في انتظار ’’غودو’’

%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9يستمر الاختناق السياسي وتجاهل كل طرف لخصمه، متكئا على خلفية شعبية يصعب تحديد بوصلتها وخط وصولها النهائي.

 فبعد أن نجحت مسيرة المعارضة يوم أمس، يتوقع المراقبون أن تستعرض الأغلبية بدورها وزنها الشعبي الذي سيكون تاريخيا هو الآخر لجملة من الاعتبارات أبرزها أن النظام سيعتبره استفتاء أوليا على التعديلات المزمعة على الدستور وتغيير الرموز الوطنية.

ورغم أن المواطن في حالتي الشد والجذب هو الرهان فإنه الوحيد الذي يدفع ثمن هذا التجاذب إقصاء وحرمانا وغلاء وتلاعبا بمصالحه والمتاجرة به لأهداف هي في الغالب شخصية لا تمت إلى مصالحه بأية صلة.

فلا المعارضة التي تصر على انتهاج سياسة حرب الخنادق وردات الفعل على مبادرات النظام، قادرة على خلق بدائل يسهم في الخروج من حالة الاحتقان التي فرضتها منذ انتخاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز رئيسا وهي التي سوقته ابتداء وبررت انقلابه على رئيس منتخب.

ولا النظام بسياسة الهروب إلى الأمام تمكن من خلق اجماع حول سياساته المثيرة والتي في غالب ما تزيد من واقع الاصطفاف الذي يقسم التصنيفات على أسس أبعد ما تكون عن المصلحة العامة: (الخيانة والعداء للوطن)، لمجرد أن حهة ما عبرت عن اعتراضها أو تشكيكها في سياسة الحكومة والأرقام الاقتصادية التي تقدمها، والتي هي بطبيعة الحال غير محصنة مثل المواد 26 و28، التي قال الرئيس إن بإمكانه تغييرها إن أراد، الأمر الذي يعطي الانطباع بأن لا مقدسات في هذا البلد ولا خطوط حمراء غير التي سيمتشقها علم الجمهورية الثالثة.

ولا المعارضة أيضا كانت مقنعة بواجهاتها العتيقة وسياساتها التقليدية التي تنتهجها منذ ما يناهز 20 سنة، اللهم إذا ما استثنينا موقفها المتعصب اتجاه محاورة السلطة والذي تسبب في شق صفها، ودفع النظام إلى الانفراد بقطبيها الفاعلين التكتل والمنتدى، قبل أن يعودا بعد طلاق رجعي إلى بيت الطاعة مساء أمس ويخرجا معا في مسيرة رافضة للمرفوض أصلا لأن الرئيس قال إنه لن يترشح لمأمورية ثالثة ولن يعدل الدستور لتحقيق هذا الهدف.

لماذا استعرضت المعارضة عضلاتها إذن مساء أمس أعتقد أن الهدف هو البرهنة للراي العام والمراقبين من شركاء موريتانيا أنها حاضرة في المشهد، وقادرة على استقطاب الشارع رغم الإكراهات؛ لكن هذا الشارع الذي يطحنه الغلاء والفاقة وضعف القوة الشرائية يفقد احترامه لهذه المعارضة التي ترمم حطامها كلما لم تلح في الأفق مكاسب آنية أو مناسبة انتخابية، لتعود إلى التشتت والوهن بدلا من الدفع بمرشح واحد قادر على المنافسة وتحقيق الهدف الذي تسعى إليه عن طريق صناديق الاقتراع بعد أن فشلت في ذلك من خلال الشارع وشعار الرحيل.

من مكاسب النظام السيئة أنه يجدد آلياته ويفرض الدهشة ويشغل الشارع ولو بأشياء هي في جوانب منها كرنيفالية كزيارات الرئيس للداخل تنظيم انتخابات سابقة لأوانها تعديلات تستهدف رموز كبيرة كالعلم والنشيد؛ وبغض النظر عن طبيعة هذا التريموميتر الذي يوجه بوصلة السياسة والاهتمام الشعبي، وإرتباطه بما يشغل المواطن “صاحب الدخل المحدود” فإنه على الأقل قادر على إلهاء الطفيليات السياسية عن المصائب الكبيرة التي تقتل هذا المواطن وتذبحه من الوريد إلى الوريد، تسلخه لتملأ جلده بمؤشرات النمو الوهوية، يكفي العبد الفقير أن يحصل على ثقة الحزب ليغني ويرقص على أنغام أناشيد الحملات.

إن وفيَ النظام بالتزامه وغادر الرئيس القصر الرمادي حاملا سجادته وسبحته كما فعل سلفه “دون كشوت”، فإن المعارضة مطالبة أيضا بتغيير واجهاتها الهرمة، لأن التناوب لا يتعلق فقط بالجلوس على الكرسي، لأنه سلوك قبل أن يكون ممارسة، ومن يدري فقد يكون الطابور الثاني أفضل أو أسوأ، المهم والأهم أن نتجاوز الواقع الراهن بنصه وشخوصه، فقد هرمنا ونحن ننتظر تحقيق هدف أشبه ماي يكون بعودة “غودو” في مسرحية الكاتب الايرلندي “صموئيل بيكت”، خاصة عندما  ننتظر شيئا  لا وجود له أصلا أو لا معنى له.

م نعمه عمر