’’البوركيني’’ موت قيم ونهاية جمهورية

م نعمه عمر
م نعمه عمر

كثيرا ما تساءلت في قرارة نفسي عن السر وراء الاستهداف الدائم الذي تتعرض له الجمهورية الفرنسية، ولماذا تسيل الدماء البريئة في هذا البلد من دون جرم بواح.

لكن عملية النزع القسرية التي استهدفت المايوه الشرعي “البوركيني” من على جسد سيدة مسلمة على أحد الشواطئ الباريسية، قدم لي تفسيرا لا أقول انه يبرر الفعل لكنه يجعل ردة الفعل توازي في تأثيرها السلبي الفعل نفسه.

حيث رمى الفرنسيون بعرض الحائط كل القيم الديمقراطية والحرية الفردية، حين قرروا وعلى جميع المستويات وآخرها المجلس الأعلى للدولة، إعلان الحرب على الاحتشام الذي يمثل بعدا روحيا وإنسانيا للمرأة المسلمة، وفرنسا هي الدولة الأوروبية التي  تعرف جيدا بسبب مستعمراتها، أهمية الاحتشام والمحافظة على كرامة وآدمية المرأة.

أليس صحيحا أن علمانية الدولة تقتضي أن يلبس الإنسان ما يشاء ويفكر بما يشاء ويعتنق الديانة التي يرى أنها الخلاص بالنسبة له؟، لماذا إذن تنحاز النخب الفرنسية من اليمين إلى اليسار لـ “البيكيني”، ضد “البوركيني”؟، ألا يعني ذلك وجود خلل واضح في القوالب الذهنية التي يفكر بها المجتمع وينظر من خلالها إلى مسلمي فرنسا الذين ينشدون العيش المشترك ويرفضون التطرف، لكنهم أيضا يرفضون الذوبان في حضارة لا تمثلهم في جوانب كثيرة من فسقها وعهرها وإلغائها للآخر.

لقد نجح الذين نفذوا عمليات دموية في عدة مدن فرنسية، في إعادة نمط الحكم الثيوقراطي الذي حكم بلاد الغال قبل أن تلغيه الجمهورية، ودفعوا فرنسا إلى التقوقع والانحسار وهي التي ظلت دائما تنشد التوسع بحروبها الصليبية وسككها الحديدة، عندما جندت الدولة وسائلها الأمنية لتنفيذ مهمة لا تمت إلى الإنسانية بصلة، تمثلت في تعرية سيدة على الشاطئ من ملابس اختارت عن وعي أن ترتديها، وسواء كان ذلك التزاما شرعيا أو أخلاقيا هو في النهاية حرية فردية لا تتعدى بالتأكيد على حريات الآخرين لأنها لا ترغمهم على التشبه بها.

باريس أرسلت بهذا السلوك رسالة واضحة مفادها أن كل ما قيل وما يقال عن القيم الديمقراطية والحرية مجرد وهم، كما مكنت العديد من المسلمين في العالم من فك شفرة الدهشة التي كانت تنتابهم كلما سقط ضحايا أبرياء جراء عمل ذو صبغة انتقامية يقوم به متطرف ينسب نفسه إلى الإسلام.

لقد قتلت الدولة الفرنسية مئات الآلاف من المسلمين في شتى أنحاء العالم، واستمرت في تنفيذ سياساتها الاستعمارية خاصة في البلدان العربية، وبالتالي هل تتوقع أن تعيش بسلام خاصة وهي التي تعزز اليوم فعلها الإمبريالي بردة فعل ستدفع لا محالة ثمنها دما ودموعا.. لأنها أعطت لمن لا ينشدون مبررا أصلا، دافعا لأن يقولوا هذه هي فرنسا الحقيقية، فرنسا العنصرية، فرنسا الشوفينية، التي ستقيم الدنيا إذا أرغمت مواطنة من مواطنتها على الاحتشام في شوارع نواكشوط أو الخرطوم أو الرياض، وحق لهم ذلك، حسب منطق رئيس وزراء فرنسا “مانويل فالس” الذي وصف قرار حظر ا”لبوركيني” بأنه صائب ويصب في خانة القرارات الساعية للعيش المشترك.

أي مشترك هذا يا دولة الوزير إذا كنا نتجاوز في سعينا لفرضه “ألف باء الحرية” التي ظلت إلى زمن قريب جزءا من كيانية ووجودية الجمهورية الفرنسية.. حق لنا اليوم دولة الوزير “فالس” أن نقول إن قيمكم الحضارية أصبحت في خبر كان.

محمد نعمه عمر