ الوطن من طاقة حية، بل وقد يكون عقلا مفكرا أو مخترعا حرمه الإقصاء والتهميش من الإبداع والإنتاج في وطنه.

واقع مر بتفاصيله اليومية التي يعيشها العاطل عن العمل كنكرة في مجتمعه، غير قادر على المساهمة في الشأن العام، وإن حاول البعض من الشباب تجاوز المحنة والتغلب على الصعاب، منخرطا في أطر سياسية وحركية، تعمل على المشاركة في صنع القرار، إلا أن أغلب أولئك الشباب دفعتهم الحاجة إلى الانجراف وراء الأصوات الغوغائية، سعيا للانتفاع على حساب هموم المواطن، الذي لازال ـ رغم ما رأى وسمع من الشباب ـ  يعلق آماله على هذه الفئة كصمام أمان لمستقبل البلاد، ولكن كيف يكون الشباب صمام الأمان وهو عرضة لتلاعب الدولة من جهة، والطوابير السياسية النفعية من جهة أخرى؟

تتوقف الإجابة على هذا السؤال عند ضرورة أن يدرك الشباب الحق من الباطل، وأن يكون قادرا على تمييز الصواب من الخطأ، وإنه من الصعوبة بمكان في ظل حاجة المستبد إلى شيوع الجهل في الناس، وبالموازاة تتقاعس النخبة عن دورها في تثقيف وتكوين الشباب، لتبقى المحاولات التقدمية القليلة في زماننا نبراسا ومشعلا يضيء للشباب دروبه، حتى في أحلك ظروفه وهو يعاني البطالة، وما يترتب عنها من تأثير على مدارك العاطل عن العمل.

ومما يدمى له القلب أن ينصاع الشباب الموريتاني بمختلف مستوياته العمرية والتعليمية والعلمية، وراء مسرحيات النظام الحاكم الهزلية، وهو يزغرد ويطبل لإنشاء المجلس الأعلى للشباب، ويشارك في استحقاقات جمعيته العامة، كما تهافت خلف سراب الذهب في صحراء العطش والهلاك، وقبل ذلك كله نوّم مغناطيسيا بمخدر اسمه تجديد الطبقة السياسية، كل ذلك حتى ينشغل الشباب عن معاناته كشريحة تشيع فيها مظاهر الجهل والفقر، وعن الاهتمام بوطنه المهدد بالتمزق.

نخلص إلى حقيقة معاناة الشباب الموريتاني، وخاصة حملة الشهادات في قطرنا العزيز، من إقصاء وحرمان الكثير منهم من حقوقه لا لشيء سوى أنهم لا مال لهم ولا نفوذ في زمن تشتري فيه الوظيفة أو يمنحها القريب قريبه، ولا نزال كذلك حتى نعود إلى النظام الإقطاعي الذي عاشته أوروبا في عصورها المظلمة، أو ربما هو بلوغ الدجى مبلغا ليس بعده إلا أن يتنفس الصبح، وإن غدا لناظره لقريب.

 

معركة “النيملان” في وسط موريتانيا لم تحظ بمكانتها اللائقة رغم بعدها الشمولي.

إن التاريخ إذا فرغ من التأمل في الأشياء العميقة يتحول إلى دفتر سجل للأحداث اليومية أو الفصلية أو السنوية، فلا يكون التاريخ علميا إلا إذا حضرت في ذاكرة كاتبه أهمية التأمل العقلاني الاستنتاجي؛ وقتها تطيب متابعته ويلذ الاستماع إليه.

وإن أي مؤرخ لا يقيس أحداث بلده على مقدار التمايز في التأثير الحضاري سواء العسكري منه أو المدني هو مؤرخ يفقد مقاليد التوجيه الاجتماعي، وبالتالي يمكن اعتباره مدون للأحداث وليس مؤرخا يدقق المعلومة ويستنتج من كنهها للفائدة الحضارية المؤثرة.

لقد شهدت موريتانيا حملة استعمارية قادتها فرنسا بهدف إخضاع البلد ووضعه ضمن قاعدة التحكم الفرنسي في شمال وغرب إفريقيا؛ ونتجت عن ذلك ردة فعل أخذت أبعادا مختلفة أهمها البعد الروحي والسياسي.

ومن بين جميع الأحداث التي تخللت حقبة الاستعمار الفرنسي في موريتانيا على ضوء الدفاع عن الحوزة والمعتقد والإنسان، برزت بعض المحطات النوعية في التعامل مع حملات الاحتلال، التي مرت بخطوات بدأت ب (المسالمة) وتأكدت عدوانيتها كلما تطورت الأحداث نحو السيطرة التامة.

كان من بين أهم هذه المعارك التي جسدت البعد الشمولي للمقاومة الموريتانية ضد الاستعمار الفرنسي معركة “النيملان“. وهذه الشمولية اتخذت بعدين: بعد قطري وبعد شبه قومي .

ـ البعد القطري : بعد المعركة التي واجه بها الفرنسيون الأمير “بكار ولد اسويد أحمد” أمير تڱانت ـ الذي أعلن منذ البداية رفض المشروع الاستعماري ـ وأسفرت عن جرحه  في معركة “بوڱادوم” الذي أدى إلى استشهاده في موقع “رأس الفيل” اعتبر قادة الرأي الروحي والزمني في القطر، الرافضين للوجود الفرنسي، ذاك الحدث رسالة واضحة تؤكد توقعهم القاضي بتصنيف فرنسا كدولة نصرانية  لن ترضى إلا عمن يتبع ملتها.

وبدأ التفكير ـ رغم تأثير الحادثة على معنويات المقاومين ـ يتسم بطابع الجدية، وهكذا جاءت ردة الفعل ممثلة في ملحمة “تجڱجة” التي راح ضحيتها مهندس الحملة الفرنسية لاحتلال موريتانيا “ڱزافي كبولاني” فأعطت للمقاومة دفعا معنويا و عسكريا بعد نكستها في رأس الفيل.

وعلى إثر هذه العملية تحركت شخصيات من أبرز زعماء عشائر الوسط الموريتاني واتصلت ب “الشيخ ماء العينين” في أقصى شمال القطر لتجعله قطبا روحيا بعد رحيل القطب السياسي بكار، علما أن الشيخ ماء العينين سبق وأعلن الجهاد ضد الفرنسيين.

وهكذا اتحدت قبائل المنطقة في هدف شمولي موحد هو التصدي للمحتل الأجنبي لتكون سنة 1906 على موعد مع التجسيد الأول لهذه اللحمة التي مثل يوم ” النيملان” مناسبتها الفعلية على أرض الواقع.

ـ البعد شبه القومي: كإجراء فعلي لمباشرة دعم القبائل التي وفدت إليه سنة 1906 ، الذي عرف محليا ب “عام الأركاب“، قام الشيخ ماء العينين بمراسلة سلطان المملكة المغربية ” عبد العزيز” لتزويده بما يمكن من عتاد  في وقت أصبحت الجزائر (المستعمرة) شبه مستوطنة فرنسية؛ وقد حظيت تلك المراسلات بدعم تمثل في إرسال 300 بندقية حملها أحد أقارب الملك يدعى “مولاي إدريس” الذي سيجعله زعماء القبائل شخصيتهم المركزية في خوض مواجهة الاستعمار، كونه لا يتزعم أي قبيلة من القبائل المشكلة للحلف ، الأمر الذي يزيح محفز التزاحم على القيادة.

وبالفعل، مثل ذلك التخطيط دعامة أساسية لملحمة يوم “النيملان“، حيث هزم الفرنسيون ومات قائدا حملتهم العسكرية المخصصة لهذا اليوم ، كما فر من نجا من جنودهم وأدى ذلك إلى إرباكهم خاصة بعد تراجع شخصيات مؤثرة كانت قد تحالفت معهم بانضمامها إلى صفوف المقاومة في هذه المعركة؛ هذا مع العلم أن المعركة استشهد فيها عشرات المقاومين من مختلف قبائل المنطقة.

الملفت في الأمر أن هذه المعركة التي نعتبرها أنموذج المعارك التي تم من خلالها التصدي للاحتلال الفرنسي في موريتانيا على صعيد التوحيد القطري وشبه القومي، هي مدرجة لدى التصنيف الوطني للعمليات المسلحة التي خاضتها المقاومة الوطنية، في مرتبة متأخرة ولا نجد تفسيرا لذلك سوى أن  النظام  السياسي الذي تسلم السلطة في البلاد بعد المحتل الفرنسي كانت له مشاكل سياسية مع نظام الحكم الملكي في المغرب؛ وهو للم يكن متحمسا للتنويه بمعركة شارك فيها ابن أخ هذا الملك ، أو أن  مجتمعا سلم في النهاية قراره لحكم الفرد هو تواق إلى تمجيد الجهود الفردية على حساب الجهود  الشمولية مهما عظمت ومهما كانت مثالية . وهذه الفردانية هي التي أرشدتنا في القرن الحادي والعشرين إلى إعطاء عناية لكتابة التاريخ بعد زيارة ميدانية لرمز السلطة للوسط الذي مثل قطبا حيويا في محطات المقاومة. و لكنه لم يوفق ـ رغم تطور التفكير ـ في اختيار الموقع الأهم “النيملان” لجعله مناسبة مكانية لإعلان تصريحه. فلعل جهدا فرديا آخر يأتي في المستقبل  يقنعه بهذا الإجراء حتى لا تبرح الفردانية مكانها.