الفصل بين الشخصي والوطني

محمد نعمه عمر
محمد نعمه عمر

لم أترردد مطلقا، في تأييد مبادرة الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، القاضية بتجنيب الشعب الغامبي، ويلات الحرب والدمار، وذلك من خلال إقناع الرئيس المنتهية ولايته بمغادرة السلطة، قبل أن تنفذ مجموعة “الإكواس” تهديدها بالتدخل العسكري لإزاحته، ما يعني دخول غامبيا في نفق حرب أهلية تجعلها بيئة مشجعة لتكاثر فطريات العنف والتطرف التي تعيش على الخاصرة الرخوة للبلدان الفاشلة.

وبغض النظر عن الدوافع والأسباب، هل هي من أجل انقاذ صديقه وحليفه “يحيى جامي” كما تقول المعارضة، أم من أجل كسب نقطة أخرى على مؤشر المبادرات التي تزيد من شعبيته محاليا، فإن الخطوة بدت انتصارا موريتانيا صرفا، يحسب للبلد ولرئيسه.

مع الأسف الشديد لازالت نخبنا السياسية عاجزة عن الفصل بين ما هو شخصي وما هو وطني، حيث يتم الخلط بينهما لدوافع ذاتية ترفض أن يحقق الآخر أي انجاز، ولو كان ذلك لمصلحة الجميع.

وعلى شاكلة الحث الغامبي، جاء تصويت قناة الجزيرة لاختيار شخصية الأسبوع، وإن كنت أتحفظ على القائمة التي أدرج اسم الرئيس الموريتاني ضمنها، من زوجة المتهور “ترامب” إلى قاضي القضاة في الأردن الذي أساء إلى سمعة بلده باستجدائه الذليل لدول الخليج مما استدعى اعفاءه من منصبه، فإنني أنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى لا تتعلق بشخص الرئيس فقط، وإنما إلى سمعة بلد بأكمله، عندما تتصدر الشمطاء “ميلانيا”، القائمة، في تصويت لا يخلو من سوء طوية؛ لذا انتصرت لسمعة البلد وطالبت الشعب بالتصويت لصالح رئيسه، لأن هذا المنصب سيادي قبل أن يكون شخصي.

ليس كل من دافع عن الرئيس ولد عبد العزيز ومواقفه، متقمص لدور محامي الشيطان، فالرئيس الذي اعترفت بفوزه جميع القوى السياسية، هو في منصبه الحالي أسمى مسول رسمي موريتاني ويمثل سيادة البلد وواجهته، وبالتالي يجب قبل أن نتحفظ أو نفسر انجازا حققه على أنه لدافع شخصي، أن ننظر إلى الجانب الممتلئ من الكأس، ماذا استفادت موريتانيا من هذه لخطوة، خاصة إذا كانت صونا لدماء شعب باكمله عانى لعشرين سنة من رئيس يسيره بعقلية رقيب من الجيش، لا يعترف بسلطة غير “كانتون” الرئاسة حتى لا أقول “مؤسسة”، لا قضاء ولا برلمان؛ ألا تعتبر إزاحة هذا الرئيس دون أن تسيل قطرة دم واحدة، صدقة جارية ونازلة حميدة، تستحق أن نمتلك شجاعة الاعتراف بها.

كنت أتمنى أن تصدر المعارضة بيانات مشيدة بهذا الانجاز، الذي لعب حليفها السابق المعارض الغيني “ألفا كوندي” الذي أصبح رئيسا؛ جزءا هاما في إخراجها؛ ذلك ببساطة لأن السياسة ليست فقط أن نعد ببناء جسور حيث لا توجد أنهر، هي أيضا صدق مع الذات ومع عشرات بل مئات القواعد الشعبية التي سئمت منهج حرب الخنادق وسياسة ردات الفعل التي يبني عليها البعض برنامجه السياسي، تاركا زمام المبادرة لخصمه.

م نعمه عمر