حديث المهمشين … قراءة في أحداث “مال” الأخيرة

من يستطيع أن يُوقف غضب المهمشين إذا ثاروا وأصبحت الدنيا لا تساوي في نظرهم أتفه شيء في سبيل الكرامة والإباء الذي حرموا منه ردحا من الزمن ؟، ومن يستطيعُ مواجهة ذلك كله ؟ وهل يمكن لمن يسعى في سياسة حكمه أن يعيد انتاج التخلف وتبقى الأمور على ما هي عليها ويبقى الحاكم حاكما والوزير وزيرا والفقير فقيرا والمهمش كذلك مهمشا أن يجنب العباد والبلاد بلاء غضب هؤولائك الوادعون من المهمشين والفقراء والمقصين ؟.

ليس هناك سبيل في الدنيا يحتمُ القضاء وبشكل كامل على الفوارق الاجتماعية والتمييز حسب منطق الحياة ،وأتمنى أن يفهم ذلك الوادعون ويتصرفوا بحكمة لأن الزمن لا يقف على الشيء وكذلك التغيير سنة اجتماعية ومنطق لابد منه ، كما أنه ليس هناك مانع غير نزوات الحكم والتجبر يحول دون العمل بإخلاص من الجميع وللجميع ، إنهما ثنائيتان تنعدم إحداهما وتقل بتواجد الأخرى، وربما منطق الحياة ذلك هو من دفع منظري الماركسية أن يعتبروا أن الحياة صراع ويختلفوا في أسبقية آليات الصراع على التدرج في سلم الوجاهة والمكانة الاجتماعية ، لكن هناك نوع من المجتمعات لا تكون آليات الصراع التي تنتج موضوعية بشكل مطلق وتعزز التنافس في كثير من الأحيان موجودة ، فقط لأن زمرة معينة تحكم وتسعى إلى تثبيت الوضع القائم وإعادة صياغته في كل نواحي الحياة  …..

وربما تلك المقولة لا يمكن تجسيدها إلى على المدى البعيد ، حيث أنه في الغالب تكون تحكم المجتمعات مجموعة معينة لها نمطها الخاص وأيديولوجيتها الخاصة ولا يمكن التغلب عليها بسهولة ولا تجاوزها في أقصر السبل، على العموم ذلك فصل معرفي واسع والبحث فيه يحتاج الكثير والكثير …

نحن شعوب إفريقيا ومن كان له معنا نفس التاريخ المر في الاستعمار والقهر والإذلال ،قدر لها أن نعيش في نمط خاص مستورد ومصنوع من هناك حيث دولنا صنعت وحيث قسمتْ طبقاتنا وحيث أدير التمايز وأخلصت النوايا لتعزيزه عقدا بعد عقد في تشكل دولنا ، ونحن شعوب أفريقا من يسر في متاهات الأحلام ويقلد مشية الأعرج ، وليس في ذلك من أمر مصالحنا فتيل ….

فلا يجوز لنا الخروج من الشباك ولا الشباك يتسع لأحلامنا ولا أحلامنا استوعبت حقيقة واقعنا ، تماما كمن أفاق على أمر لا يتماشى مع خلقه ، وأصرّ عليه حتى إذا استمسك بعروته الوثقى وظن أنه الخلاص تبين له سراب ما كان يصبو إليه وأدبر يتدارك على نفسه ما ضاع ولن يعود مطلقاااا ، أجارنا الله من الخيبة والانكسار وحفظ بلدنا العزيز …..

من كان يملك عقلا في دولة يسود فيها التمايز بفعل حكم الباشوات والرجال الكبار الفاسدين الذين تحولوا إلى نموذج معصوم لا يجوز الكلام عنهم بسوء ، والاحتذاء بهم أمر في غاية الضرورة عليه أن يتجاهل الإهانة ويعتبرها مكرمة ومنة يجب الإشادة بها ، لما لا وهم منحونا الحياة في دولة هم رجالها ونحن لهم تبع إلى يوم يبعثون ـ كما تخيلُ لهم أنفسهم ـ وعليه أن يصبر الفقر والجوع والمرض لأنه من سنة الله وقدره في عباده والدولة الغنية الماسكة بزمام أمرها لا يمكن ان ترد القضاء والقدر ، وليست مستعدة لأن توفر أبسط شيء في سبيل تخفيف معاناة من هم كذلك …

لكن أيها الباشوات ويا سادتي يا كبار هذه الدولة ورجالها لكل شيء حدود ولكل ظلم نهاية والباطل لا بد أن يُرفع ولو بعد حين والغامض سيكشف يوما وليس للدهر صاحب أبدا………..

وليس بين الصمت والانفجار إلا ساعة توفيق ولا يمكن احتواء الإنفجار إلا بخطط مستعجلة ومبادرات تحت ضغوط من نوع خاص ، وللأسف لا يمكن إنجاز مشروع جاد إلا بضغط خاص ، يعني أن إصلاح أي شيء يستوجب هزة كبيرة من اجل الاستجابة لذلك ، وهو ما حدث فينا عبر مختلف مراحل مشوارنا السياسي ،

فقدوم ولد الطايع كان بفعل تفاقم أزمة كبيرة هو من ابرز من أشعلها بإقالته المفاجئة لنقيب كان يعول عليه رئيسه ولد هيداله ، مما دفع إلى حدوث صدام بينهم الاثنين لينتهي ، بانقلاب 12/12/1984 وإعلان عهد جديد من الحرية والإنعتاق كما فُهم حينها بإطلاق السجناء وإرخاء القبضة البوليسية ….

نفس شيء تكرر عند نهاية حقبة ولد الطايع عندما كادت أن تنشب حرب أهلية عبأت لها الدولة وأخذت كافة الوسائل لتغذية الخلافات القبلية ، فكانت النتيجة أن رجال الدولة والمقربين من الرجل قرروا إزاحته لتجنب كل دلك والعمل بشكل مكثف على إعادة الأمور إلى طبيعتها ، والمفارقة العجيبة التي اتضحت خلال كل تلك السنوات أن ذلك الخلاف والتأويل القبلي الذي أنهى حكم ولد الطايع لم يكن من بنان أفكاره وإنما من أفكار من حوله من رجال ، ليستمر الإقصاء منذ تلك الحقبة السوداء إلى حد الساعة …

أتذكرُ أيضا أنه في فترة حكم سيدي ولد الشيخ القصيرة دارت مظاهرات عنيفة كانت بدايتها أزمة ارتفاع الأسعار التي انطلقت في “عدل بكرو” وانتشرت عندما رفع سكان تلك المنطقة علما لدولة مجاورة ، كانت تلك المظاهرات تحركها دواليب صامتة وكنا نحن معشر المغفلين نظن أنها بفعل الأسعار المرتفعة ، وتلك الحادثة من أمور أخرى كانت حجة المنقلبين الجدد 2008 ووعدوا بتغير كل ذلك لكن لم يحصل أي شيء من كل ذلك وكل ما حصل البرنامج الذي أعذّ بإحكام في الخفاء من أجل عودة العسكر للحكم ظاهرا وباطنا …

كأن الأمور تنفك في البداية لتعود إلى أصلها في النهاية أو كأن لكل نهاية طعم خاص …

وهذا كله يدفع إلى التساؤل التالي ، لماذا تقع أحداث كأحداث “مال” في حكم عزيز ؟

والسؤال مباح من ناحية أن الرجل يبرم بقبضة من حديد على الأمور ويحركها كما شاء بطريقة مختلفة تماما عن كل طريقة سابقة دهاء ومكرا ، فالدولة المتحررة التي فتحت الباب حرا للتعبير وحرية الرأي تبرم بمقاليد كل شيء وتراقب عن كثب كل شيء .

ويمكن الإجابة عن ذلك السؤال بحسب ما أرى من خلال نقطتين مختصرتين جدا ..
أولا: إما أن الدولة المتشدقة بكل شي والتي تتصور نفسها جنة ومثالا في التضحية والعطاء ، ليست على ذلك الحال وأن نواقصها أكبر مما حققت بكثير ، حيث أنه ما دامت في الأحوال الطبيعة لا تحدث مثل هذه الأمور إلا بسند متمكن في الدولة يسعى إلى بلورة طريق معين ….

وثانيهما: ويمكن أن يستخلص من نهاية الفرض الأول ، وهو أنه هناك من يسعى ويحفر لولد عبد العزيز وأن الأمر يتطلب مبادرة من نوع خاص تأخذ في الحسبان ذلك ، وإلا سبق السيف العدل وستأتيكم الأيام بما تجهلون.