الجزائر فقدت أحد أبنائها البررة ومناضلا مثاليا

tt555.jpg

عرفت حسين آيت أحمد في القاهرة سنة 1953، وهناك اكتشفنا رجل القناعات ووطنيا لا يساوم. ولكن في السجون الفرنسية حيث أقمنا من سنة 1957 إلى سنة 1961، توطدت علاقات الصداقة بيننا. وأشهد بأنه عندما أرسلت لجنة التنسيق والتنفيذ مشروع أرضية الصومام، كان آيت أحمد الوحيد الذي وافق على المحتوى كاملا، بينما رفع رفقاؤه بعض التحفظات المهمة إلى حد ما. أتذكر تلك النقاشات الساخنة في سجن “لاسونتي”، كما كان الشأن بعد تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، حول مستقبل البلاد، حينها كان آيت أحمد مميزا بتحليلاته الطويلة التي كانت تعبر عن عمق الفكر وأناقة الأسلوب. لقد لام البعض آيت أحمد على شيء من الملائكية التي تكون قد أبعدته عن الصراعات على السلطة. ولكن في الحقيقة أن المجموعة الوحيدة التي كان سينتمي إليها هي مجموعة عبان رمضان التي تم تفكيكها بعد اغتيال زعيمها، وانطلاقا من هذا الحدث لم يعد آيت أحمد مرشحا منافسا. وغداة الاستقلال، خاض معركة في المجلس الـتأسيسي من أجل ترسيخ دولة القانون والتعددية الحزبية والانتخابات الحرة… ولكن سهام بن بلة لم تخطئه, حيث سجن ثم حكم عليه بالإعدام، ولولا أصحابه الذين تحركوا في الخارج لأصابه ما أصاب العقيد شعباني. أما في مرحلة بومدين، فقد تأخر إطلاق سراحه الموعود، ولهذا شهدنا فراره من السجن وإقامته في مدينة لوزان بسويسرا حيث التقينا هنالك عدة مرات. بعدها وفي سنة 1989، غمرت آيت أحمد سعادة كبيرة لعودته إلى أرض الوطن، بعد أن أفرزت أحداث أكتوبر 1988 تعددية حزبية التي دعا إليها دوما، ليتحول حزبه السياسي إلى قوة أساسية في المشهد السياسي للبلاد، إلا أن آماله خابت أمام تفاقم العنف الذي ميز العشرية الحمراء، وفي سنة 1995، قمنا بتأييد فاعل لأرضية العقد الوطني الموقع بالعاصمة الإيطالية روما، وبعد مرور أربع سنوات على ذلك الحدث ترشحنا لانتخابات رئاسة الجمهورية، وخضنا معا حملة انتخابية دون أن نتوهم بحياد قيادة الجيش، وحينما تيقنا بالدليل بأن هذا الأخير ورغم الوعود العلنية المقدمة من قبل الرئيس المستقيل، قد حسم الأمر باختياره لمرشحه، وقرر بذلك أن يفرضه على الشعب بكافة الطرق، بمسرحية انتخابية وهمية، وعليه لم يكن من بد من المترشحين الستة إلا الانسحاب، ليواصلوا كل من جانبه معركة من أجل جزائر جديدة. وفيما يخصني، قمت بإنشاء حزب سياسي “الوفاء”، الذي رفضت السلطة اعتماده، ما شكل خرقا واضحا للدستور في هذا الشأن، بل أكثر من ذلك، قامت قوات الأمن بتاريخ 13 نوفمبر 2000، باقتحام مقر الحزب دون مذكرة تفتيش، لتصادر كافة الوثائق والتجهيزات، كما عمدت إلى إهانة وتوقيف الأمين العام الذي احتجز في مقر أمن العاصمة حتى الفجر، ووضع الأختام على مداخل المقر، وفي نفس السياق، تعذر علي إيجاد قاعة واحدة لتنظيم ندوة صحفية للرد على هذا الظلم، بل أن جل قادة الأحزاب السياسية المعتمدة، رغم قرب هذه الأخيرة من خطنا السياسي، رفضوا، خشية رد فعل من النظام السياسي، أن يوفروا لنا قاعة لمدة ساعتين، للرد أمام وسائل الإعلام، ولم نجد آنذاك سوى آيت أحمد الذي وضع تحت تصرفنا لمدة يومين مقر حزب جبهة القوى الاشتراكية، كما وفر لنا كافة التجهيزات والعتاد والطاقم الإداري لتسهيل مهمتنا، وبفضل آيت أحمد استطعت أن أعيد التواصل مع الرأي العام بحضور حوالي ثلاثين شخصية سياسية، بعضهم كان غير مرغوب فيه من قبل قيادة جبهة القوى الاشتراكية. وإذا كانت الجزائر اليوم قد فقدت في شخص حسين آيت أحمد مجاهدا لا يكل ولا يمل ومناضلا مثاليا، فإنني شخصيا فقدت صديقا وأخا، وإنني إذ أدعو الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، فإنني أشاطر زوجته وأبناءه حزنهم في مصابهم الجلل، كما أتقاسم آلام مسؤولي ومناضلي جبهة القوى الاشتراكية وكل الشعب الجزائري، لأن آيت أحمد ملك لكل الجزائر.