مهرجان وادان: موروثنا أعظم من أن يختزل

محمد نعمه عمر
محمد نعمه عمر

تابعت باستغراب كغيري من الموريتانيين، فعاليات مهرجان المدن القديمة نسخة “وادان”؛ وبدت في سهرتها الفنية الأولى وبحضور رئيس الجمهورية، أشبه ما تكون بسرك للتهريج، يفسح فيه المجال لكل من هب ودب ليتحدث أمام أعلى سلطة في البلد، وبلغة سوقية أصحابها لم ينهلوا لا من وادي العلم ولا وادي التمر.

فباستثناء فرق المديح، لم تتمكن موريتانيا من كشف مكنونها الثقافي والفني الغني، بسبب المحاباة والتزلف، الذي حول المهرجان من مناسبة لمدحه صلى الله عليه وسلم، إلى مدح رئيس الجمهورية، وإن كنت لا أعترض على بعض ما مدح به، لكن أخطأ منظموا المهرجان في اختيار الجادة.

كان الأجدر بصناع الثقافة تحديد الهدف من هذه المهرجانات، إما أن تكون شعبية ومحلية جدا، تحيى فيها الثقافة الحسانية الشعبوية، وبالتالي السماح للسوقة بالتحدث فيها، أو أن تكون مهرجانا تراثيا، والتراث لا يصنعه الدهماء وإنما الذاكرة والمستكشفين من الأكاديميين، ليخلده الشعراء والفنانون بالغناء والمسرح.

لقد أفرغ مهرجان “وادان” من محتواه الحقيقي ولا أعتقد أن ذلك في صالح البلد ولا وجهه الحضاري الإشعائي، الذي تمثل “وادان” أهم تجلياته واستقراءاته الحضارية، لذا يجب أن يراجع القائمون على مثل هذه المهرجانات التعامل مع التراث والثقافة كمنتوج حضاري وليس فقط إعادة صناعة التمييع وإفراغ كل شيء من محتواه، الأمر الذي يطبع حياتنا اليومية مع الأسف، ومكن الكثيرين من تزوير الواقع وانتحال الصفة على مرأى ومسمع من سلطات البلد وقضائه.

لعل الإيجابية الوحيدة التي يمكن استنتاجها من حفل افتتاح مهرجان “وادان”، هي مشاركة فرق فنية وأدبية من (اكليميم، وتيندوف، وتمبكتو، وكاوه)، فالخطوة تعني إحياء لثقافة “مجتمع البيظان” أينما كانوا وربطهم بعمقهم الحضاري.

لكن وعلى ذكر الفن لماذا لم يشاهد المواطن الموريتاني أحد أبرز الذين خدموا الموسيقى الموريتانية ولحنها، وكان ملهمة لجيشنا في حربه العبثية، من منا لا يتذكر “قوي يالجلال كتائب موريتان”، يتغنى بها أفراد الجيش والأطفال في المدارس، أعني الفنان العربي السوري “فريد حسن” الذي احتفل معنا بعيد الاستقلال الوطني، ولقي حفاوة بالغة على المستوى الشعبي، لكن حتى الآن لم يتم الاهتمام به رسميا، ولم يفسح له المجال للمشاركة في السهرة الافتتاحية للمهرجان رغم وجوده في “وادان”، بينما قدمت “هيام يونس” كضيفة شرف، ترى ماذا قدمت “هيام يونس” للشعب والأغنية الموريتانيين كفانا نفاقا وضحكا على الذقون.

تلك ملاحظات سريعة على حفل الافتتاح، الذي هو في الغالب، الأهم والأكثر جذبا للاهتمام في جميع المهرجانات..

أملي أن تصحح الأخطاء مستقبلا حتى لا يستمر تسويق ثقافة العبث عبر مهرجاناتنا وقنواتنا الفضائية، لأن موروثنا الثقافي والفني أعظم من أن يختزل في الصراخ وفن الإستجداء.

م نعمه عمر